لن يملكني أحد([1]) ، مجموعة قصصية تجمع ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا – الومضة – في بواكير كتابة هذا الجنس الأدبي والصادرة عام 2008, وكونها لسامي سرحان كان علينا أن نتلقاها بوجه خاص وفق قاعدة تقوم على عمق العملية الإبداعية وتعدد مستوياتها ما بين الذاتي المتصل بالمبدع – سامي سرحان – الاسم السياسي والثقافي والصحفي والتربوي الذي يشغل الناس في بر المحروسة منذ أن وعيت للحياة الثقافية بمدينة بنها حين وطئت قدمي أرضها دارسا بكلية الآداب عام 1988 وإلى الآن وهو عضو فاعل في تلك الحركة منضما لحزب الوفد الحرب الأعرق في الحياة السياسية المصرية ، وهو المولود في الأول من يناير 1951بقرية الشقر مركز كفر شكر بالقليوبية لأب يعمل معلما بوزارة المعارف إذ يجوب محافظات القناة من العريش إلى محافظات الدلتا وهو المولود أي الأب “محمد الصادق” 1910، ليستقر في نهاية حياته الوظيفية بالقرية ، والأم وصفها الكاتب والمؤلف سامي سرحان في الاهداء بقوله :” والدتي التي علمتني الأدب والسياسة “. ومعلوم في التحليل النفسي اللاكاني أن مصدر نشأة الرغبة هو في دائرة الـ آخر، أي في اللاوعي. والأمر الأكثر أهمية والمتحصّل من صياغة لاكان هذه، هو أنّ الرغبة هي نتاج اجتماعي. إذ أنّ الرغبة ليست شأناً شخصياً، كما يتبدى للوهلة الأولى، بل هي ما يتأسس من خلال العلاقات الجدلية لما هو مُدركٌ كرغباتِ ذواتٍ أُخر. فالأم هي الشخص الأول الذي يتخذ موقع الـ آخر، ويكون الطفل في البداية خاضعاً تحت رحمة رغبتها، وفقط عندما يُفصح الـ أب عن الرغبة بواسطة القانون الأبوي الرمزي تتحرر الذات من خضوعها لنزوات هذه الرغبة ([2]). وفي التحليل النفسي الفرويدي يتجه الطفل بأول حب له نحو أمه وباول كراهية تجاه الأب وفي النمو السوى يتحرر الولد من تلك المشاعر ويعيد علاقته بالوالدين فيعترف للأب بحقه في الأم ويقوم الولد بحب الوالد من نفس الجنس والوالد المخالف لجنسه أيضا ([3]). وهنا قد تحقق لسامي سرحان ومن خلال تحليل الإهداء الوقوف على مرحلة نمو سوى وتحقيق الرغبة التي هي رغبة الآخر في كونه في سعي دائم لكي ينجح الأخرون حسب مشروعاته الثقافية الكثيرة التي حققها طوال حياته باعتبارها رغبة الآخر وهو الأب.
. وما بين الموضوعي المتصل بقضايا القرية والمدينة ومشكلات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظرا لتعدد كل هذا المستويات كان علينا ان نختار قصتين لنسلط عليهما الضوء في الدراسة الحالية .
الصمود والتفكير الجماعي لدى الصادق
هناك ارهاصات مصرية بشرت بعلم النفس الإيجابي ذلك التوجه الجديد في علم النفس ، وأحسب أن اهتمامات سيد أحمد عثمان التي كتبها في هذا المجال أو التي اشرف فيها على تلاميذه من خلال الرسائل العلمية لدليل على صدق ما نذهب إليه فهو قد تحدث عن مفاهيم مثل : الاتقان والرجاء والايثار والتحليل الأخلاقي للمسئولية الاجتماعية وعناصرها ووجهة الضبط – محل التبعة كما يفضل ترجمتها – ، والإثراء النفسي ودوره في نمو الطفل وتنشئته.
هذا ويقوم علم النفس الايجابي على ثلاثة أعمدة : الأول دراسة الانفعالات الايجابية ، والثاني دراسة السمات الايجابية وأهمها جوانب القوة والفضيلة وكذلك القدرات كالذكاء ، والثالث دراسة المؤسسات الايجابية مثل الديمقراطية والأسر القوية والبحث الحر ، وكلها مؤسسات تدعم الفضيلة التي بدوها تدعم الانفعالات الايجابية وتساندها . ولقد بدأ جوردون ألبورت مؤسس النظرية الحديثة في الشخصية حياته كأخصائي اجتماعي بهدف تنمية الطابع الشخصي والفضيلة وكان المجال في حاجة لمفهوم جديد لا يحمل قيم ولا تقييم الشخصية وكانت كلمة الشخصية كلمة وصفية على حين أن كلمة الطابع الشخصي تحمل معنى الحكم ومن ثم فإن المفاهيم ذات الطبيعة الأخلاقية مثل الطابع الشخصي والفضيلة تسللت إلى علم النفس متخفية في مفهوم الشخصية . وظاهرة الطابع الشخصي تندثر وحاول علم النفس طرد الطابع الشخصي من نظريات الشخصية كما عند ألبورت . والصراعات اللاشعورية عند فرويد وكتابات سكنر ما بعد الحرية، وبرغم كل ذلك ظل مفهوم الطابع سواء طيبا او سيئا متغلغلا في سياستنا واسلوبنا في تربية ابنائنا([4]).
الصمود هو أحد البناءات الكبرى في علم النفس الإيجابي، فعلم النفس الإيجابي هو المنحى الذي يعظم القوى الإنسانية باعتبارها قوى أصيلة في الإنسان مقابل المناحي السائدة والشائعة والتي تعظم القصور وأوجه الضعف الإنساني، وهذا الاختلاف في الرؤى لا يتعارض مع وحدة الهدف وهو تحقيق جودة الحياة. وبدأت دراسة الصمود منذ أكثر من خمسين عاما ، واتسع المجال حاليا لدراسته وذلك للحاجة الملحة بسبب التقدم التكنولوجي الهائل وزيادة عوامل الخطر في الحياة المعاصرة، وعند تحليله يشير كل حرف من حروفه إلى عملية نفسية : حيث يشير حرف (ص) إلى الصلابة، حيث مقاوم الإنكسار أمام التحديات والمحن. ويشير حرف (م) إلى المرونة، حيث القدرة على تعديل المسار وخلق البدائل. ويشير حرف (و) إلى الوقاية الداخلية والخارجية، حيث العوامل الشخصية والبيئية التي تحمي وتقي من الخطر . ويشير حرف (د) إلى الدافعية ، حيث المثابرة والدأب ، فالصمود هو القوة التي تسمح للإنسان أن يتجاوز التحديات وينهض مما يتعرض له من عثرات ليحقق النمو والكفاءة ، ويستمد مفهوم الصمود مكانته علي الخريطة العلمية من المشهد الاجتماعي، حيث تحيط بالإنسان منذ نشاته تحديات لا قبل له بتجنبها ولا قبل له بالتغلب عليها ، وعليه أن يتجاوزها أو يتعايش معها أو يواجهها. ولابد أن كل فرد لديه قوى يمكن تعظيمها لبناء توجه عقلي يؤكد على الصمود ويقاوم الانكسار([5]).
