ريبوزي (منقوص الأوكسجين)

صورة الكاتب
بقلم: حنان النشمي
التاريخ: 26 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2459
ريبوزي (منقوص الأوكسجين)

ريبوزي (منقوص الأوكسجين)
في مجاز المقابر عبثوا الأحياء..

فـي خضم الأيَّام، هاجرت طيور الأسئلة عن ألسنةِ الناسِ، ولم يتبقَ غير الشائعاتِ المُنكمشةِ عن مجالسِ النميمةِ التي تتداولُ سبب انتحارها.
فِي الوكالةِ الغذائيةِ، حيث كُنت أساعدُ والدي، تجمعت الرواياتُ كعقدٍ مُتشابكٍ، همست إحداهن:” أُمّ زوجها خنقت أنفاسَهُا بتدخلاتِها”
ردّت أخرى بنبرةٍ مُرتابةٍ:”لا، أخوها الأكبر..عنفهُ كسرها وهي عِندَ أهلِها”
أمّا الحاجة أمّ حسين فقد حلفت بصوتٍ محشوٍ باليقين:” أهلُهُا غسلوا العارَ بالنارِ… أطفأوا بها فضيحتهم”.
فأجابَ أبو مُحمّد وهو يحكمُ شدَّ كيس العدس: أيُّ فضيحةٍ؟…ياه، حتى الميت لم يسلم من قيِّحِ الغيبةِ؟

***********************
كنتُ كُلّما مررتُ داخلَ زقاقِهم، يتراءى لي بيتهم فيبدو كمن أَُطفئ قبس روحه، حيث أبوابه توشَّحت بالامتعاضِ/ بالاستياءِ/ بالاحتجاجِ/ بالانتفاضِ بعد أن خرجتِ الجثة من الحمّامِ متفحمةً والجدرانُ تحبسُ الأنفاسَ خشيةَ أن تُفجِّر في الأُمِّ ينبوعًا من النحيبِ، وحينذاك يبدأ البنكرياسُ بالانتكاسِ ولا ينفعُ الأنسولين في تثبيطِ سُكرِها.
وقد تناهى ما قد قيل عنها إلى أُذني: منذ سعال الديك في تلكَ الصبيحةِ المشؤومةِ والأمّ ممتلئةٌ بالحُزنِ المُتقيِّحِ حتى صيّرتها المُصيبة إلى جثةٍ تتنفّسُ بعد كُلِّ نعيٍّ رماديٍّ … ذات عصرٍ كنتُ فِي السوقِ، من بينِ نبراتِ باعة الخضار المتهّدجين وأصوات السمّاكين ترامى أذيالُ صوت أنثويٍّ محزون على أطرافِ أُذني، كان يزيلُ الكلحَ عن الوجهِ حين الانصات إليهِ، فأصبحت الحويصلات الرئوية مُكتظةً بالاستدارةِ نحو الصوت.
أمامَ بسطةِ الخضرواتِ، رأيتُها .. رأيتُها .. هيَ.. قد رأيتُها.. ياااه مرت فترةٌ طويلةٌ، كانت أول و آخِر مرَّة فِي مُصيبتِهم/جنازتِهم رأيتُها .. من بينِ كُلِّ المُشيّعين لمحتُ _ وقتذاك _ السّنا اللامع يلتحفُ عينيها، أمَّا الآن .. فهيَ تحملُ وجهًا مغسولًا بالأسى وروحًا تتحمصُ بجذواتِ التصبّرِ، أحسستُ كأنَّها تقاومُ الذبولَ أمامَ أعين المُتقوّلين، وتُشيّحُ إلتهابَ الأيَّامِ المُندى بالنميمةِ المُمّلحةِ، حملتْ سلّةَ الأغلالِ، وثوبُ الحدادِ على أختِها يجُرُّها بين العباءاتِ في متاهةِ السوقِ، فتكسّرت الصورةُ المُمتدة خلف ظلالِها بحجرٍ تهاوى مِن شقِّ المستحيلاتِ، فتلكَ العائلة كانت رؤوسُهُم مُطأطأة بالحُزنِ والخجلِ، لم يعد لوجودهم ملامح، أكلتها الألسنة، ومعدةُ السنواتِ لم تعد لها المقدرة على هضمِ القال والقيل بل تغذَّت على الحقدِ والرغبةِ في الانتقامِ، ترافقُهُم أنّاتٌ تندُّ من بيتِهم المثكولِ بحادثةِ البنتِ/الكنّةِ/الزوجةِ المُنتحرةِ
الزمنُ لا يتوقفُ، والإجازةُ انتهت… عليَّ الالتحاق بالدوامِ العسكريِّ، لكن أقاويلَ أهل المنطقة لم تغادرني، كانت تحطُّ كُلَّ ليلةٍ بجناحيِها الثقيلينِ على صدري، ثم تحلِّقُ تاركةً خلفها ريشًا مُبعثرًا من الأسئلةِ التي لم أجد لها إجابةً…
في محاولةٍ لفهمِ النفسِ البشريِّةِ، تذكرتُ ما أشار إليهِ إيمانويل كانط فِي كتابِهِ “نقدُ العقل الخالص”، حيث يقولُ: الأفكارُ بدون محتوى فارغة، والإدراكُ الحسيُّ بدون مفاهيمٍ أعمى”
فهل كان يقصدُ أنَّ التجربةَ وحدها لا تكفي للفهمِ؟ هل نحنُ حقًا بحاجةٍ إلى عقلٍ ينظمُ انفعالاتنا اليومية في ظلِّ العائلةِ/ الشارعِ/المجتمعِ/ حتى لا نستسلمُ للهاويةِ؟
إذًا، لماذا يختارُ الإنسانُ الإنتهاءَ بمحضِ إرادتِهِ؟
تقلّبتُ نحو الجانب الأيسر أطردُ خفافيشَ أقوال الناس/ فلسفة كانط/ وأنفضُ صدري من بقايا ريش الأسئلةِ.. فِي فترةِ الإفطار الصباحي، راحت أصابعي تزحفُ نحو تطبيقي المُفضل Quora المدهون بالمعرفةِ فأسقطُ منكبًّا على مقالةٍ لفيلسوفٍ اسمهُ “ديفيد هيوم” الذي يقول :لا شيء في الذهن إلا وكان في الحواسِ أولًا .
عجيب!.. هل يعني هذا إنَّ الألمَ الذي استشعرته في كُلِّ تفصيلةٍ من حياتِها كان كافيًا ليدفعَها إلى القرارِ الأخير؟
بقيتُ مُعلَّقًا بين عقلٍ يرى أنَّ الفكرَ هو من يمنحُ التجربةَ معناها، وبين تجربةٍ تصرُّ على أنَّ الإحساس هو الحقيقة الوحيدة… لكن أيّهما كان محقًا؟ وأيٌّ مِنهما كان يمكن أن ينقذها؟
ذات خروجٍ من ضياعٍ ومحنةٍ كنتُ مع هيوم، بعد سنواتٍ وجدتُ نفسي اتفقُ تمامًا مع كانطِ ويمكن القول: على الإنسانِ أن يتبعَ الفكرَ لا الإحساس.. مع ملحوظةٍ (عندما يقعُ قولي أمام عينيك لا تشتمُني..أرجوك).
بعد الظهيرةِ كنتُ أعضُّ أصبعي (إي والله .. أعترفُ أن للإحساس دور على تصرفاتِنا .. من المؤسفِ أن أقولَ الآن أغدقوا عليَّ بالشتيمةِ).
استمررتُ بالعضِّ مخافة أن تتزحلق مسبَّة فيأخذُها راكضًا لِسان واش إلى معاون مدير الشرطة، بعدَ أن أصدرَ أمرًا مختومًا بالموافقةِ من قبل القيادةِ العُليا على نقلِي إلى قريةٍ نائيةٍ في أطرافِ كركوك، في بادِئ الأمر كنتُ أتصوّرُ مساوئ النقل الّذي جاءَ بعد العديد من التقاريرِ الموقعةِ ضدي والوشايات المُرصعة بالمبالغةِ وبالنبشِّ والبحشِّ حتى في ( زاغورِ الجنِّ) .. ليس صعبًا أن تكونَ بمبادئ ثابتةٍ أن ترفضَ الرشوةَ ولا تسمحَ بعبورِ بعض المركباتِ التابعةِ لمعارفِ الضباطِ إلى المناطقِ الممنوعةِ أثناء الواجب، أن تعرضَ كُلَّ شيءٍ للتفتيشِ، أن ترفضَ إجازاتِ الجنودِ غير الضروريةِ و و و ….
ابتسمتُ بوجهِ الحيلةِ وأخذتُ أُهيئُ أغراضي وأخيرًا .. تخلصتُ من الطلباتِ والاتصالاتِ ذات المصلحةِ.

