غرفة أم الشهيد
مثل خيط دخان شفيف دخل الشهيد الى غرفة أمه ، رآها مثل بقايا جذع نخلة متفحم ، كتلة من السواد تحيط بها مجموعة من النسوة وبعض الاطفال . ألقى التحية ولم ترد عليه احداهن ، اقترب من أمه التي لم تشعر بوجوده ، قبَّل رأسها ويدها فلم تحرك ساكنا ، كانت مشغولة بترنيمتها الفريدة تعيدها النسوة المحيطات بها . كان الشهيد خجلا جدا حتى انه لم يرمق وجوه النسوة ، اكتفى بأن يركز بصره عليها وحدها دونهن ، راحت عيناه ترسمان هالة من الضوء حول كتلتها ، فانتبه للحظة بأن أنينها قد انقطع فجأة . بدت وكأنها تحتفي بالشعاع المنبعث من نقطة في السقف ، رفعت رأسها رويدا فأصطدم بريق عينيها المغرورقتين بالشعاع النازل فأحست بنسمة هواء باردة ونتف من الثلج تتساقط بانتظام ، تغمر كل مافي غرفتها حتى رؤوس النساء الأخريات .
-أنا هنا .. قال بصوت خفيض ..
حين تناهى ذلك النداء إلى سمعها ، كانت هالة الضوء تتسع لتحجبها عما حولها ..
-تأخرت كثيرا ياحبيبي حتى أني كنت قلقة عليك ..
-لاتقلقي ياامي ، أنا فقط كنت منشغلا بالأعداد لكرنفالي البهي ..
راودتها رغبة شديدة لأن تخبره بأنها تود أن تتعلق بموشور الضوء لتصل إليه ، لكن شيئا ما منعها ، وكأنه فهم مرادها فقال :
-سأنزل إليك كل مساء ، اتركي الباب مواربا واشعلي عود بخور ، عندها سأحكي لك عن سر الضوء ونتف الثلج المتساقطة ..
ضحك أحد الأطفال بصوت عال ، رمقته النسوة بشزر ، ابتسم الشهيد ، وبسرعة الضوء انسرب إلى داخل إطار صورته المعلقة على الحائط . أم الشهيد أخذتها إغفاءه ، وسرعان ما افاقت على هذيان الصبية الصغار ، وهم يتلقفون نتف الثلج المنبعثة من صورة الشهيد الذي كان يبتسم ..
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
غرفة أم الشهيد
غرفة أم الشهيد
مثل خيط دخان شفيف دخل الشهيد الى غرفة أمه ، رآها مثل بقايا جذع نخلة متفحم ، كتلة من السواد تحيط بها مجموعة من النسوة وبعض الاطفال . ألقى التحية ولم ترد عليه احداهن ، اقترب من أمه التي لم تشعر بوجوده ، قبَّل رأسها ويدها فلم تحرك ساكنا ، كانت مشغولة بترنيمتها الفريدة تعيدها النسوة المحيطات بها . كان الشهيد خجلا جدا حتى انه لم يرمق وجوه النسوة ، اكتفى بأن يركز بصره عليها وحدها دونهن ، راحت عيناه ترسمان هالة من الضوء حول كتلتها ، فانتبه للحظة بأن أنينها قد انقطع فجأة . بدت وكأنها تحتفي بالشعاع المنبعث من نقطة في السقف ، رفعت رأسها رويدا فأصطدم بريق عينيها المغرورقتين بالشعاع النازل فأحست بنسمة هواء باردة ونتف من الثلج تتساقط بانتظام ، تغمر كل مافي غرفتها حتى رؤوس النساء الأخريات .
-أنا هنا .. قال بصوت خفيض ..
حين تناهى ذلك النداء إلى سمعها ، كانت هالة الضوء تتسع لتحجبها عما حولها ..
-تأخرت كثيرا ياحبيبي حتى أني كنت قلقة عليك ..
-لاتقلقي ياامي ، أنا فقط كنت منشغلا بالأعداد لكرنفالي البهي ..
راودتها رغبة شديدة لأن تخبره بأنها تود أن تتعلق بموشور الضوء لتصل إليه ، لكن شيئا ما منعها ، وكأنه فهم مرادها فقال :
-سأنزل إليك كل مساء ، اتركي الباب مواربا واشعلي عود بخور ، عندها سأحكي لك عن سر الضوء ونتف الثلج المتساقطة ..
ضحك أحد الأطفال بصوت عال ، رمقته النسوة بشزر ، ابتسم الشهيد ، وبسرعة الضوء انسرب إلى داخل إطار صورته المعلقة على الحائط . أم الشهيد أخذتها إغفاءه ، وسرعان ما افاقت على هذيان الصبية الصغار ، وهم يتلقفون نتف الثلج المنبعثة من صورة الشهيد الذي كان يبتسم ..
التعليقات