التفكير الجماعي يفرض علينا ضرورة استخدام الذكاءات المتعددة والعمليات العقلية المختلفة والأسلوب العلمي في التفكير لتشخيص المشكلات وتحديد أسبابها وأساليب مواجهتها . والتفكير الجماعي لا يمكن ان يقوم به الفرد وحده لأنه يتطلب أن تقوم به جماعة من الناس لحل مشكلة ما تتحدى المؤسسات المجتمعية على اختلافها وتنوعها . والخصائص المميزة لنشاط التفكير الجماعي يجب أن تكون موجهة من خلال هدف يتم في ضوئه إدراك العلاقات الأساسية للموقف المشكل والإبداع فيه، حيث ينتج من تنظيم تلك الخبرات “مركبا جديدا ” من شأنه أن يقود إلى الحل المناسب الذي يتضمن عنصر النقد ذلك الذي يقوم بدوره المهم في انجاح عملية التفكير الجماعي من خلال تقويم مدى كفاية الحل الناتج، وبه كذلك – أي الحل – عنصر الاستبصار بحيث يتم إعادة النظر في تنظيم الخبرات المناسبة في صورة حل كامل ، ثم إدراك العلاقات بينها في صورة الهدف المراد تحقيقه. و التفكير الجماعي يعتمد على إنكار الذات ، ، فالتفكير الجماعي لا يعرف سبيلا إلى الأنانية والفردية التي يعج بها مجتمعنا ومؤسساتنا المختلفة([6]) .
يقدم لنا المؤلف صورة عن شخصية الصادق بطل القصة التي تحمل عنوان “خيول النصر” وهذه الشخصية مليئة بكل جوانب الصمود النفسي نتيجة تنشئة اجتماعية ومهارات خاصة لديه، والتفكير الجماعي نتيجة لثقافة وتعليم وتدريب وخبرات ميدانية وحياتية وامتلاك ذكاءات متعددة تلك التي تحدثت عنها مراجع علم النفس الإيجابي الحديثة فيقول المؤلف:
” أمر الصادق الآدميين أن يصدوا الجحافل الآتية لغزو القرية ” وهنا الصداق صاحب قرار وله كاريزما تؤثر في قلوب الأتباع”. فوضعوا رءوسهم فوق أكفهم حالفين برحمة جدهم الأكبر أن يتحدوا للعصي التي أعلنت الحرب عليهم لإجبارهم أن يحنوا رقابهم للمرشح الرافضين انتخابه”. واستجابة الناس لأمر الصادق إنما جاء لخصائصه الشخصية واتفاق توجهه مع ما يعتقدونه من إجبارهم لاختيار مرشح يرفضونه .
ثم يقول :
“كان الصادق قد أفنعهم أنها مسألة كرامة ، ومن حقهم أن يرفضوا الوقوف خلف العمدة”. ويتبدى لنا الصادق أحد المعارضين لمرشح السلطة الذي يدعمه العمدة ، والصادق من المؤمنين بالكرامة الإنسانية باعتبارها أكبر الحاجات الإنسانية التي يحتاجها وإن كانت لم ترد في مدرج ماسلو الشهير للحاجات الإنسانية إذ اعتبر أن تحقيق الذات هي أعلى الحاجات ولكننا هنا ومع سامي سرحان ومن خلال شخصية الصادق نكتشف أن الكرامة الإنسانية هي الحاجة الأعلى لدى الإنسان .
ويكمل :
“تحركت القوات الغازية يسبقها صوت الطلقات الزاعقة في وجه الشمس الذاهبة إلى الغروب . أشار الصادق عليهم أن يضربوا رأس الكوبري الخشبي”
وهنا نرى الصادق صاحب القدرة على اتخاذ القرار بالمواجهة العملية فأمرهم وماذا هم فاعلون ؟ “فسارعوا بإسقاطه حتى الغرق في قاع ترعة السنيتي الآتية من نهر الخير “. وماذا كانت النتيجة ؟. “الدروع والعصي الملتهبة نامت ، لكن الصادق لم يهدأ ، فالحق قضيته الأولى ، ورجال القرية يشهدهم كجذوع النخل ، كأعمدة النور تتصدى للريح العاتي وخيول النصر تنتظر الأمر ، “. وهنا ايضا نجد الصادق المؤمن بقضيته ايمانا راسخا في ظل رؤيته الايجابية لأصحابه الواثقة فيهم والمتوقعة منهم الفعل الايجابي أيضا.
ويقول المؤلف : “أدار الجنود ظهورهم ، تركت الجتت ، انطفأت شمس العمدة وتوارى ظل الأتباع ، والصادق نجح قد نسج كرامة أهل القرية” وكذلك الصادق هنا المنتصر على جحافل الظلم وقد فكر تفكيرا جماعيا لا فرديا ولا أنانيا فكرامة القرية كلها – أي الجماعة المناضلة – هي الغاية والمطلب الأساسي .
ويختم سامي سرحان القصة يقوله :” قد فجر بركان الحرية الكامن فيهم وخيول النصر رقصت سعلوها الفرسان وسط ضجيج الطبل الممتزج بنغمات المزمار ، والصادق رمز للكل ، والعمدة ومرشحه راحا خلف الأستار “. وهنا نلاحظ الصادق الذي لن يصنع الكرامة بكل مكتشفها ومفجرها وهي قوة كامنة في نفوس أصحابه فهو لم يكن مستعليا عليهم ولا متجبرا فيهم ، وتحول الصادق لرمز يعبر عن كل القرية الشرفاء وتمثلت فرحة القرية بالطبول والمزمار ذلك الرمز الرجولي والفحولة معا وكأن رجال القرية والصادق أثبتوا فحولتهم أمام العمدة ومرشحه ممثل للسلطة أيضا ، وأما رواحهم خلف الأستار إشارة علىى بقائهم وعدم نهايتهم واستمرار الصراع على الأرض بين الكرامة ومحاولي سحقها.
