اطفالٌ من حجر

صورة الكاتب
بقلم: اسماعيل الرجب
التاريخ: 22 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2532
اطفالٌ من حجر

اطفالٌ من حجر

يمزجُ التراب بالماء في طقسٍ يشبه الصلاة، يُنقّيه من الشوائب كما يُنقي الزاهدُ سريرته، ثم يتركه في حوض التخمير لِيُقارعَ الأيامَ تحت وطأة الاختمار. هناك، يغلي الطين بصمتٍ، ويتبخر الماءُ هرباً من رتابة الانتظار، بينما في “صفحةٍ أخرى” من الوجود ، كان حرمان زوجته كذلك يعتمل في صدرها كغصةٍ تأبى الانحدار. يخيّم اليأسُ فوق ملامحها كسحابةٍ سوداء تسرقُ الضوء من عينيها، وهي ترقبُ بشغفٍ محترق متى يخرجُ ذلك “الجسد الساخن” من بين التشكيلات الطينية الباردة، ليلتحم بجسدها تحت غطاء واحد، لعلّ حرارته تذيبُ صقيع وحشتها.
تفرك جفنيها بأنامل مرتجفة، تقاومُ سلطان النوم حتى الهزيع الأخير من الليل، تخوضُ معركةً خاسرة لتسرق من القدر “لحظة لقاء”، لكنّ الإعياء يهدُّ قواها، فتستسلمُ للرقاد وتغوص في غياهب أحلامٍ رطبة لا تنتمي لواقعها المستبد.
تتراقصُ التكويناتُ وتتزاحمُ الأفكار في مخيلة زوجها النحّاة كموجٍ متلاطم. مسوخٌ تقفُ على أقدامٍ من صلصال، وأخرى منبطحة على المنضدة تمدُّ أطرافها في استجداءٍ صامت، ولوحاتٌ معلقةٌ كوجوهٍ تراقبُ عزلته. تماثيلُه مرايا لحالته النفسية المتشظية؛ حيثُ يصبح العبثُ بعجينة الطين “قداساً” يومياً، ينفسُ فيه عن ضغوط روحه، محولاً الصراخ الصامت إلى جمالٍ ملموس.
يجول بنظراته إلى خزف الأطيانُ حوله في كل مكان؛ في السوق، في الشارع، وفي الزوايا.. أجسادٌ تتحركُ بأرواحٍ تائهة. يستلهمُ منها ملامح منحوتاته ، يقضي ساعاتٍ يعجنُ الطين، يحاوره، يداعب ملمسه الناعم كأنه يغازلُ سراً دفيناً، ولو كان يملكُ “نفخةً من روح” لأطلقها في صدورها لتنطق.
هما جسدان يضمهما سقفٌ واحد، لكنّ بين روحيهما برزخاً لا يبغيان. تدخلُ مشغله، تتأملُ أصابعه التي تمنحُ الطين حياةً ويظنُّ بها عليها، فتتمنى في غمرة انكسارها لو كانت “كتلة صلصال” بين كفيه ليصيغها كما يشتهي. لكنه يتشاغلُ عنها، يوزعُ نظراته الزائغة بين ملامحها الشاحبة وبين تمثال “أفروديت”؛ ربة الجمال التي تحتلُّ الحيز الأكبر في قلبه وتشكيلاته.
ثلاثُ سنواتٍ مرّت، والرحمُ أرضٌ بوار لا تنبتُ طفلاً. ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت، ولم يشفع لهما الحبُّ أمام وحش “الفقد”. بدأ يمارسُ طقوس جنونه؛ يداعبُ أطفالاً من حجر، يقذفُ الكرة لتماثيل اطفال بائسة ، يصرخُ بملء شوقه: “هيا يا وليد.. يا ضياء.. أعيدوها إليّ!”، لكنّ الكرة كانت ترتدُّ من صمت الحجر، وتتدحرجُ تحت أقدامهم الهامدة، فلا يأتيه إلا صدى صوته، يترددُ في أركان الغرفة كنعيبِ بوم.
لم تكن مذنبة لأن رحمها خذلها؟ وإلى متى تظلُّ العلاقةُ تترنحُ كسكيرٍ على حافة الهاوية؟ حاولا مراراً إقناع أنفسهما بأن الحياة لا تُختصر في “امتلاء الأرحام”، وأن الحبَّ قادرٌ على سدِّ الثغرات. كانت تدخلُ خلسةً، تقرّبُ جسد “إيروس” من “أفروديت” في عناقٍ طينيٍّ يائس، وكأنها تمنحُ نفسها فرصةً للالتصاق به عبر الرموز. لكنه كان في كل مرة “يفكُّ عناقهما” ببرود، ويعيدهما إلى أماكنهما الباردة، حتى تسلل المللُ إلى عروقه، وباتت المعاشرة بينهما طقساً ميتاً ينتهي بلا جدوى، كحرثٍ في البحر.
وفي صباح يومٍ هو أشدّ كآبة من سابقه انفجرَ البركانُ في صدره حين أبصرَ “أفروديت” و”إيروس” حطاماً منثوراً، كأنّ زلزالاً ضربَ محرابه المقدّس. لم يكن الحطامُ طيناً في عينيه، بل كان كبرياءه الذي مُرّغ في التراب. استشاط غضباً، وتملّكته رغبةٌ عارمة في الهدم؛ فانطلق نحو المطبخ كريحٍ صرصر، يضربُ بيديه ورجليه كل ما صادفه، فاستحالت الصحونُ شظايا تئنُّ تحت وطأة جنونه، والأواني صرخاتٍ معدنيةً لم تهدأ إلا وهي مهشّمة على الأرض.
لكنّ الغضبَ العارم الذي كان يملؤه، سرعان ما تبخرَ ليحلّ محلّه بردٌ ثقيلٌ حين خطا نحو غرفة النوم. هناك، تسمّرت قدماه في الأرض، وانعقدَ لسانه، وطارت روحه من هول ما رأى.
لم تكن زوجته هناك لتتلقى منه العقاب، بل كانت قد اختارت عقاباً أزلياً يوقظُه من غفلته. كانت تتدلّى من سقف الغرفة كبندولِ ساعةٍ توقفَ فيها الزمن، جثةً هامدةً، ساكنةً، تتأرجحُ في الفراغِ بخفّةٍ مرعبة. الحبلُ المشدودُ حول عنقها كان هو “اللمسة الأخيرة” التي لم يصنعها بيده، وقفَ مشدوهاً أمام أقسى “تمثالٍ” رآه في حياته؛ جسدٌ بشريٌّ عاد طيناً بارداً قبل أوانه، ليستقرّ فيه جلالُ الموت. في تلك اللحظة، أدرك الصانعُ المهزومُ أنّه كان يقضي عمره يبحثُ عن سرِّ الحياة في كتلة صلصال، بينما خنقَ بيدِ إهماله “الروح” الوحيدة التي كانت تنبضُ لأجله ، سادَ صمتٌ جنائزيّ، ولم يَعُد يُسمع في الغرفة سوى “رنين الحطام” في ذاكرته، وصرير الحبلِ وهو يحملُ ثقلَ الخيبةِ الكبرى.

