رواية نجع المطاربة…الفصل الثاني

صورة الكاتب
بقلم: أيمن شكري
التاريخ: 29 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1106
رواية نجع المطاربة…الفصل الثاني

الفصل الثاني
رواية نجع المطاربة

سيدى فراج

 

مندائى هو، آخر من تبقى من طائفته. كان شيخ الطائفة، المُعَمِّد، والمُعَمَّد. هلك قبيله فيمن هلك، من بعد غزوة برها الملعون. تواعدنا يومًا على لقاء مطول، يحكي لي فيه أخبار النجع القديمة، ووعدني بأن يكشف لي -من دون البشر-سر البيت العتيق.
غريب هو في ملبسه، يرتدى البياض على الدوام. عمة بيضاء -لا يخلعها إلا حين الوضوء- ثوب أبيض فضفاض، تلفيحة بيضاء مبرومة، يلف بها عنقه ويتدلى طرفاها أسفل كتفيه يكادان يلامسان الأرض. لحيته بيضاء كذلك، طويلة ملتوية تذكرك بلحية موسى في تمثال مايكل أنجلو الأشهر. عصا طويلة معوجة يتوكأ عليها بكلتا يديه. يسكن كهفًا غائرًا في بطن الجبل، إلى الغرب من البيت العتيق. لم أسمع منه من قبل، فقط بضع حكايا عنه وعن معجزاته تتناقلها الألسن هنا وهناك. أقدم من في النجع هو. يحفظ قصص الأسلاف عن ظهر قلب، ويرويها، لكن بطريقته الخاصة العجيبة، ينحت القصص على حواف الكهوف، وكذلك على جدران البيت العتيق.
لا ينطق إلا سجعًا. ذوعمر مديد، تختلف الروايات حول عمره الحقيقي، وبأرقام متضاربة كذلك، تبدأ من المائة والعشرين، وتنتهي دون الألف بخمسين. كثيرًا ما فزعنا من نومنا على صوت تراتيله وصلواته التي يوخذ بها جوف الليل.
ذهبت إليه في الموعد المحدد. قبيل الفجر. وجدته يقف على جرف التل المطل على البحر، ثيابه ترفرف بفعل النسيم اليودي المنعش، يتطلع إلى بنظرة عاتبة. صعدت المنحدر على مهل، كانت ليلة مقمرة، ويا للعجب، كان القمر خلفه مباشرة، مخفي، جعله يشع ضياءًا يكاد يذهب بالأبصار. لاء وكأنه كوكب دري. ما أن اقتربت، إلا وزلزلني:
– يس……..
صاح فجأة وهويحدق في عينيَّ، صرخة ظل صداها يتردد طوال الليل، ولا يزال يتردد في أذني حتى الآن. لا أدري كيف علم باسمي. لم أخبره حين تواعدنا. هل هو يناديني؟ أم يدعو ثالثنا في تلك الليلة الليلاء؟ القمر.
انخلع قلبي من بين أضلعي. دمعت عيناه رهبة، فأكمل:
– اخلع نعليك واتبعني.
يحادثني أنا إذنْ. تبعته، يصعد التلة إلى صخرة ضخمة، هي الوحيدة التي تعلو البيت العتيق في المكان، تطل على البيت، وعلى النجع، وعلى الكون بأسره. جلسنا، وبدأ الحديث:
– توك جي؟ ونا في الضي، ليا شهور، نرجاك بلا زاد ولا مي.
– اعذرني ع التأخير. المهم، قالولي عندك سر البيت.
– أنا راوي السر، في الماضي كان يجوبوا البر، حوالين رجوات، غير سبع نفر:
– حطاب.
– سرافيل الجبار.
– صالح نور النوباوى.
– منصور لمرابط.
– مرضى الحفيان.
– ضيف الله العوام.
– برها الشارم.
قالهم وإنصرف. لاحقته مستفسرًا عن الحكايا، فقال:
– حكي اللى فات، بس اتبع سور البيت، راهم تلجاهم منحوتات.
طالعت السور الدائري للبيت العتيق، يلمع تحت ضوء القمر. صممت أن أكمل ليلتي هاهنا، لا أبرح، أفتش عن كل الحكايا على الجدران، أقرؤها، وأفك طلسمها. اقتربت من سور البيت. نقوش عديدة ورسومات وأحرف. طالعت اسم سيدة الأكوان، رجوات. ثم على باقي الجدران، طالعت باقي أسماء الأبطال المذكورين. كل اسم منحوت على جدار منفصل، أسفله عدة أسطر من النقش الغائر-ربما أخذت مئات الليالي من سيدي فراج حتى ينحتها-تتبعت النقوش، علَّني أستدل على حقيقة هذا البيت.