وهناك إشارة تحليلية نفسية وفق مفاهيم المحلل الفرنسي جاك لاكان إذ يعبر عن معنى الستارة في تحليله لبيت الشعر القائل: “حين أمرت بانعقاد مجلس الشيوخ هنا ، وحين تواريتُ خلف الستار ” ليشير إلى لعبة البدائل التي نشأت عن كلمة ستارة وكأنها تعبير زائف للقوة السياسية وإلى أنماط الولاء المتغير والمكائد والنزاعات والاحلاف السرية وإشارة للكوميديا السوداء السياسية والشخصية وعناصر السياسية الخفية([7]) .
وهنا تنتهي القصية “خيول النصر” بوعي بارع وأسلوب لا نهائي من التصور الخيالي ، وهل هناك طريق أفضل لإزالة هذه المأساة السياسية والاجتماعية المكتظة بالشخصيات الخفية والمكائد المختلفة من أن نسدل عليه الستار ؟.
ويبقى أن شخصية الصادق يعبر عن المصري في صموده الذي هزم به الطغاة والفاسدين. وبإسلامه الوسطي الذي يؤمن به غالبية المصريين – يمثل عنصر الاعتدال الأكبر في الشخصية المصرية هو العنصر الماسك لبنيانها النفسي الروحي، الموجه لحياتها النفسية الاجتماعية فقد تختلف في الأمة المصرية بعض مظاهر التدين قديماً وحديثاً ولكن القلب المصري قلب مؤمن كأصدق ما يكون الإيمان، هذا ما يبقي قلب مصر حياً، إنه حي بإسلامه حي بسلامة الأصيل من فطرته. وهو كذلك المؤمن بفطرته، والذي قهر الظروف والعقبات طوال تاريخه([8]).
دلالة القبلة:
ما تواتر شيئ في المجموعة القصصية “لا يملكني احد” كتواتر القبلة وهي اذ توحي بالعديد من الدلالات فهي قبلة للوالد على جبينه ويديه وأحيانا قدميه ، وقبلة العاشق علي الشفاه وقبلة الامتنان على يد العلماء والكبراء وهي قبلة الاستسلام لله على الحجر الأسود وهي قبلة الشكر على اليدين بعد قراءة الفاتحة ، ومن هنا كانت القبلة ذات معاني عدة ولسوف نختار نصا يجمع بين القبلة والحياء والخجل معا والخجل من الموضوعات المؤثرة في التفاعلات الاجتماعية بمختلف صورها في علاقاتنا المتعددة من صداقة وزمالة عمل وداخل الأسرة وخارجها كما يؤثر في التوافق النفسي والاجتماعي للأفراد ويعرقل التواصل البناء بينهم إذا وصل الخجل إلى درجة مرتفعة تعوق الإنسان في تعبيره عن ذاته أمام الآخرين وتفقده ثقته بنفسه.
فمن منظور علم النفس الارتقائي ما الذي يجعل الأفراد خجولين؟ وإلى أي حد تتفاعل العوامل الوراثية والبيئية معا في تحديد درجة ما يعانيه الفرد من خجل؟ ومن منظور الشخصية هل الخجل يعد سمة أساسية من سمات الشخصية؟ ومن منظور علم النفس الاجتماعي إلى أي مدى يوجد تشابه بين الخجل والارتباك، وذلك في إطار ظاهرة احمرار الوجه، التي ترتبط بهما. وهل الخجل والارتباك شكلان مختلفان من القلق؟ أم أنهما انفعالان متمايزان؟ وكيف يمكن فهم الوعي بالذات في الحالتين؟ والخجل من منظور علم النفس العيادي، في إطار المفهوم الواسع للقلق الاجتماعي. ويعتبر الخجل أحد سمات الشخصية وإن الخجولين يتشابهون في بعض الجوانب المعرفية وأهمها طبيعة الشعور بالذات والتقييم السلبي للذات، ومن المظاهر السلوكية للخجل الصمت وقلة الكلام وعدم التواصل بالعين، الخجل له علاقة بالكف السلوكي من منظور ارتقائي وفق الافتراض القائل بأن الخجل ينتج عن الكف السلوكي الذي يعد مزاج أساسي لدى الطفل الذي يعاني من الخوف من الغرباء ولا يكون الكف السلوكي هكذا إلا إذا توفرت الشروط الأربعة التالية وهي :أن يظهر هذا السلوك في مرحلة مبكرة من حياة الفرد ، وأن يظل هذا السلوك ثابتا عبر الزمن ، و أن يكون قادرا على التنبؤ بسلوك الفرد، وأن يرتبط ببعض المؤشرات البيولوجية العصبية([9]).
يقول المؤلف في قصة “قبلة الموت” اقتحمها ، أمطرها قبلات حارة ..عاد إلى مكانه في ركن الغرفة اتجهت إليه ، ردت قبلاته وزادت قبلتين، لم يستطع المقاومة ، توارى خجلا، عاتب نفسه ، لقد ارتكب معصية محببة للقلب ، عادت إليه مرة أخرى ، وضعت يدها اليمنى على كتفه والأخرى مررت أصابعها بين شعيرات رأسه ، عاتبته على قسوته، اكد أنه كان رحيما بها، تعلقت بعنقه، أحتضنها ، أخذ يقبلها وهي تقبله ، أصابتهما إغماءة طويلة..”
وهنا يعبر المؤلف على قول الشاعر وبضدها تتمايز الأشياء فقبلة الموت في حقيقة القصة هي قبلة الحياة والحب وكأنه يعبر عن القول الشائع عن شدة الحب “أموت فيك” وكأن الموت إنما يعني الحياة مثل قولنا عن الشخص المريض “أنه بعافية” والمقصود ان العافية تعني العلة والمرض ، والخجل الذي شعر به الحبيب عالجته الحبيبة بمزيد من القبل وكأننا أما قول الشاعر “وداوني بالتي كانت هي الداء”.
