نظرَ إلى الحقيبة، فبدتْ له ثقيلةً جدًّا، وأعوامُه الستون تعجزُ عن حملها. خبّأ فيها حفنةً من ذكرياتٍ لأيامٍ ظنَّ أنَّ الزمنَ قضى عليها وقدّمها وجبةً للنسيان، لكنها عادتْ ثانيةً بعدما توسّدتْ سجنَ الذاكرة، متمسّكةً بقضبانها الصدئة، حتى أصبحَ وإيّاها وجهين لجسدٍ واحد.
صوتُ عقاربِ الساعة أعاده إلى الزمن.
شعرَ بالثواني تزحفُ على جسده لتلتهمَ ما تبقّى له من وقتٍ في وطنٍ فرّق بينه وبين مَن يحبّ؛ خطفهم على حينِ غفلةٍ، بينما كانت الحياةُ على مقربةٍ منهم. وطنٌ تصفّرُ فيه ريحُ الموت لتعلنَ انتصارَ الخوف على كلِّ شيء.
لم يعد قلبُه قادرًا على تحمّلِ ألم الوحدة.
الصمتُ يعيدُ إلى أسماعه أصواتَ مَن غابوا.
الجدرانُ تسخرُ من ضعفه، والمسافاتُ أنبتتْ أشواكًا فامتلأت الأرضُ بدماءِ خطواته.
باتَ يحلمُ بالسفر، تحمله أجنحةُ الأمل ليحطَّ رحاله منشِدًا السلام، ولينامَ على سريرٍ للأحلام فيه متَّسع، وللصباحِ نوافذُ بستائرَ تسمحُ للنور بالاقتحام دونَ خجل.
كلّما مرَّ الزمنُ، ازدادتْ حقائبُه ثِقلاً، والتصقتْ بالأرض أكثر، كشجرةٍ امتدّتْ جذورُها عميقًا تعانقُ جوفَ الأرض، وأغصانُها تداعبُ السحبَ لتمتلئَ حقولُه برائحةِ التراب حينَ تقبّلُ قطراتُ المطرِ شفاهَ الأرض لتنجبَ الشوق.
شعرَ بالحنين فتَكَبَّلتْ ذراعاه، ولم تُعِنْه على حملِ الحقيبة.
تبعثرتِ الأشياءُ واختلطتْ مع بعضِها. جالتْ عيناه في عمرِه المتبقّي، لعلَّ الأيامَ تمنحُه وقتًا آخرَ، فيعيدُ ترتيبَ حياتِه من جديد ليزرعَ ذكرياتٍ جديدةً، لكنْ لا جذورَ لها.
أحلام آخر الليل
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
أحلام آخر الليل
نظرَ إلى الحقيبة، فبدتْ له ثقيلةً جدًّا، وأعوامُه الستون تعجزُ عن حملها. خبّأ فيها حفنةً من ذكرياتٍ لأيامٍ ظنَّ أنَّ الزمنَ قضى عليها وقدّمها وجبةً للنسيان، لكنها عادتْ ثانيةً بعدما توسّدتْ سجنَ الذاكرة، متمسّكةً بقضبانها الصدئة، حتى أصبحَ وإيّاها وجهين لجسدٍ واحد.
صوتُ عقاربِ الساعة أعاده إلى الزمن.
شعرَ بالثواني تزحفُ على جسده لتلتهمَ ما تبقّى له من وقتٍ في وطنٍ فرّق بينه وبين مَن يحبّ؛ خطفهم على حينِ غفلةٍ، بينما كانت الحياةُ على مقربةٍ منهم. وطنٌ تصفّرُ فيه ريحُ الموت لتعلنَ انتصارَ الخوف على كلِّ شيء.
لم يعد قلبُه قادرًا على تحمّلِ ألم الوحدة.
الصمتُ يعيدُ إلى أسماعه أصواتَ مَن غابوا.
الجدرانُ تسخرُ من ضعفه، والمسافاتُ أنبتتْ أشواكًا فامتلأت الأرضُ بدماءِ خطواته.
باتَ يحلمُ بالسفر، تحمله أجنحةُ الأمل ليحطَّ رحاله منشِدًا السلام، ولينامَ على سريرٍ للأحلام فيه متَّسع، وللصباحِ نوافذُ بستائرَ تسمحُ للنور بالاقتحام دونَ خجل.
كلّما مرَّ الزمنُ، ازدادتْ حقائبُه ثِقلاً، والتصقتْ بالأرض أكثر، كشجرةٍ امتدّتْ جذورُها عميقًا تعانقُ جوفَ الأرض، وأغصانُها تداعبُ السحبَ لتمتلئَ حقولُه برائحةِ التراب حينَ تقبّلُ قطراتُ المطرِ شفاهَ الأرض لتنجبَ الشوق.
شعرَ بالحنين فتَكَبَّلتْ ذراعاه، ولم تُعِنْه على حملِ الحقيبة.
تبعثرتِ الأشياءُ واختلطتْ مع بعضِها. جالتْ عيناه في عمرِه المتبقّي، لعلَّ الأيامَ تمنحُه وقتًا آخرَ، فيعيدُ ترتيبَ حياتِه من جديد ليزرعَ ذكرياتٍ جديدةً، لكنْ لا جذورَ لها.
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
سعد عودة
التعليقات