عن الکاتب / الکاتبة

أيمن شكري
أيمن شكري
کاتب وقاص / مصر

مقالات أخرى للكاتب

رواية (نجع المطاربة)

رواية (نجع المطاربة)

رواية (نجع المطاربة) الفصل الأول الرحلة لم أكن أدري أن تلك الأطلال -التي نمر عليها…

صورة الكاتب أيمن شكري
20 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رواية نجع المطاربة…الفصل الثاني

بقلم: أيمن شكري | التاريخ: 29 ديسمبر 2025

التصنيف: قصة قصيرة

الفصل الثاني
رواية نجع المطاربة

سيدى فراج

 

مندائى هو، آخر من تبقى من طائفته. كان شيخ الطائفة، المُعَمِّد، والمُعَمَّد. هلك قبيله فيمن هلك، من بعد غزوة برها الملعون. تواعدنا يومًا على لقاء مطول، يحكي لي فيه أخبار النجع القديمة، ووعدني بأن يكشف لي -من دون البشر-سر البيت العتيق.
غريب هو في ملبسه، يرتدى البياض على الدوام. عمة بيضاء -لا يخلعها إلا حين الوضوء- ثوب أبيض فضفاض، تلفيحة بيضاء مبرومة، يلف بها عنقه ويتدلى طرفاها أسفل كتفيه يكادان يلامسان الأرض. لحيته بيضاء كذلك، طويلة ملتوية تذكرك بلحية موسى في تمثال مايكل أنجلو الأشهر. عصا طويلة معوجة يتوكأ عليها بكلتا يديه. يسكن كهفًا غائرًا في بطن الجبل، إلى الغرب من البيت العتيق. لم أسمع منه من قبل، فقط بضع حكايا عنه وعن معجزاته تتناقلها الألسن هنا وهناك. أقدم من في النجع هو. يحفظ قصص الأسلاف عن ظهر قلب، ويرويها، لكن بطريقته الخاصة العجيبة، ينحت القصص على حواف الكهوف، وكذلك على جدران البيت العتيق.
لا ينطق إلا سجعًا. ذوعمر مديد، تختلف الروايات حول عمره الحقيقي، وبأرقام متضاربة كذلك، تبدأ من المائة والعشرين، وتنتهي دون الألف بخمسين. كثيرًا ما فزعنا من نومنا على صوت تراتيله وصلواته التي يوخذ بها جوف الليل.
ذهبت إليه في الموعد المحدد. قبيل الفجر. وجدته يقف على جرف التل المطل على البحر، ثيابه ترفرف بفعل النسيم اليودي المنعش، يتطلع إلى بنظرة عاتبة. صعدت المنحدر على مهل، كانت ليلة مقمرة، ويا للعجب، كان القمر خلفه مباشرة، مخفي، جعله يشع ضياءًا يكاد يذهب بالأبصار. لاء وكأنه كوكب دري. ما أن اقتربت، إلا وزلزلني:
– يس……..
صاح فجأة وهويحدق في عينيَّ، صرخة ظل صداها يتردد طوال الليل، ولا يزال يتردد في أذني حتى الآن. لا أدري كيف علم باسمي. لم أخبره حين تواعدنا. هل هو يناديني؟ أم يدعو ثالثنا في تلك الليلة الليلاء؟ القمر.
انخلع قلبي من بين أضلعي. دمعت عيناه رهبة، فأكمل:
– اخلع نعليك واتبعني.
يحادثني أنا إذنْ. تبعته، يصعد التلة إلى صخرة ضخمة، هي الوحيدة التي تعلو البيت العتيق في المكان، تطل على البيت، وعلى النجع، وعلى الكون بأسره. جلسنا، وبدأ الحديث:
– توك جي؟ ونا في الضي، ليا شهور، نرجاك بلا زاد ولا مي.
– اعذرني ع التأخير. المهم، قالولي عندك سر البيت.
– أنا راوي السر، في الماضي كان يجوبوا البر، حوالين رجوات، غير سبع نفر:
– حطاب.
– سرافيل الجبار.
– صالح نور النوباوى.
– منصور لمرابط.
– مرضى الحفيان.
– ضيف الله العوام.
– برها الشارم.
قالهم وإنصرف. لاحقته مستفسرًا عن الحكايا، فقال:
– حكي اللى فات، بس اتبع سور البيت، راهم تلجاهم منحوتات.
طالعت السور الدائري للبيت العتيق، يلمع تحت ضوء القمر. صممت أن أكمل ليلتي هاهنا، لا أبرح، أفتش عن كل الحكايا على الجدران، أقرؤها، وأفك طلسمها. اقتربت من سور البيت. نقوش عديدة ورسومات وأحرف. طالعت اسم سيدة الأكوان، رجوات. ثم على باقي الجدران، طالعت باقي أسماء الأبطال المذكورين. كل اسم منحوت على جدار منفصل، أسفله عدة أسطر من النقش الغائر-ربما أخذت مئات الليالي من سيدي فراج حتى ينحتها-تتبعت النقوش، علَّني أستدل على حقيقة هذا البيت.