ونقترب من القصة التالية لأنها في ذات الأجواء وتحمل عنوان ” القبلة” يقول فيها المؤلف :” يغط الكوز في قاع الزير ، يرفعه إلى فتحة الفم ، يمص الماء بصوت كحفيف أوراق الشجر ، يناولها الكوز ، ترتشف منه رشفات رقيقة ، يفتح الكيس الورقي الأصفر ، يخرج كبشة الفول السوداني ويضعها في حجر جلبابها ، تجرد حبة الفول من ملابسها ، تضعها في فمه ، تعلو الابتسامة وجهه ، يربت على كتفها ، يسألها : تحبينني؟! بلى أحبك حبين !! حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك ، يلاطفها بوضع يده أسفل ذقنها، تميل برأسها ، يختفي وجهها بشرها المتهدل ، تقبل يده، ينزل على رأسها بشفتيه يقبلها ، ينتقل إلى منطقة أخرى أكثر حرارة …”.
والقبلة في هذه القصة متدرجة من حيث الإنفعال ومن حيث الدلالة إذ تبدأ بتعبير رمزي عن القبلة في شرب الماء حيث يشرب هو اولا وتشرب هي من بعده فتلامس شفتيها شفتيه عبر وسيط هو كوز الماء، ثم تتطور القبلة الرمزية حين تضع الفول السوداني في فمه بعد أن تقشرها ولكن المؤلف يؤثر لفظ “تجرد الفول من ملابسها ” وكأنها متوحدة مع حبة الفول وتتمنى لو تجردت هي نفسها من ملابسها ، ثم يتطور التعبير بوضع يده على أسفل ذقنها ، ثم تقبل يده ، فيرد ذلك بتقبيل رأسها ، ثم ينزل لمنطقة أكثر حرارة كتعبير عن اكتمال الشوق ودقة التعبير الصريح لقبلة الفم . وفي القصة أيضا تناص مع قول رابعة العدوية المشهور والمعروف لدى العامة كما في شخصيتي القصة من الريفيين البسطاء ” أحبك حبين “. والحق فيما يتصل بقضايا المرأة منذ أن ترجم صلاح مخيمر كتاب “سيكولوجية المرأة لماري بونابرت عام 1975” والمؤلفات العربية لم تكف عن الصدور بشأن المرأة، مستغلة- المؤلفات – في ذلك قضايا المرأة فتراة تكون الكتب حول الحياة الجنسية للمرأة في سوائها أو اضطرابها وتارة أخرى حول علم نفس المرأة وكأنها كائن مستقل في خصائصه عن الرجل وأغلب تلك المؤلفات ما لم تكن كلها متناسية ما أثبته التحليل النفسي من وجود الثنائية الجنسية لدى الرجل والمرأة. فالأم هي القدوة الصالحة وتعد بمثابة مصدر آمن للحنان والدفء والعطف لأبنائها فالابتسامة أثناء الرضاعة والحنو أثناء تناول الطعام يمثلان النواة الحقيقية لبداية الذكاء الوجداني لدى الطفل كما أن الرباط الوجداني بين الأم كزوجة وبين زوجها وأبنائها يمثل القوة النفسية لخلق جيل مبدع ونافع لنفسه والوطن وهذه الأخيرة كانت الموضوع الأثير داخل قصص المجموعة “لن يملكني أحد ” لسامي سرحان.
والأمثلة على القبلة كثيرة في أغلب قصص المجموعة ولهذا يفضل الرجوع إليها لمعرفة المزيد من التفاصيل والدلالات والمعاني ورقة التعبير وعمق الافكار وتهذيب المشاعر . ولتكتشف مدى الهم الوطني ودعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل وأحوال الجنود المصريين في أحوال النكسة ونصر أكتبر العظيم ، وستجد أيضا قناعات شخصية لدى المؤلف وهو السياسي بالقتل البطيئ لجمال عبدالناصر عن طريق دهن جسمه بالسم.
ويحلو لي التأكيد على المقطع الختامي لقصة ” “المكتوب” التي تناقش بأسلوب بديع وبساطة معهودة من المؤلف انعكاس نصر أكتوبر على الفلاحين في القرى وهم يتابعون أخبار الحرب لحظة بلحظة :” تتخطى قواتنا المصرية قناة السويس . تقتحم خط بارليف ، تهدم الحصون ، يستولي الجنود المصريون على مواقع العدو، تتحرك أفواج المدرعات، تستقبلها الصواريخ والمدفعية المضادة للدبابات ، تحصد فيها ، ترتفع الأصوات بالتكبير ، تختلط الدموع بالفرحة ، يعلو صوت المذياع، يطلب الناس من الشيخ عبده الجلوس ، يرفض قائلا . لن أجلس حتى أطمئن ، يظل واقفا شامخا مرفوع الرأس يستظل بالعمامة، ، يؤدي كل المحيطين له التحية، يسسجدون خلفه على الأرض شكرا لله”.
([1]) سامي سرحان : لن يملكني أحد قصص قصيرة . الهيئة العامة لقصور الثقافة . 2008.
([2]) جون فورستر ومالكولم بوي وشوشانا فيلمن: جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي . ترجمة : عبدالمقصود عبدالكريم المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2000.
([3]) حسين عبدالقادر ، محمد النابلسي التحليل النفسي: ماضيه وحاضره. دار الفكر المعاصر. دمشق . 2002.
([4]) مارتن سليجمان السعادة الحقيقية “استخدام الحديث في علم النفس الايجابي لتبين ما لديك لحياة أكثر انجازا”. ترجمة صفاء الأعسر وأخرون . دار العين . القاهرة . 2005.
([5]) سام جولدشتاين و روبرت بروكس: الصمود لدى الأطفال. ترجمة وتقديم صفاء الأعسر. المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2011.
([6]) إبراهيم محمد المغازي: التفكير الجماعي. دار المعارف . القاهرة . 2013.
([7]) مالكولم بوي :فرويد وبروست ولاكان . “قصة نظرية ” ترجمة : عبدالمقصود عبدالكريم. المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2009. .
([8]) سيد أحمد عثمان : المسئولية الإجتماعية . الأنجلو المصرية . القاعرة . 1992.
([9]) راي كروزير: الخجل. ترجمة: د. معتز سيد عبد الله. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت . 2009.