وصلتُ القريةَ، كان أهلُها بسحنةٍ توحي بصعوبةِ المراسِ، عُيونهم تبذر في وجوهِ الآتينَ حفنةً مِن العاداتِ البدويّةِ/التقاليدِ العشائريةِ.
دعاني أحد كبار رؤوس العشيرة إلى مضيفِهِ ليستعرضَ كرمَهُ وللتفاهم على ورقةٍ تصبُّ قوانينها لما فيها من مصلحةٍ عامةٍ تشتركُ بين القانونِ والقريةِ، قد فرحتُ بتلكَ الوشاياتِ من قبل زملائِي الضباط التي صيّرتني إلى بيئةٍ بعيدةٍ عن هرهرة الباعةِ المُتجوّلين/شوشرةِ المصانعِ والازدحاماتِ، والانبهار بالجداولِ المخطوطةِ/بالحقولِ المصفوفةِ/بالعرانيسِ الممدودةِ ووووو..

هُنا في القريةِ حوانيتٌ قليلةٌ لا تماطلُ في ضوضائِها سوى وشوشاتِ الرياحِ المُطعَّمةِ بالغبارِ/بالذُراقِ، بمختلفِ الإسمدةِ العضويِّةِ .. وعِندَ تثأوب الشمس أي قبيل الغروب تغلقُ الحوانيتُ والبيوتُ أبوابها بسبب هبوب العجاجة من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ بعد ضربِ الأقدامِ وجه الأرض وهيَ تسوقُ القطعان من الأغنامِ والثيرانِ والبعرانِ مِن المسارح والمراعي إلى الحظائرِ.
ارتحتُ لمقر الوحدةِ الذي أنا فيه، رغم هيكلهُ مِن الخارجِ يوحي للناظرِ بالبناءِ الغير حديث، وسقوفه من الداخل واطئة، إلا أن غرفة استراحتي كانت جيدة، حيث تطلُّ على باحةٍ خلفيةٍ، تتوسطها شجرة السدر المُطعَّمةِ بالتفّاحِ والتي تمتدُ أغصانها إلى شُباكِ غرفتي، في بعضِ الأحايينِ، أرى الجنودَ يتفيئون تحت ظلِّها كان لا بُدَّ من التجوَّلِ بين أزقةِ القريةِ وأخذ الاحتياطاتِ كوننا على مسافةٍ ليست بالبعيدةِ عن مناطقِ الصدِّ والردِّ، فصوتُ الطلقاتِ في الليلِ يبدو كمعزوفةٍ تتقاربُ وتتباعدُ في المواجهةِ مع داعش، عِند بابِ مقهى سلطان، رحبَ بي الأهالي وضيّفوني بدعوةٍ إلى استكانٍ من الشايِّ المُهيِّلِ المُخدّرِ على نارٍ مصنوعةٍ مِن عذرةِ المواشي والأغنامِ، تجمّعَ حولي الجميع باستثناءِ شاب يتوسطُ الثلاثينياتِ بلحيةٍ كثةٍ وحواجبٍ غليظةٍ أمامَهُ أكوامٍ من أعقابِ السجائرِ، أشرتُ إلى الملازمِ الذي يرافقُني وهمستُ في أُذنِهِ استعلم عنه..
حينما عرفتُ أنّهُ أسطى بناء (خلفةُ القريةِ).. أرسلتُ بطلبهِ وأخبرتُهُ بحاجتي إلى بناءِ قاعةٍ صغيرةٍ للألعابِ الرياضيةِ في الباحةِ الخلفيةِ للجنودِ، عوضًا عن تقشيرهم حبّ الشمسِ وأعراض الناس، باشرَ عُمالُ البناءِ تحت إشرافِ (الخلفة جبار).
على دكّةٍ صغيرةِ أمام الوحدةِ كنت قاعدًا على بساطٍ من الصوفِ أترقبُ الآتين من أبناءِ القريةِ وهم يقدمون المعونة في البناءِ، جاءت شابة تلتحف عباءةً مُذيّلةً بالطينِ، تحملُ حافظةً من التيفنِ، لم أنتبه إلى وجهِها غير أنّ الملازمَ (هربوت) ألحَّ عليَّ قائلاً:سيِّدي، هيَ امرأةٌ لا أهل لها في هذهِ القريةِ غير زوجِها، فلماذا لا تسمح لها بإدخالِ الطعامِ لزوجِها ورؤيتهِ؟
( فأجبتهُ بحديةٍ ) محاولاً إمساك لِساني من فلتاتِ الشتائمِ : يا (فهيم) هذه مؤسسة حكومية، لها هيبتها، من غير المعقولِ إدخالِ زوجات عمّال البناء!..
أزاغ بنظرهِ الملازم ، فتابع حديثهُ: لكن سيِّدي.. أنت لا تعرف كيفَ يعيشون هُنا.. إنهم غرباء، لا يقتربون من أحدٍ ولا أحد يقتربُ مِنهم، أزيدُك من الشِّعرِ بيتًا…
قاطعتهُ ضاحكًا: وتقولُ الشِّعر يا هربوت؟
_ ههه ليس هكذا يا سيِّدي، لكن هذه القرية تكادُ أن تكونَ منسيةً، يستيقظُ أهلُها قبل شروقِ الشمسِ ويتناولون عشاءَهم مع غروبِها، شبابُها لا يعرفون معنى للطيشِ، استحلفك باللهِ دع المرأة الغريبة أن تدخلَ الطعام، وسأشرفُ بنفسي على تفتيشهِ
أشرتُ بالموافقةِ (فقد أصابَ رأسي بالصداع)..

وهكذا بدأت تأتي كُلّ يومٍ لتجلسَ إلى جانبِ زوجها في أوقاتِ استراحتهِ، ذات مرةٍ لمحتُ ملامحَها واستغرقتُ ليلتين بالتفكير أين قد رأيتُها؟
انتابني شعور مخلوط بالشكِّ، فليس من العاداتِ والتقاليدِ السؤال عن أعراض الأخرين، والملازم هربوت لسانهُ ليس ملكهُ..
خرجتُ من غرفتي نحو (الخلفة) أثناء عمله، وأخذتُ أُناوشُهُ بعضَ الطابوقِ، فقالَ جبار:
استغفر الله، سيِّدي .. ستتوسخ بدلتك العسكرية، أترك من يدك هذا الطابوق..(ضحكتُ ولم أهتم لهندامي) ثمَّ خاطبتُ نفسي: بالحقِّ لم أرَ منهُ ما ينغصُ حياة الآخرين، لكني لم أرتح يومًا لشكلِهِ، وهذه عادةٌ غير صحيةٍ لطالما مررتُ بهذهِ التجربةِ، أن لا يطمئن عقلي لبعضِ الأشخاصِ من دونِ سببٍ، فسألتهُ:
_ منذ متى وأنت تعيشُ في هذه القريةِ؟
_ سيِّدي، أنا مولودٌ هنا أب عن جدٍ
_ أبٌ عن جدٍ ( نطقتُها متعجبًا فلقد سمعتُ عكس ما قيل)
_ نعم سيِّدي
سكتُ قليلًا وقمتُ بمطِّ شفتي، فقلتُ: تمام، لا أُريدُ أن أُتعِبك بالحديثِ وأُشغلكَ عن عملِك.
_ لا، يا سيِّدي .. بالعكس، أنا لا أتعبُ ولو عملتُ ليلا نهارًا
ربتُ على كتفِهِ دون ردٍ، وذلك لأن نوبات الشكِّ تزدادُ طورًا عن زوجتِهِ وأقسمُ أنّي رأيتُها وتارةً عن زوجِها وإخفاءه حقيقة نسبه، قررتُ تكليف ملازم أول (عماد) فهو إنسانٌ يحفظُ السرَّ جيدًا، حيث تم نقله مؤخرًا من بغداد/الكاظمية لمراقبةِ الخلفةِ وزوجته.
حلَّ موسم الربيع وانتهى العُمّال من بناءِ القاعةِ وكانت مُبهرة، فجاء الملازم (هربوت) ببرقيةٍ تتضمنُ موافقة المديرية في بغداد على إرسال من ينوب عني والسماح بالإجازة لرؤيةِ أُمّي التي لفَّها وشاح الكبرِ ومِنها شراء بعض الأجهزةِ والمعداتِ الرياضيةِ مِن مدينتي..

