غرفة أم الشهيد 

صورة الكاتب
بقلم: باسم القطراني
التاريخ: 24 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2614
غرفة أم الشهيد 

 

غرفة أم الشهيد

مثل خيط دخان شفيف دخل الشهيد الى غرفة أمه ، رآها مثل بقايا جذع نخلة متفحم ، كتلة من السواد تحيط بها مجموعة من النسوة وبعض الاطفال . ألقى التحية ولم ترد عليه احداهن ، اقترب من أمه التي لم تشعر بوجوده ، قبَّل رأسها ويدها فلم تحرك ساكنا ، كانت مشغولة بترنيمتها الفريدة تعيدها النسوة المحيطات بها . كان الشهيد خجلا جدا حتى انه لم يرمق وجوه النسوة ، اكتفى بأن يركز بصره عليها وحدها دونهن ، راحت عيناه ترسمان هالة من الضوء حول كتلتها ، فانتبه للحظة بأن أنينها قد انقطع فجأة . بدت وكأنها تحتفي بالشعاع المنبعث من نقطة في السقف ، رفعت رأسها رويدا فأصطدم بريق عينيها المغرورقتين بالشعاع النازل فأحست بنسمة هواء باردة ونتف من الثلج تتساقط بانتظام ، تغمر كل مافي غرفتها حتى رؤوس النساء الأخريات .
-أنا هنا .. قال بصوت خفيض ..
حين تناهى ذلك النداء إلى سمعها ، كانت هالة الضوء تتسع لتحجبها عما حولها ..
-تأخرت كثيرا ياحبيبي حتى أني كنت قلقة عليك ..
-لاتقلقي ياامي ، أنا فقط كنت منشغلا بالأعداد لكرنفالي البهي ..

راودتها رغبة شديدة لأن تخبره بأنها تود أن تتعلق بموشور الضوء لتصل إليه ، لكن شيئا ما منعها ، وكأنه فهم مرادها فقال :
-سأنزل إليك كل مساء ، اتركي الباب مواربا واشعلي عود بخور ، عندها سأحكي لك عن سر الضوء ونتف الثلج المتساقطة ..

ضحك أحد الأطفال بصوت عال ، رمقته النسوة بشزر ، ابتسم الشهيد ، وبسرعة الضوء انسرب إلى داخل إطار صورته المعلقة على الحائط . أم الشهيد أخذتها إغفاءه ، وسرعان ما افاقت على هذيان الصبية الصغار ، وهم يتلقفون نتف الثلج المنبعثة من صورة الشهيد الذي كان يبتسم ..

عن الکاتب / الکاتبة

باسم القطراني
باسم القطراني
قاص وكاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


غرفة أم الشهيد 

بقلم: باسم القطراني | التاريخ: 24 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

 

غرفة أم الشهيد

مثل خيط دخان شفيف دخل الشهيد الى غرفة أمه ، رآها مثل بقايا جذع نخلة متفحم ، كتلة من السواد تحيط بها مجموعة من النسوة وبعض الاطفال . ألقى التحية ولم ترد عليه احداهن ، اقترب من أمه التي لم تشعر بوجوده ، قبَّل رأسها ويدها فلم تحرك ساكنا ، كانت مشغولة بترنيمتها الفريدة تعيدها النسوة المحيطات بها . كان الشهيد خجلا جدا حتى انه لم يرمق وجوه النسوة ، اكتفى بأن يركز بصره عليها وحدها دونهن ، راحت عيناه ترسمان هالة من الضوء حول كتلتها ، فانتبه للحظة بأن أنينها قد انقطع فجأة . بدت وكأنها تحتفي بالشعاع المنبعث من نقطة في السقف ، رفعت رأسها رويدا فأصطدم بريق عينيها المغرورقتين بالشعاع النازل فأحست بنسمة هواء باردة ونتف من الثلج تتساقط بانتظام ، تغمر كل مافي غرفتها حتى رؤوس النساء الأخريات .
-أنا هنا .. قال بصوت خفيض ..
حين تناهى ذلك النداء إلى سمعها ، كانت هالة الضوء تتسع لتحجبها عما حولها ..
-تأخرت كثيرا ياحبيبي حتى أني كنت قلقة عليك ..
-لاتقلقي ياامي ، أنا فقط كنت منشغلا بالأعداد لكرنفالي البهي ..

راودتها رغبة شديدة لأن تخبره بأنها تود أن تتعلق بموشور الضوء لتصل إليه ، لكن شيئا ما منعها ، وكأنه فهم مرادها فقال :
-سأنزل إليك كل مساء ، اتركي الباب مواربا واشعلي عود بخور ، عندها سأحكي لك عن سر الضوء ونتف الثلج المتساقطة ..

ضحك أحد الأطفال بصوت عال ، رمقته النسوة بشزر ، ابتسم الشهيد ، وبسرعة الضوء انسرب إلى داخل إطار صورته المعلقة على الحائط . أم الشهيد أخذتها إغفاءه ، وسرعان ما افاقت على هذيان الصبية الصغار ، وهم يتلقفون نتف الثلج المنبعثة من صورة الشهيد الذي كان يبتسم ..