الصمود والقُبلة في المجموعة القصصية “لن يملكني أحد” لسامي سرحان
لن يملكني أحد([1]) ، مجموعة قصصية تجمع ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا – الومضة – في بواكير كتابة هذا الجنس الأدبي والصادرة عام 2008, وكونها لسامي سرحان كان علينا أن نتلقاها بوجه خاص وفق قاعدة تقوم على عمق العملية الإبداعية وتعدد مستوياتها ما بين الذاتي المتصل بالمبدع – سامي سرحان – الاسم السياسي والثقافي والصحفي والتربوي الذي يشغل الناس في بر المحروسة منذ أن وعيت للحياة الثقافية بمدينة بنها حين وطئت قدمي أرضها دارسا بكلية الآداب عام 1988 وإلى الآن وهو عضو فاعل في تلك الحركة منضما لحزب الوفد الحرب الأعرق في الحياة السياسية المصرية ، وهو المولود في الأول من يناير 1951بقرية الشقر مركز كفر شكر بالقليوبية لأب يعمل معلما بوزارة المعارف إذ يجوب محافظات القناة من العريش إلى محافظات الدلتا وهو المولود أي الأب “محمد الصادق” 1910، ليستقر في نهاية حياته الوظيفية بالقرية ، والأم وصفها الكاتب والمؤلف سامي سرحان في الاهداء بقوله :” والدتي التي علمتني الأدب والسياسة “. ومعلوم في التحليل النفسي اللاكاني أن مصدر نشأة الرغبة هو في دائرة الـ آخر، أي في اللاوعي. والأمر الأكثر أهمية والمتحصّل من صياغة لاكان هذه، هو أنّ الرغبة هي نتاج اجتماعي. إذ أنّ الرغبة ليست شأناً شخصياً، كما يتبدى للوهلة الأولى، بل هي ما يتأسس من خلال العلاقات الجدلية لما هو مُدركٌ كرغباتِ ذواتٍ أُخر. فالأم هي الشخص الأول الذي يتخذ موقع الـ آخر، ويكون الطفل في البداية خاضعاً تحت رحمة رغبتها، وفقط عندما يُفصح الـ أب عن الرغبة بواسطة القانون الأبوي الرمزي تتحرر الذات من خضوعها لنزوات هذه الرغبة ([2]). وفي التحليل النفسي الفرويدي يتجه الطفل بأول حب له نحو أمه وباول كراهية تجاه الأب وفي النمو السوى يتحرر الولد من تلك المشاعر ويعيد علاقته بالوالدين فيعترف للأب بحقه في الأم ويقوم الولد بحب الوالد من نفس الجنس والوالد المخالف لجنسه أيضا ([3]). وهنا قد تحقق لسامي سرحان ومن خلال تحليل الإهداء الوقوف على مرحلة نمو سوى وتحقيق الرغبة التي هي رغبة الآخر في كونه في سعي دائم لكي ينجح الأخرون حسب مشروعاته الثقافية الكثيرة التي حققها طوال حياته باعتبارها رغبة الآخر وهو الأب.
. وما بين الموضوعي المتصل بقضايا القرية والمدينة ومشكلات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظرا لتعدد كل هذا المستويات كان علينا ان نختار قصتين لنسلط عليهما الضوء في الدراسة الحالية .
الصمود والتفكير الجماعي لدى الصادق
هناك ارهاصات مصرية بشرت بعلم النفس الإيجابي ذلك التوجه الجديد في علم النفس ، وأحسب أن اهتمامات سيد أحمد عثمان التي كتبها في هذا المجال أو التي اشرف فيها على تلاميذه من خلال الرسائل العلمية لدليل على صدق ما نذهب إليه فهو قد تحدث عن مفاهيم مثل : الاتقان والرجاء والايثار والتحليل الأخلاقي للمسئولية الاجتماعية وعناصرها ووجهة الضبط – محل التبعة كما يفضل ترجمتها – ، والإثراء النفسي ودوره في نمو الطفل وتنشئته.
هذا ويقوم علم النفس الايجابي على ثلاثة أعمدة : الأول دراسة الانفعالات الايجابية ، والثاني دراسة السمات الايجابية وأهمها جوانب القوة والفضيلة وكذلك القدرات كالذكاء ، والثالث دراسة المؤسسات الايجابية مثل الديمقراطية والأسر القوية والبحث الحر ، وكلها مؤسسات تدعم الفضيلة التي بدوها تدعم الانفعالات الايجابية وتساندها . ولقد بدأ جوردون ألبورت مؤسس النظرية الحديثة في الشخصية حياته كأخصائي اجتماعي بهدف تنمية الطابع الشخصي والفضيلة وكان المجال في حاجة لمفهوم جديد لا يحمل قيم ولا تقييم الشخصية وكانت كلمة الشخصية كلمة وصفية على حين أن كلمة الطابع الشخصي تحمل معنى الحكم ومن ثم فإن المفاهيم ذات الطبيعة الأخلاقية مثل الطابع الشخصي والفضيلة تسللت إلى علم النفس متخفية في مفهوم الشخصية . وظاهرة الطابع الشخصي تندثر وحاول علم النفس طرد الطابع الشخصي من نظريات الشخصية كما عند ألبورت . والصراعات اللاشعورية عند فرويد وكتابات سكنر ما بعد الحرية، وبرغم كل ذلك ظل مفهوم الطابع سواء طيبا او سيئا متغلغلا في سياستنا واسلوبنا في تربية ابنائنا([4]).
الصمود هو أحد البناءات الكبرى في علم النفس الإيجابي، فعلم النفس الإيجابي هو المنحى الذي يعظم القوى الإنسانية باعتبارها قوى أصيلة في الإنسان مقابل المناحي السائدة والشائعة والتي تعظم القصور وأوجه الضعف الإنساني، وهذا الاختلاف في الرؤى لا يتعارض مع وحدة الهدف وهو تحقيق جودة الحياة. وبدأت دراسة الصمود منذ أكثر من خمسين عاما ، واتسع المجال حاليا لدراسته وذلك للحاجة الملحة بسبب التقدم التكنولوجي الهائل وزيادة عوامل الخطر في الحياة المعاصرة، وعند تحليله يشير كل حرف من حروفه إلى عملية نفسية : حيث يشير حرف (ص) إلى الصلابة، حيث مقاوم الإنكسار أمام التحديات والمحن. ويشير حرف (م) إلى المرونة، حيث القدرة على تعديل المسار وخلق البدائل. ويشير حرف (و) إلى الوقاية الداخلية والخارجية، حيث العوامل الشخصية والبيئية التي تحمي وتقي من الخطر . ويشير حرف (د) إلى الدافعية ، حيث المثابرة والدأب ، فالصمود هو القوة التي تسمح للإنسان أن يتجاوز التحديات وينهض مما يتعرض له من عثرات ليحقق النمو والكفاءة ، ويستمد مفهوم الصمود مكانته علي الخريطة العلمية من المشهد الاجتماعي، حيث تحيط بالإنسان منذ نشاته تحديات لا قبل له بتجنبها ولا قبل له بالتغلب عليها ، وعليه أن يتجاوزها أو يتعايش معها أو يواجهها. ولابد أن كل فرد لديه قوى يمكن تعظيمها لبناء توجه عقلي يؤكد على الصمود ويقاوم الانكسار([5]).