********* ******** ********

فِي الفراتِ الأوسطِ حيث ولادتي الأجواء تختلفُ من حيث اللهجةِ وطعم الخبزِ، كنتُ جالسًا في الصالةِ تحيطُ بي العائلة وصوتُ الكناري في إحدى زوايا الصالة يشاركُنا وابن أخي الأصغر (عبّاس) ما ينفكُ عن القفزِ من حضنٍ لآخِر، يخبرُني أن أُناديه (النقيب عبّاس) وقبل أن أُناديه يقطعُ صوتي رنين جرس البيت، فإذا بهِ عِندَ البابِ يوبخني، دعوتُهُ إلى استكانٍ شايٍّ ( إنّهُ ورقٌ أخضر مِن الشمالِ اشتريتُهُ) رفض دعوتي .. طيب ما رأيك بعصير الزنجبيل؟
_ لا شايّ ولا زنجبيل ولا حامض حلو ولا جوكليت، بس تعال ..
_ إلى أين؟
_ إلى الشريعةِ ( وهو مكان كُنّا نخنسُ به في أطرافِ البُستانِ بالقربِ من الجسرِ، حيث شطّ الحلّةِ ..
ناديتُ: نقيب عبّاس، نقيب عبّاس هات الجاكيت، فجاءني به متعثرًا بإذيالهِ. .. وصلتُ متأخرًا بنصفِ ساعةٍ، فلقد حدث أمامي حادث سير، رأيتُهُ ينفثُ دخانَ نرجيلتِهِ نحو السماءِ بحلقاتٍ دائريةٍ وهو يميلُ رأسَهُ فِي الهواءِ، قطعتُ عليهِ خلوته حتى انخرطت الدوائر وتشتت، خاطبتُهُ مُمازحًا:
_ إي .. متى ستتزوج؟
_ أنا؟ (قالها بصوتٍ ممزوجٍ بالاستهزاءِ)
_ لا، أُمّي .. نعم .. أنت
_ ها ها ها .. يا للفضيحة تُريدُ (مديحة) أن تتزوجَ في هذا السن!
_ سأكسرُ أسنانَكَ أن عاودت اسم أُمّي على لِسانِكَ.. قل لي ما جديدك، إلى متى تتركُ بنت الناسِ مُعلّقةً معك؟
_ عيبٌ على رجلٍ أن يقولَ: أنا خائفٌ/مضطربٌ/مأزومٌ نفسيًا بعدما أحرقت نفسُها زوجة أخي.
حدَّقتُ بالأرضِ، أصابني دوار شديد وصورة زوجة الأسطى جبار تلازمُ عقلي، غير أنّني لستُ متأكدًا (لقد انتحرت) .. سُبحانَهُ يخلقُ مِن الشبهِ أربعين، حاولتُ هشَّ ذبابُ الشكوكِ عن ذهني، فالحادثةُ أكل الدهر عليها حلاوته وشرب عليها زنجبيله..
نشَّ بيدِهِ غبار السرحان قاطعًا الدرب أمام سرب التفكير، لم أشأ مشاركتهُ بما أشغلني، ما لم أتاكدُ، غير أنني على يقين تامٍ فلقد حضرتُ الجنازة.
عدتُ إلى القريةِ الشماليةِ/الوحدةِ العسكريةِ/ مُحملًا بالدهينةِ المحشوةِ بالزبدِ/التمرِ المُحشى بالبسكويتِ/كيك البرتقال/تراب الملوك وكارتونات من الكابتشينو التي يُسميها الملازم هربوت بـ (الكاشينو).. عدتُ متشوّقًا للجدولِ/للحقلِ/لعرنوسِ الذرةِ.. رأيتُ الأسطى جبار (فسألتُهُ عن حالِهِ)
أجابَ باقتضابٍ شديدٍ: بخير
_ أينقصُكم شيئا؟
_ لا يا سيِّدي، أستاذنُك بالانصرافِ، (ثيمالا)
_ إذنك معك.. في أمان الله
واصلتُ التجوّال في القرية، رأيتُها تحتضنُ صغيرًا على خاصرتِها، منظرها لا يوحي أن تكون ابنة مدينة لكن الملامح يالله أنت الشاهد على طينِك، هيَ.. لا .. نعم.. رُبّما .. إي.. هيَ .. لا ، إي لا إي لا إي فناديتُ: أنتِ خلود (جمدت خطواتها واستدارات)
أعدتُ النداء بصوتٍ أكثر حدية: أنتِ خلود..
سرعان ما سبق لِسانها حذرها المتصنع، فأجابت: ” نعم، سيِّدي
زمت شفتيها، وبدأت ترتعشُ وتمازجُ الكلامَ بالضحكاتِ ثُمَّ قالت بابتسامةٍ متوترةٍ:” عفوًا سيِّدي، هل تتحدثُ مع شخصٍ آخِرَ؟”
قلت لها بحزمٍ: “لا، أنتِ خلود، زوجة محمود، أعرفك جيدًا”
ضحكت ضحكةً مصطنعةً وقالت: “سيِّدي، يبدو أنك تخطئني بغيري، لكن لا بأس، إذا أردت أن تناديني بهذا الاسم، فلن أمانعَ، تذكر أنا زوجة جبار.
_ تمام، زوجة جبار .. زوجة جبار، أخبريه أن يرافق هربوت إلى المدينةِ لشراءِ بعضِ التأسيساتِ الكهربائيةِ.
بعد التأكد من قطعِ هربوت وجبار مسافة بعيدة عن القريةِ طلبتُ من الملازم أول عماد أن يأتي بِها، ما أن دخلت مكتبي، مددتُ يدي بالإشارةِ إلى الكرسي لتجلسَ، ثمَّ طلبتُ لها كوبًا من الماءِ واستكانًا من الشايِّ، قلتُ لها بصوتٍ يثيرُ الشجن: هل تعرفين أنّ أباكِ أُصيبَ بالشلل النصفي؟
لم ترد على كلامه واستمرت نظراتها شاردة في زوايا الغرفة، كي تطردَ وحيّ الخوفِ أخذت تحسبُ عدد الزوايا، فوجدتها خمسة ، أعادت الحساب صارت ستة، مع صوتِهِ عادت أربعة زوايا، إذ يكمل حديثهُ: إذا كنتِ على قيدِ الحياةِ، فمن تكون تلك المرأة التي انتحرت؟
قليلًا تراجع مقعدها إلى الوراءِ، فقالت بصوتٍ مُتقطعٍ: سيِّدي، لا أعرف عمَّن تتحدث… هذا الحديث يُخيفني (ناولت نفسها كوب الماء)
لم أكن عارفًا حصيفًا بلغةِ الكذبِ والمراوغةِ بقيتُ أترددُ بين الشكِ واليقين/الحقّ والباطل ..
حدَّقتُ بعينها مباشرة وقلت: كفاك مماطلة أنتِ خلود، نعم حضر الجميع الجنازة .. لكن الجثة… لمن؟
_ سيِّدي، أيُّ جثةٍ؟ أنا من هذه القريةِ.. أُريدُ الانصرافَ

