رواية (نجع المطاربة)

صورة الكاتب
بقلم: أيمن شكري
التاريخ: 20 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1516
رواية (نجع المطاربة)

رواية (نجع المطاربة)

الفصل الأول

الرحلة

لم أكن أدري أن تلك الأطلال -التي نمر عليها غدوا وعشيا- هي لبيت حقيقي من الزمن الغابر. كثيرا ما تساءلت عن تاريخه، عن ملاكه، عن سبب هدمه. لكنني لم أجد ما يشفيني. فأحدهم يقول بأنها دار لأحد عتاة المشعوذين، تهدمت على رأسه ذات ليلة انتقامًا من الله. وآخر يجمح في وصفه بأنها كانت إحدى بيوت الجان -قبل أن يخلق الله آدم- وأنها دار إبنة إبليس بالتحديد. وثالث يدعي بأنه أثر روماني عتيق، في الأصل كان قبرًا لأحد عمال المحاجر –نحاتي الحجر الجيري بجبال الساحل إبان الحكم الروماني-لقى مصرعه إثر سقوطه على منشار حجر عملاق، والذي قصه لنصفين. دفنوه مكانه، وأوقفوا العمل بالمكان، ثم أقاموا حوله ذاك السور العملاق. أعوام قلائل، ورفعوا هذا العامل البسيط لمقام إلهي رفيع. أصبح إله الجبال والبناء، ودعاه الرومان (بلوزيوس). الأسطورة الرابعة أغرب وأعجب. (مقام سيدي بطيخة)، أو سيدي الحنش. الاسم يبدو مضحكا، لكن القصة مؤلمة. تحكي عن راعي غنم عجوز، اسمه سيدي الحنش. مر ذات يوم بأحد مزارعي البطيخ، يسأله الماء. أعطاه المزارع الأمان، ثم قتله غيلة. دفنه بقاع جب عميقة، واستولى على غنماته. ولما تتبع أهل الراعي مسيرته، وسألوا المزارع إذا ما مر به، أنكر تماما. وقبل أن يهموا بالانصراف، أخطأ المزارع حين دعاهم لأكل بطيخة من أشهى ثماره. أجلسهم، وأحضر البطيخة-التي كانت ثقيلة على غير العادة-وما أن هم بقطعها، حتى نزفت دمًا. شقها نصفين، فإذا برأس الراعي القتيل تخرج منها. حينها أيقن أهل الراعي أن المزارع هوالقاتل. إقتصوا منه، ثم دفنوا البطيخة الرأس على تلك التبة العالية، ثم أحاطوها بسور كبير وأحالوها مقامًا للمتوفي، مقام سيدي بطيخة. ثم بعد التهكمات المتكررة على الاسم، غيروه ليصبح على اسم الراعي القتيل، فأصبح مقام سيدي الحنش.
كل تلك القصص والأساطير-برغم سحرها ومعانيها الكامنة-لم تقنعني، لم يثلج صدري عن حكايا ذلك البيت العتيق المهجور-المبني على تلة وسط الصحراء-إلا شخص واحد، هو آخر من تبقى من الجيل الأول، أول جيل يعمر هذه الصحراء الشاسعة، صحراء مطروح.
لم أرتح ولم أصدق يومًا إلا حكايا ذاك العجوز النحيف، سيدي فراج.

عن الکاتب / الکاتبة

أيمن شكري
أيمن شكري
کاتب وقاص / مصر

مقالات أخرى للكاتب

رواية نجع المطاربة…الفصل الثاني

رواية نجع المطاربة…الفصل الثاني

الفصل الثاني رواية نجع المطاربة سيدى فراج   مندائى هو، آخر من تبقى من طائفته.…

صورة الكاتب أيمن شكري
29 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رواية (نجع المطاربة)

بقلم: أيمن شكري | التاريخ: 20 ديسمبر 2025

التصنيف: قصة قصيرة

رواية (نجع المطاربة)

الفصل الأول

الرحلة

لم أكن أدري أن تلك الأطلال -التي نمر عليها غدوا وعشيا- هي لبيت حقيقي من الزمن الغابر. كثيرا ما تساءلت عن تاريخه، عن ملاكه، عن سبب هدمه. لكنني لم أجد ما يشفيني. فأحدهم يقول بأنها دار لأحد عتاة المشعوذين، تهدمت على رأسه ذات ليلة انتقامًا من الله. وآخر يجمح في وصفه بأنها كانت إحدى بيوت الجان -قبل أن يخلق الله آدم- وأنها دار إبنة إبليس بالتحديد. وثالث يدعي بأنه أثر روماني عتيق، في الأصل كان قبرًا لأحد عمال المحاجر –نحاتي الحجر الجيري بجبال الساحل إبان الحكم الروماني-لقى مصرعه إثر سقوطه على منشار حجر عملاق، والذي قصه لنصفين. دفنوه مكانه، وأوقفوا العمل بالمكان، ثم أقاموا حوله ذاك السور العملاق. أعوام قلائل، ورفعوا هذا العامل البسيط لمقام إلهي رفيع. أصبح إله الجبال والبناء، ودعاه الرومان (بلوزيوس). الأسطورة الرابعة أغرب وأعجب. (مقام سيدي بطيخة)، أو سيدي الحنش. الاسم يبدو مضحكا، لكن القصة مؤلمة. تحكي عن راعي غنم عجوز، اسمه سيدي الحنش. مر ذات يوم بأحد مزارعي البطيخ، يسأله الماء. أعطاه المزارع الأمان، ثم قتله غيلة. دفنه بقاع جب عميقة، واستولى على غنماته. ولما تتبع أهل الراعي مسيرته، وسألوا المزارع إذا ما مر به، أنكر تماما. وقبل أن يهموا بالانصراف، أخطأ المزارع حين دعاهم لأكل بطيخة من أشهى ثماره. أجلسهم، وأحضر البطيخة-التي كانت ثقيلة على غير العادة-وما أن هم بقطعها، حتى نزفت دمًا. شقها نصفين، فإذا برأس الراعي القتيل تخرج منها. حينها أيقن أهل الراعي أن المزارع هوالقاتل. إقتصوا منه، ثم دفنوا البطيخة الرأس على تلك التبة العالية، ثم أحاطوها بسور كبير وأحالوها مقامًا للمتوفي، مقام سيدي بطيخة. ثم بعد التهكمات المتكررة على الاسم، غيروه ليصبح على اسم الراعي القتيل، فأصبح مقام سيدي الحنش.
كل تلك القصص والأساطير-برغم سحرها ومعانيها الكامنة-لم تقنعني، لم يثلج صدري عن حكايا ذلك البيت العتيق المهجور-المبني على تلة وسط الصحراء-إلا شخص واحد، هو آخر من تبقى من الجيل الأول، أول جيل يعمر هذه الصحراء الشاسعة، صحراء مطروح.
لم أرتح ولم أصدق يومًا إلا حكايا ذاك العجوز النحيف، سيدي فراج.