التفكير الجماعي يفرض علينا ضرورة استخدام الذكاءات المتعددة والعمليات العقلية المختلفة والأسلوب العلمي في التفكير لتشخيص المشكلات وتحديد أسبابها وأساليب مواجهتها . والتفكير الجماعي لا يمكن ان يقوم به الفرد وحده لأنه يتطلب أن تقوم به جماعة من الناس لحل مشكلة ما تتحدى المؤسسات المجتمعية على اختلافها وتنوعها . والخصائص المميزة لنشاط التفكير الجماعي يجب أن تكون موجهة من خلال هدف يتم في ضوئه إدراك العلاقات الأساسية للموقف المشكل والإبداع فيه، حيث ينتج من تنظيم تلك الخبرات “مركبا جديدا ” من شأنه أن يقود إلى الحل المناسب الذي يتضمن عنصر النقد ذلك الذي يقوم بدوره المهم في انجاح عملية التفكير الجماعي من خلال تقويم مدى كفاية الحل الناتج، وبه كذلك – أي الحل – عنصر الاستبصار بحيث يتم إعادة النظر في تنظيم الخبرات المناسبة في صورة حل كامل ، ثم إدراك العلاقات بينها في صورة الهدف المراد تحقيقه. و التفكير الجماعي يعتمد على إنكار الذات ، ، فالتفكير الجماعي لا يعرف سبيلا إلى الأنانية والفردية التي يعج بها مجتمعنا ومؤسساتنا المختلفة([6]) .
يقدم لنا المؤلف صورة عن شخصية الصادق بطل القصة التي تحمل عنوان “خيول النصر” وهذه الشخصية مليئة بكل جوانب الصمود النفسي نتيجة تنشئة اجتماعية ومهارات خاصة لديه، والتفكير الجماعي نتيجة لثقافة وتعليم وتدريب وخبرات ميدانية وحياتية وامتلاك ذكاءات متعددة تلك التي تحدثت عنها مراجع علم النفس الإيجابي الحديثة فيقول المؤلف:
” أمر الصادق الآدميين أن يصدوا الجحافل الآتية لغزو القرية ” وهنا الصداق صاحب قرار وله كاريزما تؤثر في قلوب الأتباع”. فوضعوا رءوسهم فوق أكفهم حالفين برحمة جدهم الأكبر أن يتحدوا للعصي التي أعلنت الحرب عليهم لإجبارهم أن يحنوا رقابهم للمرشح الرافضين انتخابه”. واستجابة الناس لأمر الصادق إنما جاء لخصائصه الشخصية واتفاق توجهه مع ما يعتقدونه من إجبارهم لاختيار مرشح يرفضونه .
ثم يقول :
“كان الصادق قد أفنعهم أنها مسألة كرامة ، ومن حقهم أن يرفضوا الوقوف خلف العمدة”. ويتبدى لنا الصادق أحد المعارضين لمرشح السلطة الذي يدعمه العمدة ، والصادق من المؤمنين بالكرامة الإنسانية باعتبارها أكبر الحاجات الإنسانية التي يحتاجها وإن كانت لم ترد في مدرج ماسلو الشهير للحاجات الإنسانية إذ اعتبر أن تحقيق الذات هي أعلى الحاجات ولكننا هنا ومع سامي سرحان ومن خلال شخصية الصادق نكتشف أن الكرامة الإنسانية هي الحاجة الأعلى لدى الإنسان .
ويكمل :
“تحركت القوات الغازية يسبقها صوت الطلقات الزاعقة في وجه الشمس الذاهبة إلى الغروب . أشار الصادق عليهم أن يضربوا رأس الكوبري الخشبي”
وهنا نرى الصادق صاحب القدرة على اتخاذ القرار بالمواجهة العملية فأمرهم وماذا هم فاعلون ؟ “فسارعوا بإسقاطه حتى الغرق في قاع ترعة السنيتي الآتية من نهر الخير “. وماذا كانت النتيجة ؟. “الدروع والعصي الملتهبة نامت ، لكن الصادق لم يهدأ ، فالحق قضيته الأولى ، ورجال القرية يشهدهم كجذوع النخل ، كأعمدة النور تتصدى للريح العاتي وخيول النصر تنتظر الأمر ، “. وهنا ايضا نجد الصادق المؤمن بقضيته ايمانا راسخا في ظل رؤيته الايجابية لأصحابه الواثقة فيهم والمتوقعة منهم الفعل الايجابي أيضا.
ويقول المؤلف : “أدار الجنود ظهورهم ، تركت الجتت ، انطفأت شمس العمدة وتوارى ظل الأتباع ، والصادق نجح قد نسج كرامة أهل القرية” وكذلك الصادق هنا المنتصر على جحافل الظلم وقد فكر تفكيرا جماعيا لا فرديا ولا أنانيا فكرامة القرية كلها – أي الجماعة المناضلة – هي الغاية والمطلب الأساسي .
ويختم سامي سرحان القصة يقوله :” قد فجر بركان الحرية الكامن فيهم وخيول النصر رقصت سعلوها الفرسان وسط ضجيج الطبل الممتزج بنغمات المزمار ، والصادق رمز للكل ، والعمدة ومرشحه راحا خلف الأستار “. وهنا نلاحظ الصادق الذي لن يصنع الكرامة بكل مكتشفها ومفجرها وهي قوة كامنة في نفوس أصحابه فهو لم يكن مستعليا عليهم ولا متجبرا فيهم ، وتحول الصادق لرمز يعبر عن كل القرية الشرفاء وتمثلت فرحة القرية بالطبول والمزمار ذلك الرمز الرجولي والفحولة معا وكأن رجال القرية والصادق أثبتوا فحولتهم أمام العمدة ومرشحه ممثل للسلطة أيضا ، وأما رواحهم خلف الأستار إشارة علىى بقائهم وعدم نهايتهم واستمرار الصراع على الأرض بين الكرامة ومحاولي سحقها.