بعد خروجِها مسكتُ بالمنديلِ كوب الماء الذي شرِبت مِنهُ وطلبتُ من الملازم أول عماد بأخذهِ بنفسهِ إلى دائرة الطب العدلي في بغداد وإعطائِهِ إلى خبير البصمة الوراثيةِ لاستخراج البصمة من العينة البيولوجية (اللعاب) من خلالِ التفاعل بين البوليميراز والتسلسل الجيني مقارنة الحمض النووي لتحديد هوية الفرد .. وقد ظهرت النتائج بعد خمسة أيَّام كانت (مُطابقة) .. نعم هيَ خلود
التي نكس أهلُها الرؤوس وزوجها تغيب زمنًا في السجنِ بعد الشكاوى الكثيفةِ من قبل أهلِها، وأختُها ثوب الحدادِ ما زال يجُرُّ في متاهةِ السوقِ، نعم .. هيَ .. خلود، ياااه .. خمس سنوات وطيور الأسئلة لم تستقر في السماءِ أو الأرض ..
لتؤخذ مُكبّلةً أمام عيني مع جبار إلى قسم مكافحة الجرائم في بغداد، وبعد سلسلةٍ من التحقيقاتِ، قررت طيورُ الأسئلة الاستقرار على أعتابِ الحقيقة والناسُ بين مُصدقٍ ومُكذبٍ، هي..ليست هي..انتحرت..لم تنتحر .. من يدري؟
فالتقاريرُ كُلّها تؤكدُ تطابقَ الأحماضِ النوويةِ (كانت هي خلود) التي قامت بحرق نفسِها في إحدى الحمّاماتِ في منزلِ أهلِها فِي يناير 2019 لتشيعَ في اليوم التالي وسطَ سربٍ من الأسئلةِ عن سببِ انتحارِها، وطفحت الأحاديثُ على مجرى القال والقيل، هُناك من قالت: طلبت الطلاقَ من زوجِها الذي كان يعنفُها بعد عودتِهِ من شطحاتِهِ وعربدتِهِ. ، نهرتها أخرى مكذبة حديثها:” لم يكن محمود سكيرًا، خافي الله يا أُمّ عصام.
وأخرى اكتفت بالاستماعِ، ولِسان أم صابر لم يتوقف عن قولِ: وباللهِ الحولُ والقوةُ .. اللطف، اللطف، وتنفثُ في ثوبِها.
******** ******** ********

كانت الوكالةُ الغذائيةُ تعجُّ بسؤالِ والدي: كيف عثر ابنكَ على خلود؟
نسيَ الجميعُ أمرَ الطحينِ السيَّالِ، وتوقفوا عن التذمرِ من زوجاتِهم اللواتي يتحججنَ لشراءِ الخبزِ من السوقِ ..
انشغلتُ عن آخِر التحقيقاتِ في قضيةِ خلود، حيث تسلّلت بعض عناصرٍ لداعشٍ في المنحدراتِ والربواتِ التي تحيطُ بالقريةِ، لم تشأ القيادةُ في بغدادَ أن تمنحنا إجازةً إلا بعد أن تم تعزيز المنطقة بقوةٍ مُساندةٍ قامت بتمشيطِ المنحدرِ وتنقيته من جرذانِ (داعش)..
عند عودتي بسلامٍ، ذبحَ والدي الخرفان، وتعاقبتِ الوجوهُ على الدخولِ والخروجِ، وأنا غير مُصدقٍ بالنجاةِ .. لولا مشاكسة ابن أخي النقيب عبّاس، لما استطعتُ الانفلاتَ من خيوطِ الوهمِ.
رنَّ الجرسُ مع طرقاتٍ متتاليةٍ، بالكادِ يكون شخصًا مقربًا، وإلا فمن يطرقُ هكذا؟ فالغريبُ أديبُ.
كعادتِهِ، يحبُّ الانفرادَ حين يريدُ الحديثَ، وشرطُهُ أن تكون (الشريعة) شاهدةً على أقوالِهِ، استأذنتُ الأهلَ والحاضرين للذهابِ إليهِ … جلسنا على حافةِ الشطِّ، أقدامنا تطرطشُ في الماءِ كان سارحًا في عدِّ الدوائرِ التي تُكوّنها حصياته التي يرميها.
_ أين أخذك الموج؟ (سألته)..
ردَّ دون أن ينظرَ إليَّ: في كُلِّ مرَّةٍ خمسةٍ
_ ماذا تقصد؟
رمى حصاة أخرى في الماءِ : هاك، انظر، عدَّ الدوائر
ضحكتُ: حقًا .. أنك مجنون
ابتسمَ وقالَ: الجنونُ أفضل من الواقعيةِ والمأساويةِ التي نعيشُها، سكتُّ وسكت هو الآخر، ثم عاد لرمي الحصاة وعدَّ الدوائر .. استأنفتُ الحديثَ فقلتُ له: معك حقّ
بعد أن وصلتُ إلى البيتِ وخلعتُ بدلتي العسكريّة، وجدتُها تنتظرني لتخبرني بشيءٍ، فطلبتُ مِنها بعض الوقتِ للاستحمامِ .. لكنها ظلّت واقفة عِند الباب، وحين خرجتُ، قلتُ لها: هيّا، حدّثيني.
قالت: كانت المنتحرةُ ميتةً قبل أن تنتحرَ
ضحكتُ ساخرًا: كيف تكون ميتة وانتحرت؟
ـ إي والله، أقولُ الصدقَ.. أولادُ الملاعين نبشوا القبرَ وجاءوا بها إلى الحمّامِ
ـ لكن كيف أدخلوها؟ أين كانت العائلة وقتذاك؟
ـ اعترفتِ الملعونةُ خلود بأنّهُم اشتروا الجثةَ من دفّانٍ بخمسةِ عشر مليونًا… صرتُ أخافُ أن أموتَ ويبيعون جثتي.
_ ها ها ها.. لا تقولي هكذا يا أُمّي، يومكِ بعيدٌ، ما يشوفك شرّ ، وماذا قال الدفّان؟
ـ ابن الخبيثة، أشكُّ في نزاهةِ دمِهِ و طهر حليبِهِ! قال: جاءني شاب في الثلاثيناتِ من عمرهِ، متوسلًا أن أبيعَ له جثة امرأة حديثة الدفنِ مقابل عشرة ملايين، فسألهُ المحققُ الجالس قبالته: كيف أقنعكَ؟
فقال الدفّانُ، وهو يرتدي بدلةً حمراءَ: سيِّدي، الشيطانُ كان حاضرًا، أقنعني بأنّنا لا نقتل أحدًا، فالروحُ انتقلت لرحمةِ اللهِ، والجثةُ مصيرها الدود والتراب، وفي كُلِّ الأحوالِ ستدفن، تنهَّدَ المحققُ وقالَ: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ… اكمل.
ـ نعم سيِّدي، اقتنعتُ بأننا لسنا قتلةً، فطمعتُ في السعر وبسبب إلحاحه الشديد، طلبتُ خمسةَ عشر مليونًا، بعد إجراءه اتصالًا هاتفيًا، قال لي: موافق.

لكنهُ اشترط أن تكون الجثة حديثة الدفن، لم يُبنَ شاهدُها، وأن يأخذَها في الوقتِ الذي يحددهُ. .. . في الساعةِ الثانيةِ بعد منتصفِ الليلِ، اتصل بي.
حملتُ الجثةَ بين براميلِ الطرشي التي كلفني شراءها ثلاثمائة ألف دينار، ووصلنا إلى ركنِ الشارعِ … صعد معي، ثُمَّ بدأ يوجهني بإشارةِ أصبعِهِ: إلى اليمينِ… إلى اليسارِ… قليلًا إلى اليمينِ… حتى حسبتهُ يعبثُ بي، وقبل أن ينفدَ صبري، قال: توقف.
بعد عشرِ دقائق، انفتح البابُ وخرجت امرأةٌ لم أتمكن من رؤيةِ وجهها، فقد كانت ليلةٌ عاقرة بالضوءِ، والقمرُ يغطُّ في نومِهِ … كنت أراقبُهُم عبر المرآة الأمامية للسيارةِ، حملوا الجثةَ ودخلوا المنزلَ، عادوا بعد عشر دقائق، وصعدوا بين براميل المخللاتِ ثُمَّ طلبوا مني أن أنزلهم قرب الكراج.
سألهُ المحققُ: أنت نادم على فعلتِك؟
أجابَ الدفّانُ متلعثمًا: نعم، سيِّدي، لم أكن أعرف حرمة الميت… قلتُ في نفسي: هو ميتٌ على أيِّ حالٍ، وسيدفن ويعودُ للتراب.

ثُمَّ أخبرتني أُمّي عن بقية الحلقةِ التي ظهرت على شاشةِ التلفازِ، حيث كانت خلود تتحدثُ مع المحققِ بلا ندمٍ، وبكُلِّ صلافةٍ قالت:
ـ أنا لم أقتل، الجثة التي تم حرقها كانت ميتة بالأساسِ، لم أسلب الحياة من أحدِ، أنا لستُ بعزرائيل!
قاطعها المحقق بغضبٍ: كيف لذاتِ الكيانِ الرقيقِ أن تتشوه روحها بأفكارٍ آثمةٍ؟ لا أتصور اللحظة التي صببتِ فيها النفط على الجثة في (البانيو)… ألم تخافي أن يراكِ أحد؟
فأجابت خلود: لا، كانوا نائمين.
سأل المحقق:لماذا فعلتِ ذلك؟
أجابت: أجبروني على الزواجِ من رجلٍ لا أُريدهُ … وعوضًا عن قتلِهِ، فكرنا في شخصٍ فاقدٍ للحياةِ، وأن أموتَ بنظرِ العائلة/ المجتمع.
نظر إليها المحقق باشمئزازٍ، ثُمَّ تمتم: لا إله إلا الله .. أما هي، فأصرت بصلافةٍ، قائلة: أنا بريئة!