عن الکاتب / الکاتبة

اسماعيل الرجب
اسماعيل الرجب
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اطفالٌ من حجر

بقلم: اسماعيل الرجب | التاريخ: 22 مارس 2026

التصنيف: قصة قصيرة

اطفالٌ من حجر

يمزجُ التراب بالماء في طقسٍ يشبه الصلاة، يُنقّيه من الشوائب كما يُنقي الزاهدُ سريرته، ثم يتركه في حوض التخمير لِيُقارعَ الأيامَ تحت وطأة الاختمار. هناك، يغلي الطين بصمتٍ، ويتبخر الماءُ هرباً من رتابة الانتظار، بينما في “صفحةٍ أخرى” من الوجود ، كان حرمان زوجته كذلك يعتمل في صدرها كغصةٍ تأبى الانحدار. يخيّم اليأسُ فوق ملامحها كسحابةٍ سوداء تسرقُ الضوء من عينيها، وهي ترقبُ بشغفٍ محترق متى يخرجُ ذلك “الجسد الساخن” من بين التشكيلات الطينية الباردة، ليلتحم بجسدها تحت غطاء واحد، لعلّ حرارته تذيبُ صقيع وحشتها.
تفرك جفنيها بأنامل مرتجفة، تقاومُ سلطان النوم حتى الهزيع الأخير من الليل، تخوضُ معركةً خاسرة لتسرق من القدر “لحظة لقاء”، لكنّ الإعياء يهدُّ قواها، فتستسلمُ للرقاد وتغوص في غياهب أحلامٍ رطبة لا تنتمي لواقعها المستبد.
تتراقصُ التكويناتُ وتتزاحمُ الأفكار في مخيلة زوجها النحّاة كموجٍ متلاطم. مسوخٌ تقفُ على أقدامٍ من صلصال، وأخرى منبطحة على المنضدة تمدُّ أطرافها في استجداءٍ صامت، ولوحاتٌ معلقةٌ كوجوهٍ تراقبُ عزلته. تماثيلُه مرايا لحالته النفسية المتشظية؛ حيثُ يصبح العبثُ بعجينة الطين “قداساً” يومياً، ينفسُ فيه عن ضغوط روحه، محولاً الصراخ الصامت إلى جمالٍ ملموس.
يجول بنظراته إلى خزف الأطيانُ حوله في كل مكان؛ في السوق، في الشارع، وفي الزوايا.. أجسادٌ تتحركُ بأرواحٍ تائهة. يستلهمُ منها ملامح منحوتاته ، يقضي ساعاتٍ يعجنُ الطين، يحاوره، يداعب ملمسه الناعم كأنه يغازلُ سراً دفيناً، ولو كان يملكُ “نفخةً من روح” لأطلقها في صدورها لتنطق.
هما جسدان يضمهما سقفٌ واحد، لكنّ بين روحيهما برزخاً لا يبغيان. تدخلُ مشغله، تتأملُ أصابعه التي تمنحُ الطين حياةً ويظنُّ بها عليها، فتتمنى في غمرة انكسارها لو كانت “كتلة صلصال” بين كفيه ليصيغها كما يشتهي. لكنه يتشاغلُ عنها، يوزعُ نظراته الزائغة بين ملامحها الشاحبة وبين تمثال “أفروديت”؛ ربة الجمال التي تحتلُّ الحيز الأكبر في قلبه وتشكيلاته.
