الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة

صورة الكاتب
بقلم: أ. د. مصطفى عطية جمعة
التاريخ: 11 يناير 2026 عدد المشاهدات: 3034
الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة

الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية
ضد الاستكبار والغطرسة

 

ثمة سؤال جدلي يطرح نفسه على الإبداع والمبدعين في العالم العربي، ألا وهو؟ ما موقف الإبداع ضد استكبار الغرب واستعلائه وغطرسته؟
ذلك، أن أقطارنا العربية عانت إبان الحقبة الاستعمارية من الهيمنة العسكرية والاحتلال المباشر، وها هي الآن تعاني بعد الاستقلال من استعمار بأشكال جديدة، قوامها استمرار الغطرسة، وفرض النموذج الغربي الحضاري، ناهيك عن السعي لإبقاء أقطارنا العربية في دائرة النفوذ، ونهب مواردها، وجعلها مجرد سوق استهلاكية لمنتجات الغرب.
ومن أجل الإجابة عن السؤال المتقدم، علينا أن ندرك أن “الصراع” هو جوهر الفكر الغربي، وهذا متجذر منذ الأساطير اليونانية وفي الآداب الرومانية، وصولا إلى العصر الحديث، والصراع يعني القوة، وقهر الخصم، أي وجود أطراف قوية، تمتلك السلاح والهيمنة، وأطراف ضعيفة تكون خانعة، وأن لجوء الغرب لهذا المنطق إنما هدفه المزيد من التسلط، وضمان استمرارية تحكمه في موارد الشعوب.
وبالطبع، فإن نظرية الصراع لها إسقاطاتها السياسية التي نراها في الأخبار، والرغبة في السيادة والغلبة من قبل الغرب، وإظهار الشعوب العربية في حالة من الانهزامية، والضعف، وليس أمامها إلا الإقرار المستمر بتفوق الآخر الغربي، وأن ليس أمامنا إلا اتباع نهجه، والترويج لثقافته، وتبني نموذجه الحضاري.
هذا، وهناك جملة من التصورات متصلة بفلسفة الصراع؛ مفادها أن الحياة الاجتماعية تولد بطبيعتها الصراع لكونها تتكون من جماعات ذات مصالح مختلفة ومتداخلة، فالنظم الاجتماعية ليست متحدة ومنسجمة فهي تتضمن أشكالا متباينة من القوة وتميل إلى التغيير سعيا لتأكيد ذاتها وضمان حقوقها والتخلص من الطبقة المسيطرة عليها، كل ذلك لن يتأتى إلا عن طريق الصراع. وتتجلى نظرية الصراع Conflict Theory في مستويات: بين الأفراد، وبين الجماعات، وفي دائرة الأفكار، والصراع الطبقي على نحو روّجت إليه الماركسية، وصولا إلى الصراع الحضاري، وتظهر أيضا بقوة في الفكر الليبرالي، خاصة ما يسمى “الليبرالية الجديدة”، التي تنتصر للقوى المحركة للأسواق وجماعات الضغط السياسية والاجتماعية، بجانب تعزيزها مفهوم قوة الأمة ضد الأمم الأخرى، على مبدأ الاستعلاء، وليس التعايش وقبول الآخر، وهو ما ظهر جليا في نظرية “صدام الحضارات” لصموئيل هنتنجتون، وأيضا نظرية “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما، وكلتا النظريتين كانتا مواكبتين لموجات العولمة، بصيغتها الأمريكية وما حملته من حروب وصراعات.
أين دور الأديب العربي؟ الإجابة لابد أن يكون الإبداع العربي حاضرا في هذه المعركة، وأن يتخلص الأدباء العرب من عقدة تقليد النماذج الأدبية الغربية، في فلسفاتها وبنياتها وتوجهاتها الإنسانية، وأيضا القيم والأخلاقيات التي يضعها أدباء العروبة وهي مستنسخة من الحياة الغربية بكل ما فيها من مضادات لهويتنا الثقافية.
أيضا، لابد من التركيز على استنهاض الذات العربية، والعودة إلى أيام الفخر والعزة والقوة الحضارية للأمة، والبحث في أزمنة التاريخ العربي وشخصياته الرائعة، التي واجهت كل أشكال القهر، وحاربوا ببسالة، بعيدا عن الصورة السلبية التي يُقدَّم بها تاريخنا بوصفه تاريخ حروب ودماء ومنازعات، فما أكثر الحقب التاريخية التي كان العرب والمسلمون فيها يتسيدون العالم، ويكفي أنه في القرون الوسطى كان البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، وأن اللغة العربية كانت لغة التعامل بين سكانه على شاطئيه الجنوبي وشماله.
على المبدع العربي أن يلوذ بالقيم والثقافة العربية الأصيلة، وأن ينظر دائما إلى أن الأيام دول، وأن الهزيمة النفسية تأتي من داخلنا، عندما نكون بلا جذور، أو هوية، وأن الانتصار لا يتحقق إلا بوجود وعي بأهمية النهوض الحضاري، الذي يبدأ من لحظة الاعتزاز بالذات الحضارية والثقافية، وتصحيح البوصلة من اتخاذ الغرب نموذجا، إلى الاستفادة منه ومن غيره، وتعزيز الندية الحضارية.