ألتفتُ إلى صاحبي، قائلا: هيّا، لنتجاوز كل هذا .. أخبرني، متى ستتزوج؟
ـ ألم أخبرك عن العيب الذي على الرجل أن لا ينطقه؟
ـ طيب، وماذا قلتَ لخطيبتك؟
ـ قلتُ لها: أحبكِ، لكنني خائف/ مضطرب/ مأزوم نفسيًا.
ـ والحل؟
ـ أن نعود إلى البيت.
وفي العودةِ، بقي سؤالٌ كالعلكةِ يدورُ في فمي، قد يبدو تافهًا، لكنه ألحَّ عليَّ: يا ترى، ماذا فعلت في حياتها صاحبة الجثة؟ لتدفنَ ثُمَّ ينبشَّ قبرُها وتُحرق وتدفن رمادًا!
وبينما كنت أعلك سؤالي، سألني صاحبي: هل الحبُّ يدفعُ الإنسانَ نحو الأفكار الآثمة؟ هل يجعله يرتكب أفعالًا شنيعة؟
فقلتُ: ماذا قال جبار عن ذلك؟
قال: الحُبُّ دفعني لذلك .. لم نؤذِ أحدًا، فالميت كان ميتًا.
فصرخ المحقق، قائلا: قبح الله وجهك… خذوه.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حنان النشمي
حنان النشمي
شاعرة وقاصة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ريبوزي (منقوص الأوكسجين)

بقلم: حنان النشمي | التاريخ: 26 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

ريبوزي (منقوص الأوكسجين)
في مجاز المقابر عبثوا الأحياء..

فـي خضم الأيَّام، هاجرت طيور الأسئلة عن ألسنةِ الناسِ، ولم يتبقَ غير الشائعاتِ المُنكمشةِ عن مجالسِ النميمةِ التي تتداولُ سبب انتحارها.
فِي الوكالةِ الغذائيةِ، حيث كُنت أساعدُ والدي، تجمعت الرواياتُ كعقدٍ مُتشابكٍ، همست إحداهن:” أُمّ زوجها خنقت أنفاسَهُا بتدخلاتِها”
ردّت أخرى بنبرةٍ مُرتابةٍ:”لا، أخوها الأكبر..عنفهُ كسرها وهي عِندَ أهلِها”
أمّا الحاجة أمّ حسين فقد حلفت بصوتٍ محشوٍ باليقين:” أهلُهُا غسلوا العارَ بالنارِ… أطفأوا بها فضيحتهم”.
فأجابَ أبو مُحمّد وهو يحكمُ شدَّ كيس العدس: أيُّ فضيحةٍ؟…ياه، حتى الميت لم يسلم من قيِّحِ الغيبةِ؟

***********************
كنتُ كُلّما مررتُ داخلَ زقاقِهم، يتراءى لي بيتهم فيبدو كمن أَُطفئ قبس روحه، حيث أبوابه توشَّحت بالامتعاضِ/ بالاستياءِ/ بالاحتجاجِ/ بالانتفاضِ بعد أن خرجتِ الجثة من الحمّامِ متفحمةً والجدرانُ تحبسُ الأنفاسَ خشيةَ أن تُفجِّر في الأُمِّ ينبوعًا من النحيبِ، وحينذاك يبدأ البنكرياسُ بالانتكاسِ ولا ينفعُ الأنسولين في تثبيطِ سُكرِها.
وقد تناهى ما قد قيل عنها إلى أُذني: منذ سعال الديك في تلكَ الصبيحةِ المشؤومةِ والأمّ ممتلئةٌ بالحُزنِ المُتقيِّحِ حتى صيّرتها المُصيبة إلى جثةٍ تتنفّسُ بعد كُلِّ نعيٍّ رماديٍّ … ذات عصرٍ كنتُ فِي السوقِ، من بينِ نبراتِ باعة الخضار المتهّدجين وأصوات السمّاكين ترامى أذيالُ صوت أنثويٍّ محزون على أطرافِ أُذني، كان يزيلُ الكلحَ عن الوجهِ حين الانصات إليهِ، فأصبحت الحويصلات الرئوية مُكتظةً بالاستدارةِ نحو الصوت.
أمامَ بسطةِ الخضرواتِ، رأيتُها .. رأيتُها .. هيَ.. قد رأيتُها.. ياااه مرت فترةٌ طويلةٌ، كانت أول و آخِر مرَّة فِي مُصيبتِهم/جنازتِهم رأيتُها .. من بينِ كُلِّ المُشيّعين لمحتُ _ وقتذاك _ السّنا اللامع يلتحفُ عينيها، أمَّا الآن .. فهيَ تحملُ وجهًا مغسولًا بالأسى وروحًا تتحمصُ بجذواتِ التصبّرِ، أحسستُ كأنَّها تقاومُ الذبولَ أمامَ أعين المُتقوّلين، وتُشيّحُ إلتهابَ الأيَّامِ المُندى بالنميمةِ المُمّلحةِ، حملتْ سلّةَ الأغلالِ، وثوبُ الحدادِ على أختِها يجُرُّها بين العباءاتِ في متاهةِ السوقِ، فتكسّرت الصورةُ المُمتدة خلف ظلالِها بحجرٍ تهاوى مِن شقِّ المستحيلاتِ، فتلكَ العائلة كانت رؤوسُهُم مُطأطأة بالحُزنِ والخجلِ، لم يعد لوجودهم ملامح، أكلتها الألسنة، ومعدةُ السنواتِ لم تعد لها المقدرة على هضمِ القال والقيل بل تغذَّت على الحقدِ والرغبةِ في الانتقامِ، ترافقُهُم أنّاتٌ تندُّ من بيتِهم المثكولِ بحادثةِ البنتِ/الكنّةِ/الزوجةِ المُنتحرةِ
الزمنُ لا يتوقفُ، والإجازةُ انتهت… عليَّ الالتحاق بالدوامِ العسكريِّ، لكن أقاويلَ أهل المنطقة لم تغادرني، كانت تحطُّ كُلَّ ليلةٍ بجناحيِها الثقيلينِ على صدري، ثم تحلِّقُ تاركةً خلفها ريشًا مُبعثرًا من الأسئلةِ التي لم أجد لها إجابةً…
في محاولةٍ لفهمِ النفسِ البشريِّةِ، تذكرتُ ما أشار إليهِ إيمانويل كانط فِي كتابِهِ “نقدُ العقل الخالص”، حيث يقولُ: الأفكارُ بدون محتوى فارغة، والإدراكُ الحسيُّ بدون مفاهيمٍ أعمى”
فهل كان يقصدُ أنَّ التجربةَ وحدها لا تكفي للفهمِ؟ هل نحنُ حقًا بحاجةٍ إلى عقلٍ ينظمُ انفعالاتنا اليومية في ظلِّ العائلةِ/ الشارعِ/المجتمعِ/ حتى لا نستسلمُ للهاويةِ؟
إذًا، لماذا يختارُ الإنسانُ الإنتهاءَ بمحضِ إرادتِهِ؟
تقلّبتُ نحو الجانب الأيسر أطردُ خفافيشَ أقوال الناس/ فلسفة كانط/ وأنفضُ صدري من بقايا ريش الأسئلةِ.. فِي فترةِ الإفطار الصباحي، راحت أصابعي تزحفُ نحو تطبيقي المُفضل Quora المدهون بالمعرفةِ فأسقطُ منكبًّا على مقالةٍ لفيلسوفٍ اسمهُ “ديفيد هيوم” الذي يقول :لا شيء في الذهن إلا وكان في الحواسِ أولًا .
عجيب!.. هل يعني هذا إنَّ الألمَ الذي استشعرته في كُلِّ تفصيلةٍ من حياتِها كان كافيًا ليدفعَها إلى القرارِ الأخير؟
بقيتُ مُعلَّقًا بين عقلٍ يرى أنَّ الفكرَ هو من يمنحُ التجربةَ معناها، وبين تجربةٍ تصرُّ على أنَّ الإحساس هو الحقيقة الوحيدة… لكن أيّهما كان محقًا؟ وأيٌّ مِنهما كان يمكن أن ينقذها؟
ذات خروجٍ من ضياعٍ ومحنةٍ كنتُ مع هيوم، بعد سنواتٍ وجدتُ نفسي اتفقُ تمامًا مع كانطِ ويمكن القول: على الإنسانِ أن يتبعَ الفكرَ لا الإحساس.. مع ملحوظةٍ (عندما يقعُ قولي أمام عينيك لا تشتمُني..أرجوك).
بعد الظهيرةِ كنتُ أعضُّ أصبعي (إي والله .. أعترفُ أن للإحساس دور على تصرفاتِنا .. من المؤسفِ أن أقولَ الآن أغدقوا عليَّ بالشتيمةِ).
استمررتُ بالعضِّ مخافة أن تتزحلق مسبَّة فيأخذُها راكضًا لِسان واش إلى معاون مدير الشرطة، بعدَ أن أصدرَ أمرًا مختومًا بالموافقةِ من قبل القيادةِ العُليا على نقلِي إلى قريةٍ نائيةٍ في أطرافِ كركوك، في بادِئ الأمر كنتُ أتصوّرُ مساوئ النقل الّذي جاءَ بعد العديد من التقاريرِ الموقعةِ ضدي والوشايات المُرصعة بالمبالغةِ وبالنبشِّ والبحشِّ حتى في ( زاغورِ الجنِّ) .. ليس صعبًا أن تكونَ بمبادئ ثابتةٍ أن ترفضَ الرشوةَ ولا تسمحَ بعبورِ بعض المركباتِ التابعةِ لمعارفِ الضباطِ إلى المناطقِ الممنوعةِ أثناء الواجب، أن تعرضَ كُلَّ شيءٍ للتفتيشِ، أن ترفضَ إجازاتِ الجنودِ غير الضروريةِ و و و ….
ابتسمتُ بوجهِ الحيلةِ وأخذتُ أُهيئُ أغراضي وأخيرًا .. تخلصتُ من الطلباتِ والاتصالاتِ ذات المصلحةِ.