وهناك إشارة تحليلية نفسية وفق مفاهيم المحلل الفرنسي جاك لاكان إذ يعبر عن معنى الستارة في تحليله لبيت الشعر القائل: “حين أمرت بانعقاد مجلس الشيوخ هنا ، وحين تواريتُ خلف الستار ” ليشير إلى لعبة البدائل التي نشأت عن كلمة ستارة وكأنها تعبير زائف للقوة السياسية وإلى أنماط الولاء المتغير والمكائد والنزاعات والاحلاف السرية وإشارة للكوميديا السوداء السياسية والشخصية وعناصر السياسية الخفية([7]) .
وهنا تنتهي القصية “خيول النصر” بوعي بارع وأسلوب لا نهائي من التصور الخيالي ، وهل هناك طريق أفضل لإزالة هذه المأساة السياسية والاجتماعية المكتظة بالشخصيات الخفية والمكائد المختلفة من أن نسدل عليه الستار ؟.
ويبقى أن شخصية الصادق يعبر عن المصري في صموده الذي هزم به الطغاة والفاسدين. وبإسلامه الوسطي الذي يؤمن به غالبية المصريين – يمثل عنصر الاعتدال الأكبر في الشخصية المصرية هو العنصر الماسك لبنيانها النفسي الروحي، الموجه لحياتها النفسية الاجتماعية فقد تختلف في الأمة المصرية بعض مظاهر التدين قديماً وحديثاً ولكن القلب المصري قلب مؤمن كأصدق ما يكون الإيمان، هذا ما يبقي قلب مصر حياً، إنه حي بإسلامه حي بسلامة الأصيل من فطرته. وهو كذلك المؤمن بفطرته، والذي قهر الظروف والعقبات طوال تاريخه([8]).
دلالة القبلة:
ما تواتر شيئ في المجموعة القصصية “لا يملكني احد” كتواتر القبلة وهي اذ توحي بالعديد من الدلالات فهي قبلة للوالد على جبينه ويديه وأحيانا قدميه ، وقبلة العاشق علي الشفاه وقبلة الامتنان على يد العلماء والكبراء وهي قبلة الاستسلام لله على الحجر الأسود وهي قبلة الشكر على اليدين بعد قراءة الفاتحة ، ومن هنا كانت القبلة ذات معاني عدة ولسوف نختار نصا يجمع بين القبلة والحياء والخجل معا والخجل من الموضوعات المؤثرة في التفاعلات الاجتماعية بمختلف صورها في علاقاتنا المتعددة من صداقة وزمالة عمل وداخل الأسرة وخارجها كما يؤثر في التوافق النفسي والاجتماعي للأفراد ويعرقل التواصل البناء بينهم إذا وصل الخجل إلى درجة مرتفعة تعوق الإنسان في تعبيره عن ذاته أمام الآخرين وتفقده ثقته بنفسه.
فمن منظور علم النفس الارتقائي ما الذي يجعل الأفراد خجولين؟ وإلى أي حد تتفاعل العوامل الوراثية والبيئية معا في تحديد درجة ما يعانيه الفرد من خجل؟ ومن منظور الشخصية هل الخجل يعد سمة أساسية من سمات الشخصية؟ ومن منظور علم النفس الاجتماعي إلى أي مدى يوجد تشابه بين الخجل والارتباك، وذلك في إطار ظاهرة احمرار الوجه، التي ترتبط بهما. وهل الخجل والارتباك شكلان مختلفان من القلق؟ أم أنهما انفعالان متمايزان؟ وكيف يمكن فهم الوعي بالذات في الحالتين؟ والخجل من منظور علم النفس العيادي، في إطار المفهوم الواسع للقلق الاجتماعي. ويعتبر الخجل أحد سمات الشخصية وإن الخجولين يتشابهون في بعض الجوانب المعرفية وأهمها طبيعة الشعور بالذات والتقييم السلبي للذات، ومن المظاهر السلوكية للخجل الصمت وقلة الكلام وعدم التواصل بالعين، الخجل له علاقة بالكف السلوكي من منظور ارتقائي وفق الافتراض القائل بأن الخجل ينتج عن الكف السلوكي الذي يعد مزاج أساسي لدى الطفل الذي يعاني من الخوف من الغرباء ولا يكون الكف السلوكي هكذا إلا إذا توفرت الشروط الأربعة التالية وهي :أن يظهر هذا السلوك في مرحلة مبكرة من حياة الفرد ، وأن يظل هذا السلوك ثابتا عبر الزمن ، و أن يكون قادرا على التنبؤ بسلوك الفرد، وأن يرتبط ببعض المؤشرات البيولوجية العصبية([9]).
يقول المؤلف في قصة “قبلة الموت” اقتحمها ، أمطرها قبلات حارة ..عاد إلى مكانه في ركن الغرفة اتجهت إليه ، ردت قبلاته وزادت قبلتين، لم يستطع المقاومة ، توارى خجلا، عاتب نفسه ، لقد ارتكب معصية محببة للقلب ، عادت إليه مرة أخرى ، وضعت يدها اليمنى على كتفه والأخرى مررت أصابعها بين شعيرات رأسه ، عاتبته على قسوته، اكد أنه كان رحيما بها، تعلقت بعنقه، أحتضنها ، أخذ يقبلها وهي تقبله ، أصابتهما إغماءة طويلة..”
وهنا يعبر المؤلف على قول الشاعر وبضدها تتمايز الأشياء فقبلة الموت في حقيقة القصة هي قبلة الحياة والحب وكأنه يعبر عن القول الشائع عن شدة الحب “أموت فيك” وكأن الموت إنما يعني الحياة مثل قولنا عن الشخص المريض “أنه بعافية” والمقصود ان العافية تعني العلة والمرض ، والخجل الذي شعر به الحبيب عالجته الحبيبة بمزيد من القبل وكأننا أما قول الشاعر “وداوني بالتي كانت هي الداء”.
