“همس الوجود …. حين تكتب الوجود بهمة الإدراك”

صورة الكاتب
بقلم: وسام الموسوي
التاريخ: 1 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 896
“همس الوجود …. حين تكتب الوجود بهمة الإدراك”

أنا لستُ ناقدًا بالمهنة ، بل قارئًا بالتورّع .

أقف أمام النصوص كما يقف العارف أمام صلاته:

لا لأُقيمها على الميزان، بل لأتطهّر بها من زيفي.

ما من نصٍّ أقرؤه إلا ويقرؤني في المقابل؛ فما الكتابة إلا مرآة الوعي، وما القراءة إلا امتحان القلب أمام المعنى.

أنا أستاذ، نعم، لكنّي لا أرتدي هذا اللقب حين أفتح كتابًا لطالبةٍ من مدينتي، طالبةٍ خرجت من بيئةٍ تعرف الصمت أكثر مما تعرف الضجيج، وكتبت بصدقٍ لا يُدرَّس، بل يُكتسب من التجربة والدهشة.

أقرأها لا لأنّها طالبتي في الدراسة، بل لأنّ في صوتها ما يستحقّ الإصغاء لا التصفيق.

 

إنّ منطقة الوعي التي تكتب منها همس ليست مكانًا سهلاً

إنّها منطقة لا يجيد قراءتها إلا من تورّع، من جرّد نفسه من نرجسيّة الفهم، ووقف أمام الجمال متأدّبًا، كمن يدخل مقامًا لا يليق فيه الكلام الكثير.

ومن هذا المقام قرأتُ روايتها حيرة الوجود بعين الصدق، لا بعين المجاملة؛ بعينٍ ترى النصّ ككائنٍ حيٍّ يُنبت أسئلته من لحم الحيرة ودم الوعي، وبقلبٍ يعرف أن الكتابة، حين تكون صادقة، تتحوّل إلى صلاةٍ ثانيةٍ في دفتر الوجود.

 

في هذا العمل، لا تنسج همس روايةً تقليدية، بل رحلةً داخلية تتقاطع

فيها الأسئلة مع المرايا.

 

هي لا تروي حكاية فتاةٍ تغادر إلى لندن فحسب، بل حكاية وعيٍ يغادر

سكونه إلى اتّساعٍ مدهش من الفكر والشعور.

 

من بين رفوف الكتب التي كانت تلوذ بها في طفولتها، خرجت بطلتها لتبحث

عن ذاتها في مدينةٍ لا تعرف ملامحها، لكنها تفتح ذراعيها لكلّ حائرٍ جميل.

 

في الغربة، تصطدم بالعالم لا لتخافه، بل لتفهمه، وهناك تبدأ هندسة جديدة لداخلها؛ هندسة تبني بالحيرة جسورًا بين القلب والعقل، بين ما تؤمن به وما تتعلّمه.

 

اللغة التي تكتب بها همس لا ترفع صوتها، لكنها تُسمِع من يصغي جيدًا.

إنّها لغة تعرف متى تهمس، ومتى تصمت لتدع المعنى يتنفّس وحده.

 

كأنّها تكتب بماءٍ خفيٍّ يجري بين الجمل، لا بالمداد وحده.

فيها من الشعر ما يُنعش السرد، وفيها من النثر ما يُقوّي الحلم،

وفيها صدقٌ يجعل القارئ يطمئن أنّه أمام صوتٍ لا يقلّد، بل يتشكّل من ذاته.

 

المكان في الرواية ليس جغرافيا بل وجدان؛

القرية الهادئة خارج المدينة تمثّل ذاكرةً أولى، رطبةً بالسكينة،

ولندن تمثّل مرآةً صاخبةً تتجلّى فيها أسئلة الحداثة والحرية والذات.

 

بين المكانين تمتدّ رحلة البطلة كوترٍ مشدودٍ بين الأصل والمصير،

رحلةٌ تُعلّمها أنّ الغربة ليست دائمًا في البعد، بل أحيانًا فينا نحن، حين نرى

العالم ولا نرى أنفسنا فيه.

 

ما يميّز هذا النص ليس حكايته، بل صدقه في مواجهة السؤال.

همس لا تتوارى خلف اللغة، بل تقف في صميمها، تواجه الحيرة بوعيٍ يشبه البوح، وتحوّل القلق إلى معرفةٍ صغيرةٍ لكنها عميقة.

إنّها لا تبحث عن نهاية، لأنّها تدرك أنّ الحيرة نفسها نوعٌ من الوجود.

 

أقولها كما هي، بلا زينة ولا تردّد:

إنّني أستاذها، لكنّني أتعلم منها كيف يُكتب الصدق حين يتحوّل إلى أدب.

أقرأها دائمًا بعينٍ واحدةٍ فقط : عين الصدق.

لا أغالي في المديح ولا أستسهل الانبهار.

لكنّي أؤمن أنّ في هذه الفتاة شموخ نخلةٍ تعرف قيمتها من صلابتها لا من ظلّها

نخلة الكتابة في مدينتها

تثمر كلماتٍ من ضوءٍ لا يُقطف

وتعلّمنا نحن  من أعلى فروعها أن الحيرة ليست ضعفًا بل وضوحًا آخر في وجه الوجود.