وصلتُ القريةَ، كان أهلُها بسحنةٍ توحي بصعوبةِ المراسِ، عُيونهم تبذر في وجوهِ الآتينَ حفنةً مِن العاداتِ البدويّةِ/التقاليدِ العشائريةِ.
دعاني أحد كبار رؤوس العشيرة إلى مضيفِهِ ليستعرضَ كرمَهُ وللتفاهم على ورقةٍ تصبُّ قوانينها لما فيها من مصلحةٍ عامةٍ تشتركُ بين القانونِ والقريةِ، قد فرحتُ بتلكَ الوشاياتِ من قبل زملائِي الضباط التي صيّرتني إلى بيئةٍ بعيدةٍ عن هرهرة الباعةِ المُتجوّلين/شوشرةِ المصانعِ والازدحاماتِ، والانبهار بالجداولِ المخطوطةِ/بالحقولِ المصفوفةِ/بالعرانيسِ الممدودةِ ووووو..

هُنا في القريةِ حوانيتٌ قليلةٌ لا تماطلُ في ضوضائِها سوى وشوشاتِ الرياحِ المُطعَّمةِ بالغبارِ/بالذُراقِ، بمختلفِ الإسمدةِ العضويِّةِ .. وعِندَ تثأوب الشمس أي قبيل الغروب تغلقُ الحوانيتُ والبيوتُ أبوابها بسبب هبوب العجاجة من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ بعد ضربِ الأقدامِ وجه الأرض وهيَ تسوقُ القطعان من الأغنامِ والثيرانِ والبعرانِ مِن المسارح والمراعي إلى الحظائرِ.
ارتحتُ لمقر الوحدةِ الذي أنا فيه، رغم هيكلهُ مِن الخارجِ يوحي للناظرِ بالبناءِ الغير حديث، وسقوفه من الداخل واطئة، إلا أن غرفة استراحتي كانت جيدة، حيث تطلُّ على باحةٍ خلفيةٍ، تتوسطها شجرة السدر المُطعَّمةِ بالتفّاحِ والتي تمتدُ أغصانها إلى شُباكِ غرفتي، في بعضِ الأحايينِ، أرى الجنودَ يتفيئون تحت ظلِّها كان لا بُدَّ من التجوَّلِ بين أزقةِ القريةِ وأخذ الاحتياطاتِ كوننا على مسافةٍ ليست بالبعيدةِ عن مناطقِ الصدِّ والردِّ، فصوتُ الطلقاتِ في الليلِ يبدو كمعزوفةٍ تتقاربُ وتتباعدُ في المواجهةِ مع داعش، عِند بابِ مقهى سلطان، رحبَ بي الأهالي وضيّفوني بدعوةٍ إلى استكانٍ من الشايِّ المُهيِّلِ المُخدّرِ على نارٍ مصنوعةٍ مِن عذرةِ المواشي والأغنامِ، تجمّعَ حولي الجميع باستثناءِ شاب يتوسطُ الثلاثينياتِ بلحيةٍ كثةٍ وحواجبٍ غليظةٍ أمامَهُ أكوامٍ من أعقابِ السجائرِ، أشرتُ إلى الملازمِ الذي يرافقُني وهمستُ في أُذنِهِ استعلم عنه..
حينما عرفتُ أنّهُ أسطى بناء (خلفةُ القريةِ).. أرسلتُ بطلبهِ وأخبرتُهُ بحاجتي إلى بناءِ قاعةٍ صغيرةٍ للألعابِ الرياضيةِ في الباحةِ الخلفيةِ للجنودِ، عوضًا عن تقشيرهم حبّ الشمسِ وأعراض الناس، باشرَ عُمالُ البناءِ تحت إشرافِ (الخلفة جبار).
على دكّةٍ صغيرةِ أمام الوحدةِ كنت قاعدًا على بساطٍ من الصوفِ أترقبُ الآتين من أبناءِ القريةِ وهم يقدمون المعونة في البناءِ، جاءت شابة تلتحف عباءةً مُذيّلةً بالطينِ، تحملُ حافظةً من التيفنِ، لم أنتبه إلى وجهِها غير أنّ الملازمَ (هربوت) ألحَّ عليَّ قائلاً:سيِّدي، هيَ امرأةٌ لا أهل لها في هذهِ القريةِ غير زوجِها، فلماذا لا تسمح لها بإدخالِ الطعامِ لزوجِها ورؤيتهِ؟
( فأجبتهُ بحديةٍ ) محاولاً إمساك لِساني من فلتاتِ الشتائمِ : يا (فهيم) هذه مؤسسة حكومية، لها هيبتها، من غير المعقولِ إدخالِ زوجات عمّال البناء!..
أزاغ بنظرهِ الملازم ، فتابع حديثهُ: لكن سيِّدي.. أنت لا تعرف كيفَ يعيشون هُنا.. إنهم غرباء، لا يقتربون من أحدٍ ولا أحد يقتربُ مِنهم، أزيدُك من الشِّعرِ بيتًا…
قاطعتهُ ضاحكًا: وتقولُ الشِّعر يا هربوت؟
_ ههه ليس هكذا يا سيِّدي، لكن هذه القرية تكادُ أن تكونَ منسيةً، يستيقظُ أهلُها قبل شروقِ الشمسِ ويتناولون عشاءَهم مع غروبِها، شبابُها لا يعرفون معنى للطيشِ، استحلفك باللهِ دع المرأة الغريبة أن تدخلَ الطعام، وسأشرفُ بنفسي على تفتيشهِ
أشرتُ بالموافقةِ (فقد أصابَ رأسي بالصداع)..