ونقترب من القصة التالية لأنها في ذات الأجواء وتحمل عنوان ” القبلة” يقول فيها المؤلف :” يغط الكوز في قاع الزير ، يرفعه إلى فتحة الفم ، يمص الماء بصوت كحفيف أوراق الشجر ، يناولها الكوز ، ترتشف منه رشفات رقيقة ، يفتح الكيس الورقي الأصفر ، يخرج كبشة الفول السوداني ويضعها في حجر جلبابها ، تجرد حبة الفول من ملابسها ، تضعها في فمه ، تعلو الابتسامة وجهه ، يربت على كتفها ، يسألها : تحبينني؟! بلى أحبك حبين !! حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك ، يلاطفها بوضع يده أسفل ذقنها، تميل برأسها ، يختفي وجهها بشرها المتهدل ، تقبل يده، ينزل على رأسها بشفتيه يقبلها ، ينتقل إلى منطقة أخرى أكثر حرارة …”.
والقبلة في هذه القصة متدرجة من حيث الإنفعال ومن حيث الدلالة إذ تبدأ بتعبير رمزي عن القبلة في شرب الماء حيث يشرب هو اولا وتشرب هي من بعده فتلامس شفتيها شفتيه عبر وسيط هو كوز الماء، ثم تتطور القبلة الرمزية حين تضع الفول السوداني في فمه بعد أن تقشرها ولكن المؤلف يؤثر لفظ “تجرد الفول من ملابسها ” وكأنها متوحدة مع حبة الفول وتتمنى لو تجردت هي نفسها من ملابسها ، ثم يتطور التعبير بوضع يده على أسفل ذقنها ، ثم تقبل يده ، فيرد ذلك بتقبيل رأسها ، ثم ينزل لمنطقة أكثر حرارة كتعبير عن اكتمال الشوق ودقة التعبير الصريح لقبلة الفم . وفي القصة أيضا تناص مع قول رابعة العدوية المشهور والمعروف لدى العامة كما في شخصيتي القصة من الريفيين البسطاء ” أحبك حبين “. والحق فيما يتصل بقضايا المرأة منذ أن ترجم صلاح مخيمر كتاب “سيكولوجية المرأة لماري بونابرت عام 1975” والمؤلفات العربية لم تكف عن الصدور بشأن المرأة، مستغلة- المؤلفات – في ذلك قضايا المرأة فتراة تكون الكتب حول الحياة الجنسية للمرأة في سوائها أو اضطرابها وتارة أخرى حول علم نفس المرأة وكأنها كائن مستقل في خصائصه عن الرجل وأغلب تلك المؤلفات ما لم تكن كلها متناسية ما أثبته التحليل النفسي من وجود الثنائية الجنسية لدى الرجل والمرأة. فالأم هي القدوة الصالحة وتعد بمثابة مصدر آمن للحنان والدفء والعطف لأبنائها فالابتسامة أثناء الرضاعة والحنو أثناء تناول الطعام يمثلان النواة الحقيقية لبداية الذكاء الوجداني لدى الطفل كما أن الرباط الوجداني بين الأم كزوجة وبين زوجها وأبنائها يمثل القوة النفسية لخلق جيل مبدع ونافع لنفسه والوطن وهذه الأخيرة كانت الموضوع الأثير داخل قصص المجموعة “لن يملكني أحد ” لسامي سرحان.
والأمثلة على القبلة كثيرة في أغلب قصص المجموعة ولهذا يفضل الرجوع إليها لمعرفة المزيد من التفاصيل والدلالات والمعاني ورقة التعبير وعمق الافكار وتهذيب المشاعر . ولتكتشف مدى الهم الوطني ودعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل وأحوال الجنود المصريين في أحوال النكسة ونصر أكتبر العظيم ، وستجد أيضا قناعات شخصية لدى المؤلف وهو السياسي بالقتل البطيئ لجمال عبدالناصر عن طريق دهن جسمه بالسم.
ويحلو لي التأكيد على المقطع الختامي لقصة ” “المكتوب” التي تناقش بأسلوب بديع وبساطة معهودة من المؤلف انعكاس نصر أكتوبر على الفلاحين في القرى وهم يتابعون أخبار الحرب لحظة بلحظة :” تتخطى قواتنا المصرية قناة السويس . تقتحم خط بارليف ، تهدم الحصون ، يستولي الجنود المصريون على مواقع العدو، تتحرك أفواج المدرعات، تستقبلها الصواريخ والمدفعية المضادة للدبابات ، تحصد فيها ، ترتفع الأصوات بالتكبير ، تختلط الدموع بالفرحة ، يعلو صوت المذياع، يطلب الناس من الشيخ عبده الجلوس ، يرفض قائلا . لن أجلس حتى أطمئن ، يظل واقفا شامخا مرفوع الرأس يستظل بالعمامة، ، يؤدي كل المحيطين له التحية، يسسجدون خلفه على الأرض شكرا لله”.
([1]) سامي سرحان : لن يملكني أحد قصص قصيرة . الهيئة العامة لقصور الثقافة . 2008.
([2]) جون فورستر ومالكولم بوي وشوشانا فيلمن: جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي . ترجمة : عبدالمقصود عبدالكريم المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2000.
([3]) حسين عبدالقادر ، محمد النابلسي التحليل النفسي: ماضيه وحاضره. دار الفكر المعاصر. دمشق . 2002.
([4]) مارتن سليجمان السعادة الحقيقية “استخدام الحديث في علم النفس الايجابي لتبين ما لديك لحياة أكثر انجازا”. ترجمة صفاء الأعسر وأخرون . دار العين . القاهرة . 2005.
([5]) سام جولدشتاين و روبرت بروكس: الصمود لدى الأطفال. ترجمة وتقديم صفاء الأعسر. المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2011.
([6]) إبراهيم محمد المغازي: التفكير الجماعي. دار المعارف . القاهرة . 2013.
([7]) مالكولم بوي :فرويد وبروست ولاكان . “قصة نظرية ” ترجمة : عبدالمقصود عبدالكريم. المركز القومي للترجمة . القاهرة . 2009. .
([8]) سيد أحمد عثمان : المسئولية الإجتماعية . الأنجلو المصرية . القاعرة . 1992.
([9]) راي كروزير: الخجل. ترجمة: د. معتز سيد عبد الله. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت . 2009.
التعليقات