يا لها من حماقة جميلة

صورة الكاتب
بقلم: مروان ياسين الدليمي
التاريخ: 3 نوفمبر 2026 عدد المشاهدات: 2675
يا لها من حماقة جميلة

كنا نظن أن الزمن لعبة.

نرميه في الهواء

فيعود إلينا على هيئة كرة صغيرة

نضحك حين تصطدم برؤوسنا

ثم نركض خلفها حتى آخر الشارع.

 

الزمن يومها

كان طفلا أكثر منا.

يجلس على حافة السرير

يحرك قدميه في الفراغ

ويخفي عقاربه تحت الوسادة

كي لا تعرف أمه أنه تأخر.

 

نفتح أعيننا صباحا

فنجد الشمس جالسة إلى جوارنا

تأكل قطعة خبز مغموسة في الشاي

وتحذرنا من أن نكبر.

لكننا لم نكن نسمع.

 

كان الصباح يمد يده إلينا

نصافحه

فتَعلَقُ في أصابعنا رائحة الطفولة.

 

في ذلك الوقت

كانت الأشجار

أطول من أعمارنا بقليل

والريح تسرق قمصاننا من الحبال

ثم تعيدها إلينا

بعد أن ترتديها في الليل.

 

 

حتى الموت

كان يبدو مثل رجل غريب

يقف عند آخر الزقاق

لا يعرف عنواننا.

 

كنا نظن

أن الأبواب لا تتعب من فتح نفسها

وأن البيوت ستظل واقفة

حتى لو غادرها الجميع

وأن الكراسي ستتذكر أجسادنا

كما يحتفظ الماء بصورة القمر.

 

كنا نضحك.

يا لها من حماقة جميلة!

نضحك

لأننا لم نكن نعرف أن الضحك نفسه

يملك ساعة صغيرة

تدق في مكان لا نراه.

 

في ذلك الزمن

كانت أيدينا صغيرة

لكنها كانت قادرة على حمل العالم.

 

ثم كبر العالم.

أو ربما

كبرت أيدينا خطأ.

لا أحد يعرف.

 

كل ما أعرفه

أنني ذات صباح

بحثت عن الطفل الذي كنت عليه

فوجدت حذاءه القديم تحت السرير.

كان الحذاء مليئا بالتراب.

 

وحين انحنيت لأشم رائحته

سمعت الزمن يضحك من الخزانة.

ضحك طويلا.

ثم قال:

لقد انتهت اللعبة.

لكنني لم أصدقه.

وما زلت أبحث عن الكرة.

عن الکاتب / الکاتبة

مروان ياسين الدليمي
مروان ياسين الدليمي
کاتب/العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


يا لها من حماقة جميلة

بقلم: مروان ياسين الدليمي | التاريخ: 3 نوفمبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

كنا نظن أن الزمن لعبة.

نرميه في الهواء

فيعود إلينا على هيئة كرة صغيرة

نضحك حين تصطدم برؤوسنا

ثم نركض خلفها حتى آخر الشارع.

 

الزمن يومها

كان طفلا أكثر منا.

يجلس على حافة السرير

يحرك قدميه في الفراغ

ويخفي عقاربه تحت الوسادة

كي لا تعرف أمه أنه تأخر.

 

نفتح أعيننا صباحا

فنجد الشمس جالسة إلى جوارنا

تأكل قطعة خبز مغموسة في الشاي

وتحذرنا من أن نكبر.

لكننا لم نكن نسمع.

 

كان الصباح يمد يده إلينا

نصافحه

فتَعلَقُ في أصابعنا رائحة الطفولة.

 

في ذلك الوقت

كانت الأشجار

أطول من أعمارنا بقليل

والريح تسرق قمصاننا من الحبال

ثم تعيدها إلينا

بعد أن ترتديها في الليل.

 

 

حتى الموت

كان يبدو مثل رجل غريب

يقف عند آخر الزقاق

لا يعرف عنواننا.

 

كنا نظن

أن الأبواب لا تتعب من فتح نفسها

وأن البيوت ستظل واقفة

حتى لو غادرها الجميع

وأن الكراسي ستتذكر أجسادنا

كما يحتفظ الماء بصورة القمر.

 

كنا نضحك.

يا لها من حماقة جميلة!

نضحك

لأننا لم نكن نعرف أن الضحك نفسه

يملك ساعة صغيرة

تدق في مكان لا نراه.

 

في ذلك الزمن

كانت أيدينا صغيرة

لكنها كانت قادرة على حمل العالم.

 

ثم كبر العالم.

أو ربما

كبرت أيدينا خطأ.

لا أحد يعرف.

 

كل ما أعرفه

أنني ذات صباح

بحثت عن الطفل الذي كنت عليه

فوجدت حذاءه القديم تحت السرير.

كان الحذاء مليئا بالتراب.

 

وحين انحنيت لأشم رائحته

سمعت الزمن يضحك من الخزانة.

ضحك طويلا.

ثم قال:

لقد انتهت اللعبة.

لكنني لم أصدقه.

وما زلت أبحث عن الكرة.