وهكذا بدأت تأتي كُلّ يومٍ لتجلسَ إلى جانبِ زوجها في أوقاتِ استراحتهِ، ذات مرةٍ لمحتُ ملامحَها واستغرقتُ ليلتين بالتفكير أين قد رأيتُها؟
انتابني شعور مخلوط بالشكِّ، فليس من العاداتِ والتقاليدِ السؤال عن أعراض الأخرين، والملازم هربوت لسانهُ ليس ملكهُ..
خرجتُ من غرفتي نحو (الخلفة) أثناء عمله، وأخذتُ أُناوشُهُ بعضَ الطابوقِ، فقالَ جبار:
استغفر الله، سيِّدي .. ستتوسخ بدلتك العسكرية، أترك من يدك هذا الطابوق..(ضحكتُ ولم أهتم لهندامي) ثمَّ خاطبتُ نفسي: بالحقِّ لم أرَ منهُ ما ينغصُ حياة الآخرين، لكني لم أرتح يومًا لشكلِهِ، وهذه عادةٌ غير صحيةٍ لطالما مررتُ بهذهِ التجربةِ، أن لا يطمئن عقلي لبعضِ الأشخاصِ من دونِ سببٍ، فسألتهُ:
_ منذ متى وأنت تعيشُ في هذه القريةِ؟
_ سيِّدي، أنا مولودٌ هنا أب عن جدٍ
_ أبٌ عن جدٍ ( نطقتُها متعجبًا فلقد سمعتُ عكس ما قيل)
_ نعم سيِّدي
سكتُ قليلًا وقمتُ بمطِّ شفتي، فقلتُ: تمام، لا أُريدُ أن أُتعِبك بالحديثِ وأُشغلكَ عن عملِك.
_ لا، يا سيِّدي .. بالعكس، أنا لا أتعبُ ولو عملتُ ليلا نهارًا
ربتُ على كتفِهِ دون ردٍ، وذلك لأن نوبات الشكِّ تزدادُ طورًا عن زوجتِهِ وأقسمُ أنّي رأيتُها وتارةً عن زوجِها وإخفاءه حقيقة نسبه، قررتُ تكليف ملازم أول (عماد) فهو إنسانٌ يحفظُ السرَّ جيدًا، حيث تم نقله مؤخرًا من بغداد/الكاظمية لمراقبةِ الخلفةِ وزوجته.
حلَّ موسم الربيع وانتهى العُمّال من بناءِ القاعةِ وكانت مُبهرة، فجاء الملازم (هربوت) ببرقيةٍ تتضمنُ موافقة المديرية في بغداد على إرسال من ينوب عني والسماح بالإجازة لرؤيةِ أُمّي التي لفَّها وشاح الكبرِ ومِنها شراء بعض الأجهزةِ والمعداتِ الرياضيةِ مِن مدينتي..

********* ******** ********

فِي الفراتِ الأوسطِ حيث ولادتي الأجواء تختلفُ من حيث اللهجةِ وطعم الخبزِ، كنتُ جالسًا في الصالةِ تحيطُ بي العائلة وصوتُ الكناري في إحدى زوايا الصالة يشاركُنا وابن أخي الأصغر (عبّاس) ما ينفكُ عن القفزِ من حضنٍ لآخِر، يخبرُني أن أُناديه (النقيب عبّاس) وقبل أن أُناديه يقطعُ صوتي رنين جرس البيت، فإذا بهِ عِندَ البابِ يوبخني، دعوتُهُ إلى استكانٍ شايٍّ ( إنّهُ ورقٌ أخضر مِن الشمالِ اشتريتُهُ) رفض دعوتي .. طيب ما رأيك بعصير الزنجبيل؟
_ لا شايّ ولا زنجبيل ولا حامض حلو ولا جوكليت، بس تعال ..
_ إلى أين؟
_ إلى الشريعةِ ( وهو مكان كُنّا نخنسُ به في أطرافِ البُستانِ بالقربِ من الجسرِ، حيث شطّ الحلّةِ ..
ناديتُ: نقيب عبّاس، نقيب عبّاس هات الجاكيت، فجاءني به متعثرًا بإذيالهِ. .. وصلتُ متأخرًا بنصفِ ساعةٍ، فلقد حدث أمامي حادث سير، رأيتُهُ ينفثُ دخانَ نرجيلتِهِ نحو السماءِ بحلقاتٍ دائريةٍ وهو يميلُ رأسَهُ فِي الهواءِ، قطعتُ عليهِ خلوته حتى انخرطت الدوائر وتشتت، خاطبتُهُ مُمازحًا:
_ إي .. متى ستتزوج؟
_ أنا؟ (قالها بصوتٍ ممزوجٍ بالاستهزاءِ)
_ لا، أُمّي .. نعم .. أنت
_ ها ها ها .. يا للفضيحة تُريدُ (مديحة) أن تتزوجَ في هذا السن!
_ سأكسرُ أسنانَكَ أن عاودت اسم أُمّي على لِسانِكَ.. قل لي ما جديدك، إلى متى تتركُ بنت الناسِ مُعلّقةً معك؟
_ عيبٌ على رجلٍ أن يقولَ: أنا خائفٌ/مضطربٌ/مأزومٌ نفسيًا بعدما أحرقت نفسُها زوجة أخي.
حدَّقتُ بالأرضِ، أصابني دوار شديد وصورة زوجة الأسطى جبار تلازمُ عقلي، غير أنّني لستُ متأكدًا (لقد انتحرت) .. سُبحانَهُ يخلقُ مِن الشبهِ أربعين، حاولتُ هشَّ ذبابُ الشكوكِ عن ذهني، فالحادثةُ أكل الدهر عليها حلاوته وشرب عليها زنجبيله..
نشَّ بيدِهِ غبار السرحان قاطعًا الدرب أمام سرب التفكير، لم أشأ مشاركتهُ بما أشغلني، ما لم أتاكدُ، غير أنني على يقين تامٍ فلقد حضرتُ الجنازة.
عدتُ إلى القريةِ الشماليةِ/الوحدةِ العسكريةِ/ مُحملًا بالدهينةِ المحشوةِ بالزبدِ/التمرِ المُحشى بالبسكويتِ/كيك البرتقال/تراب الملوك وكارتونات من الكابتشينو التي يُسميها الملازم هربوت بـ (الكاشينو).. عدتُ متشوّقًا للجدولِ/للحقلِ/لعرنوسِ الذرةِ.. رأيتُ الأسطى جبار (فسألتُهُ عن حالِهِ)
أجابَ باقتضابٍ شديدٍ: بخير
_ أينقصُكم شيئا؟
_ لا يا سيِّدي، أستاذنُك بالانصرافِ، (ثيمالا)
_ إذنك معك.. في أمان الله
واصلتُ التجوّال في القرية، رأيتُها تحتضنُ صغيرًا على خاصرتِها، منظرها لا يوحي أن تكون ابنة مدينة لكن الملامح يالله أنت الشاهد على طينِك، هيَ.. لا .. نعم.. رُبّما .. إي.. هيَ .. لا ، إي لا إي لا إي فناديتُ: أنتِ خلود (جمدت خطواتها واستدارات)
أعدتُ النداء بصوتٍ أكثر حدية: أنتِ خلود..
سرعان ما سبق لِسانها حذرها المتصنع، فأجابت: ” نعم، سيِّدي
زمت شفتيها، وبدأت ترتعشُ وتمازجُ الكلامَ بالضحكاتِ ثُمَّ قالت بابتسامةٍ متوترةٍ:” عفوًا سيِّدي، هل تتحدثُ مع شخصٍ آخِرَ؟”
قلت لها بحزمٍ: “لا، أنتِ خلود، زوجة محمود، أعرفك جيدًا”
ضحكت ضحكةً مصطنعةً وقالت: “سيِّدي، يبدو أنك تخطئني بغيري، لكن لا بأس، إذا أردت أن تناديني بهذا الاسم، فلن أمانعَ، تذكر أنا زوجة جبار.
_ تمام، زوجة جبار .. زوجة جبار، أخبريه أن يرافق هربوت إلى المدينةِ لشراءِ بعضِ التأسيساتِ الكهربائيةِ.
بعد التأكد من قطعِ هربوت وجبار مسافة بعيدة عن القريةِ طلبتُ من الملازم أول عماد أن يأتي بِها، ما أن دخلت مكتبي، مددتُ يدي بالإشارةِ إلى الكرسي لتجلسَ، ثمَّ طلبتُ لها كوبًا من الماءِ واستكانًا من الشايِّ، قلتُ لها بصوتٍ يثيرُ الشجن: هل تعرفين أنّ أباكِ أُصيبَ بالشلل النصفي؟
لم ترد على كلامه واستمرت نظراتها شاردة في زوايا الغرفة، كي تطردَ وحيّ الخوفِ أخذت تحسبُ عدد الزوايا، فوجدتها خمسة ، أعادت الحساب صارت ستة، مع صوتِهِ عادت أربعة زوايا، إذ يكمل حديثهُ: إذا كنتِ على قيدِ الحياةِ، فمن تكون تلك المرأة التي انتحرت؟
قليلًا تراجع مقعدها إلى الوراءِ، فقالت بصوتٍ مُتقطعٍ: سيِّدي، لا أعرف عمَّن تتحدث… هذا الحديث يُخيفني (ناولت نفسها كوب الماء)
لم أكن عارفًا حصيفًا بلغةِ الكذبِ والمراوغةِ بقيتُ أترددُ بين الشكِ واليقين/الحقّ والباطل ..
حدَّقتُ بعينها مباشرة وقلت: كفاك مماطلة أنتِ خلود، نعم حضر الجميع الجنازة .. لكن الجثة… لمن؟
_ سيِّدي، أيُّ جثةٍ؟ أنا من هذه القريةِ.. أُريدُ الانصرافَ