عن الکاتب / الکاتبة

وسام الموسوي
وسام الموسوي
شاعر . کاتب مسرحي .مترجم

مقالات أخرى للكاتب

الميديا والذات الممزقة: كيف سرق العرض وجودنا الحقيقي؟

الميديا والذات الممزقة: كيف سرق العرض وجودنا الحقيقي؟

في زمن تتسارع فيه وتيرة التواصل وتنتشر فيه منصات الميديا كالنار في الهشيم، أصبح الانكشاف…

صورة الكاتب وسام الموسوي
30 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“همس الوجود …. حين تكتب الوجود بهمة الإدراك”

بقلم: وسام الموسوي | التاريخ: 1 ديسمبر 2025

التصنيف: الأدب

أنا لستُ ناقدًا بالمهنة ، بل قارئًا بالتورّع .

أقف أمام النصوص كما يقف العارف أمام صلاته:

لا لأُقيمها على الميزان، بل لأتطهّر بها من زيفي.

ما من نصٍّ أقرؤه إلا ويقرؤني في المقابل؛ فما الكتابة إلا مرآة الوعي، وما القراءة إلا امتحان القلب أمام المعنى.

أنا أستاذ، نعم، لكنّي لا أرتدي هذا اللقب حين أفتح كتابًا لطالبةٍ من مدينتي، طالبةٍ خرجت من بيئةٍ تعرف الصمت أكثر مما تعرف الضجيج، وكتبت بصدقٍ لا يُدرَّس، بل يُكتسب من التجربة والدهشة.

أقرأها لا لأنّها طالبتي في الدراسة، بل لأنّ في صوتها ما يستحقّ الإصغاء لا التصفيق.

 

إنّ منطقة الوعي التي تكتب منها همس ليست مكانًا سهلاً

إنّها منطقة لا يجيد قراءتها إلا من تورّع، من جرّد نفسه من نرجسيّة الفهم، ووقف أمام الجمال متأدّبًا، كمن يدخل مقامًا لا يليق فيه الكلام الكثير.

ومن هذا المقام قرأتُ روايتها حيرة الوجود بعين الصدق، لا بعين المجاملة؛ بعينٍ ترى النصّ ككائنٍ حيٍّ يُنبت أسئلته من لحم الحيرة ودم الوعي، وبقلبٍ يعرف أن الكتابة، حين تكون صادقة، تتحوّل إلى صلاةٍ ثانيةٍ في دفتر الوجود.

 

في هذا العمل، لا تنسج همس روايةً تقليدية، بل رحلةً داخلية تتقاطع

فيها الأسئلة مع المرايا.

 

هي لا تروي حكاية فتاةٍ تغادر إلى لندن فحسب، بل حكاية وعيٍ يغادر

سكونه إلى اتّساعٍ مدهش من الفكر والشعور.

 

من بين رفوف الكتب التي كانت تلوذ بها في طفولتها، خرجت بطلتها لتبحث

عن ذاتها في مدينةٍ لا تعرف ملامحها، لكنها تفتح ذراعيها لكلّ حائرٍ جميل.

 

في الغربة، تصطدم بالعالم لا لتخافه، بل لتفهمه، وهناك تبدأ هندسة جديدة لداخلها؛ هندسة تبني بالحيرة جسورًا بين القلب والعقل، بين ما تؤمن به وما تتعلّمه.

 

اللغة التي تكتب بها همس لا ترفع صوتها، لكنها تُسمِع من يصغي جيدًا.

إنّها لغة تعرف متى تهمس، ومتى تصمت لتدع المعنى يتنفّس وحده.

 

كأنّها تكتب بماءٍ خفيٍّ يجري بين الجمل، لا بالمداد وحده.

فيها من الشعر ما يُنعش السرد، وفيها من النثر ما يُقوّي الحلم،

وفيها صدقٌ يجعل القارئ يطمئن أنّه أمام صوتٍ لا يقلّد، بل يتشكّل من ذاته.

 

المكان في الرواية ليس جغرافيا بل وجدان؛

القرية الهادئة خارج المدينة تمثّل ذاكرةً أولى، رطبةً بالسكينة،

ولندن تمثّل مرآةً صاخبةً تتجلّى فيها أسئلة الحداثة والحرية والذات.

 

بين المكانين تمتدّ رحلة البطلة كوترٍ مشدودٍ بين الأصل والمصير،

رحلةٌ تُعلّمها أنّ الغربة ليست دائمًا في البعد، بل أحيانًا فينا نحن، حين نرى

العالم ولا نرى أنفسنا فيه.

 

ما يميّز هذا النص ليس حكايته، بل صدقه في مواجهة السؤال.

همس لا تتوارى خلف اللغة، بل تقف في صميمها، تواجه الحيرة بوعيٍ يشبه البوح، وتحوّل القلق إلى معرفةٍ صغيرةٍ لكنها عميقة.

إنّها لا تبحث عن نهاية، لأنّها تدرك أنّ الحيرة نفسها نوعٌ من الوجود.

 

أقولها كما هي، بلا زينة ولا تردّد:

إنّني أستاذها، لكنّني أتعلم منها كيف يُكتب الصدق حين يتحوّل إلى أدب.

أقرأها دائمًا بعينٍ واحدةٍ فقط : عين الصدق.

لا أغالي في المديح ولا أستسهل الانبهار.

لكنّي أؤمن أنّ في هذه الفتاة شموخ نخلةٍ تعرف قيمتها من صلابتها لا من ظلّها

نخلة الكتابة في مدينتها

تثمر كلماتٍ من ضوءٍ لا يُقطف

وتعلّمنا نحن  من أعلى فروعها أن الحيرة ليست ضعفًا بل وضوحًا آخر في وجه الوجود.