ثلاثُ سنواتٍ مرّت، والرحمُ أرضٌ بوار لا تنبتُ طفلاً. ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت، ولم يشفع لهما الحبُّ أمام وحش “الفقد”. بدأ يمارسُ طقوس جنونه؛ يداعبُ أطفالاً من حجر، يقذفُ الكرة لتماثيل اطفال بائسة ، يصرخُ بملء شوقه: “هيا يا وليد.. يا ضياء.. أعيدوها إليّ!”، لكنّ الكرة كانت ترتدُّ من صمت الحجر، وتتدحرجُ تحت أقدامهم الهامدة، فلا يأتيه إلا صدى صوته، يترددُ في أركان الغرفة كنعيبِ بوم.
لم تكن مذنبة لأن رحمها خذلها؟ وإلى متى تظلُّ العلاقةُ تترنحُ كسكيرٍ على حافة الهاوية؟ حاولا مراراً إقناع أنفسهما بأن الحياة لا تُختصر في “امتلاء الأرحام”، وأن الحبَّ قادرٌ على سدِّ الثغرات. كانت تدخلُ خلسةً، تقرّبُ جسد “إيروس” من “أفروديت” في عناقٍ طينيٍّ يائس، وكأنها تمنحُ نفسها فرصةً للالتصاق به عبر الرموز. لكنه كان في كل مرة “يفكُّ عناقهما” ببرود، ويعيدهما إلى أماكنهما الباردة، حتى تسلل المللُ إلى عروقه، وباتت المعاشرة بينهما طقساً ميتاً ينتهي بلا جدوى، كحرثٍ في البحر.
وفي صباح يومٍ هو أشدّ كآبة من سابقه انفجرَ البركانُ في صدره حين أبصرَ “أفروديت” و”إيروس” حطاماً منثوراً، كأنّ زلزالاً ضربَ محرابه المقدّس. لم يكن الحطامُ طيناً في عينيه، بل كان كبرياءه الذي مُرّغ في التراب. استشاط غضباً، وتملّكته رغبةٌ عارمة في الهدم؛ فانطلق نحو المطبخ كريحٍ صرصر، يضربُ بيديه ورجليه كل ما صادفه، فاستحالت الصحونُ شظايا تئنُّ تحت وطأة جنونه، والأواني صرخاتٍ معدنيةً لم تهدأ إلا وهي مهشّمة على الأرض.
لكنّ الغضبَ العارم الذي كان يملؤه، سرعان ما تبخرَ ليحلّ محلّه بردٌ ثقيلٌ حين خطا نحو غرفة النوم. هناك، تسمّرت قدماه في الأرض، وانعقدَ لسانه، وطارت روحه من هول ما رأى.
لم تكن زوجته هناك لتتلقى منه العقاب، بل كانت قد اختارت عقاباً أزلياً يوقظُه من غفلته. كانت تتدلّى من سقف الغرفة كبندولِ ساعةٍ توقفَ فيها الزمن، جثةً هامدةً، ساكنةً، تتأرجحُ في الفراغِ بخفّةٍ مرعبة. الحبلُ المشدودُ حول عنقها كان هو “اللمسة الأخيرة” التي لم يصنعها بيده، وقفَ مشدوهاً أمام أقسى “تمثالٍ” رآه في حياته؛ جسدٌ بشريٌّ عاد طيناً بارداً قبل أوانه، ليستقرّ فيه جلالُ الموت. في تلك اللحظة، أدرك الصانعُ المهزومُ أنّه كان يقضي عمره يبحثُ عن سرِّ الحياة في كتلة صلصال، بينما خنقَ بيدِ إهماله “الروح” الوحيدة التي كانت تنبضُ لأجله ، سادَ صمتٌ جنائزيّ، ولم يَعُد يُسمع في الغرفة سوى “رنين الحطام” في ذاكرته، وصرير الحبلِ وهو يحملُ ثقلَ الخيبةِ الكبرى.