عن الکاتب / الکاتبة

أ. د. مصطفى عطية جمعة
أ. د. مصطفى عطية جمعة
أستاذ الأدب العربي والنقد / مصر

مقالات أخرى للكاتب

قصص قصیرة جداً

قصص قصیرة جداً

قصص قصیرة جداً هجرة ممسكا دليلاً بالإنجليزية، أخبرهم بعزمه على الهجرة فور تخرّجه. معللا أن…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
23 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي

الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي

الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي الشعر فن إبداعي أساسه اللغة والشعور والرؤية ، إنه فن تشترك…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
22 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
الأشكال التمثيلية في تراثنا العربي مناقشة هادئة لجدلية قديمة مشتعلة

الأشكال التمثيلية في تراثنا العربي مناقشة هادئة لجدلية قديمة مشتعلة

لا يمكن قبول الفكرة الشائعة بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تعرف فنون التمثيل التي نراها…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
13 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة

بقلم: أ. د. مصطفى عطية جمعة | التاريخ: 11 يناير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية
ضد الاستكبار والغطرسة

 

ثمة سؤال جدلي يطرح نفسه على الإبداع والمبدعين في العالم العربي، ألا وهو؟ ما موقف الإبداع ضد استكبار الغرب واستعلائه وغطرسته؟
ذلك، أن أقطارنا العربية عانت إبان الحقبة الاستعمارية من الهيمنة العسكرية والاحتلال المباشر، وها هي الآن تعاني بعد الاستقلال من استعمار بأشكال جديدة، قوامها استمرار الغطرسة، وفرض النموذج الغربي الحضاري، ناهيك عن السعي لإبقاء أقطارنا العربية في دائرة النفوذ، ونهب مواردها، وجعلها مجرد سوق استهلاكية لمنتجات الغرب.
ومن أجل الإجابة عن السؤال المتقدم، علينا أن ندرك أن “الصراع” هو جوهر الفكر الغربي، وهذا متجذر منذ الأساطير اليونانية وفي الآداب الرومانية، وصولا إلى العصر الحديث، والصراع يعني القوة، وقهر الخصم، أي وجود أطراف قوية، تمتلك السلاح والهيمنة، وأطراف ضعيفة تكون خانعة، وأن لجوء الغرب لهذا المنطق إنما هدفه المزيد من التسلط، وضمان استمرارية تحكمه في موارد الشعوب.
وبالطبع، فإن نظرية الصراع لها إسقاطاتها السياسية التي نراها في الأخبار، والرغبة في السيادة والغلبة من قبل الغرب، وإظهار الشعوب العربية في حالة من الانهزامية، والضعف، وليس أمامها إلا الإقرار المستمر بتفوق الآخر الغربي، وأن ليس أمامنا إلا اتباع نهجه، والترويج لثقافته، وتبني نموذجه الحضاري.
هذا، وهناك جملة من التصورات متصلة بفلسفة الصراع؛ مفادها أن الحياة الاجتماعية تولد بطبيعتها الصراع لكونها تتكون من جماعات ذات مصالح مختلفة ومتداخلة، فالنظم الاجتماعية ليست متحدة ومنسجمة فهي تتضمن أشكالا متباينة من القوة وتميل إلى التغيير سعيا لتأكيد ذاتها وضمان حقوقها والتخلص من الطبقة المسيطرة عليها، كل ذلك لن يتأتى إلا عن طريق الصراع. وتتجلى نظرية الصراع Conflict Theory في مستويات: بين الأفراد، وبين الجماعات، وفي دائرة الأفكار، والصراع الطبقي على نحو روّجت إليه الماركسية، وصولا إلى الصراع الحضاري، وتظهر أيضا بقوة في الفكر الليبرالي، خاصة ما يسمى “الليبرالية الجديدة”، التي تنتصر للقوى المحركة للأسواق وجماعات الضغط السياسية والاجتماعية، بجانب تعزيزها مفهوم قوة الأمة ضد الأمم الأخرى، على مبدأ الاستعلاء، وليس التعايش وقبول الآخر، وهو ما ظهر جليا في نظرية “صدام الحضارات” لصموئيل هنتنجتون، وأيضا نظرية “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما، وكلتا النظريتين كانتا مواكبتين لموجات العولمة، بصيغتها الأمريكية وما حملته من حروب وصراعات.
أين دور الأديب العربي؟ الإجابة لابد أن يكون الإبداع العربي حاضرا في هذه المعركة، وأن يتخلص الأدباء العرب من عقدة تقليد النماذج الأدبية الغربية، في فلسفاتها وبنياتها وتوجهاتها الإنسانية، وأيضا القيم والأخلاقيات التي يضعها أدباء العروبة وهي مستنسخة من الحياة الغربية بكل ما فيها من مضادات لهويتنا الثقافية.
أيضا، لابد من التركيز على استنهاض الذات العربية، والعودة إلى أيام الفخر والعزة والقوة الحضارية للأمة، والبحث في أزمنة التاريخ العربي وشخصياته الرائعة، التي واجهت كل أشكال القهر، وحاربوا ببسالة، بعيدا عن الصورة السلبية التي يُقدَّم بها تاريخنا بوصفه تاريخ حروب ودماء ومنازعات، فما أكثر الحقب التاريخية التي كان العرب والمسلمون فيها يتسيدون العالم، ويكفي أنه في القرون الوسطى كان البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، وأن اللغة العربية كانت لغة التعامل بين سكانه على شاطئيه الجنوبي وشماله.
على المبدع العربي أن يلوذ بالقيم والثقافة العربية الأصيلة، وأن ينظر دائما إلى أن الأيام دول، وأن الهزيمة النفسية تأتي من داخلنا، عندما نكون بلا جذور، أو هوية، وأن الانتصار لا يتحقق إلا بوجود وعي بأهمية النهوض الحضاري، الذي يبدأ من لحظة الاعتزاز بالذات الحضارية والثقافية، وتصحيح البوصلة من اتخاذ الغرب نموذجا، إلى الاستفادة منه ومن غيره، وتعزيز الندية الحضارية.