بعد خروجِها مسكتُ بالمنديلِ كوب الماء الذي شرِبت مِنهُ وطلبتُ من الملازم أول عماد بأخذهِ بنفسهِ إلى دائرة الطب العدلي في بغداد وإعطائِهِ إلى خبير البصمة الوراثيةِ لاستخراج البصمة من العينة البيولوجية (اللعاب) من خلالِ التفاعل بين البوليميراز والتسلسل الجيني مقارنة الحمض النووي لتحديد هوية الفرد .. وقد ظهرت النتائج بعد خمسة أيَّام كانت (مُطابقة) .. نعم هيَ خلود
التي نكس أهلُها الرؤوس وزوجها تغيب زمنًا في السجنِ بعد الشكاوى الكثيفةِ من قبل أهلِها، وأختُها ثوب الحدادِ ما زال يجُرُّ في متاهةِ السوقِ، نعم .. هيَ .. خلود، ياااه .. خمس سنوات وطيور الأسئلة لم تستقر في السماءِ أو الأرض ..
لتؤخذ مُكبّلةً أمام عيني مع جبار إلى قسم مكافحة الجرائم في بغداد، وبعد سلسلةٍ من التحقيقاتِ، قررت طيورُ الأسئلة الاستقرار على أعتابِ الحقيقة والناسُ بين مُصدقٍ ومُكذبٍ، هي..ليست هي..انتحرت..لم تنتحر .. من يدري؟
فالتقاريرُ كُلّها تؤكدُ تطابقَ الأحماضِ النوويةِ (كانت هي خلود) التي قامت بحرق نفسِها في إحدى الحمّاماتِ في منزلِ أهلِها فِي يناير 2019 لتشيعَ في اليوم التالي وسطَ سربٍ من الأسئلةِ عن سببِ انتحارِها، وطفحت الأحاديثُ على مجرى القال والقيل، هُناك من قالت: طلبت الطلاقَ من زوجِها الذي كان يعنفُها بعد عودتِهِ من شطحاتِهِ وعربدتِهِ. ، نهرتها أخرى مكذبة حديثها:” لم يكن محمود سكيرًا، خافي الله يا أُمّ عصام.
وأخرى اكتفت بالاستماعِ، ولِسان أم صابر لم يتوقف عن قولِ: وباللهِ الحولُ والقوةُ .. اللطف، اللطف، وتنفثُ في ثوبِها.
******** ******** ********

كانت الوكالةُ الغذائيةُ تعجُّ بسؤالِ والدي: كيف عثر ابنكَ على خلود؟
نسيَ الجميعُ أمرَ الطحينِ السيَّالِ، وتوقفوا عن التذمرِ من زوجاتِهم اللواتي يتحججنَ لشراءِ الخبزِ من السوقِ ..
انشغلتُ عن آخِر التحقيقاتِ في قضيةِ خلود، حيث تسلّلت بعض عناصرٍ لداعشٍ في المنحدراتِ والربواتِ التي تحيطُ بالقريةِ، لم تشأ القيادةُ في بغدادَ أن تمنحنا إجازةً إلا بعد أن تم تعزيز المنطقة بقوةٍ مُساندةٍ قامت بتمشيطِ المنحدرِ وتنقيته من جرذانِ (داعش)..
عند عودتي بسلامٍ، ذبحَ والدي الخرفان، وتعاقبتِ الوجوهُ على الدخولِ والخروجِ، وأنا غير مُصدقٍ بالنجاةِ .. لولا مشاكسة ابن أخي النقيب عبّاس، لما استطعتُ الانفلاتَ من خيوطِ الوهمِ.
رنَّ الجرسُ مع طرقاتٍ متتاليةٍ، بالكادِ يكون شخصًا مقربًا، وإلا فمن يطرقُ هكذا؟ فالغريبُ أديبُ.
كعادتِهِ، يحبُّ الانفرادَ حين يريدُ الحديثَ، وشرطُهُ أن تكون (الشريعة) شاهدةً على أقوالِهِ، استأذنتُ الأهلَ والحاضرين للذهابِ إليهِ … جلسنا على حافةِ الشطِّ، أقدامنا تطرطشُ في الماءِ كان سارحًا في عدِّ الدوائرِ التي تُكوّنها حصياته التي يرميها.
_ أين أخذك الموج؟ (سألته)..
ردَّ دون أن ينظرَ إليَّ: في كُلِّ مرَّةٍ خمسةٍ
_ ماذا تقصد؟
رمى حصاة أخرى في الماءِ : هاك، انظر، عدَّ الدوائر
ضحكتُ: حقًا .. أنك مجنون
ابتسمَ وقالَ: الجنونُ أفضل من الواقعيةِ والمأساويةِ التي نعيشُها، سكتُّ وسكت هو الآخر، ثم عاد لرمي الحصاة وعدَّ الدوائر .. استأنفتُ الحديثَ فقلتُ له: معك حقّ
بعد أن وصلتُ إلى البيتِ وخلعتُ بدلتي العسكريّة، وجدتُها تنتظرني لتخبرني بشيءٍ، فطلبتُ مِنها بعض الوقتِ للاستحمامِ .. لكنها ظلّت واقفة عِند الباب، وحين خرجتُ، قلتُ لها: هيّا، حدّثيني.
قالت: كانت المنتحرةُ ميتةً قبل أن تنتحرَ
ضحكتُ ساخرًا: كيف تكون ميتة وانتحرت؟
ـ إي والله، أقولُ الصدقَ.. أولادُ الملاعين نبشوا القبرَ وجاءوا بها إلى الحمّامِ
ـ لكن كيف أدخلوها؟ أين كانت العائلة وقتذاك؟
ـ اعترفتِ الملعونةُ خلود بأنّهُم اشتروا الجثةَ من دفّانٍ بخمسةِ عشر مليونًا… صرتُ أخافُ أن أموتَ ويبيعون جثتي.
_ ها ها ها.. لا تقولي هكذا يا أُمّي، يومكِ بعيدٌ، ما يشوفك شرّ ، وماذا قال الدفّان؟
ـ ابن الخبيثة، أشكُّ في نزاهةِ دمِهِ و طهر حليبِهِ! قال: جاءني شاب في الثلاثيناتِ من عمرهِ، متوسلًا أن أبيعَ له جثة امرأة حديثة الدفنِ مقابل عشرة ملايين، فسألهُ المحققُ الجالس قبالته: كيف أقنعكَ؟
فقال الدفّانُ، وهو يرتدي بدلةً حمراءَ: سيِّدي، الشيطانُ كان حاضرًا، أقنعني بأنّنا لا نقتل أحدًا، فالروحُ انتقلت لرحمةِ اللهِ، والجثةُ مصيرها الدود والتراب، وفي كُلِّ الأحوالِ ستدفن، تنهَّدَ المحققُ وقالَ: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ… اكمل.
ـ نعم سيِّدي، اقتنعتُ بأننا لسنا قتلةً، فطمعتُ في السعر وبسبب إلحاحه الشديد، طلبتُ خمسةَ عشر مليونًا، بعد إجراءه اتصالًا هاتفيًا، قال لي: موافق.

لكنهُ اشترط أن تكون الجثة حديثة الدفن، لم يُبنَ شاهدُها، وأن يأخذَها في الوقتِ الذي يحددهُ. .. . في الساعةِ الثانيةِ بعد منتصفِ الليلِ، اتصل بي.
حملتُ الجثةَ بين براميلِ الطرشي التي كلفني شراءها ثلاثمائة ألف دينار، ووصلنا إلى ركنِ الشارعِ … صعد معي، ثُمَّ بدأ يوجهني بإشارةِ أصبعِهِ: إلى اليمينِ… إلى اليسارِ… قليلًا إلى اليمينِ… حتى حسبتهُ يعبثُ بي، وقبل أن ينفدَ صبري، قال: توقف.
بعد عشرِ دقائق، انفتح البابُ وخرجت امرأةٌ لم أتمكن من رؤيةِ وجهها، فقد كانت ليلةٌ عاقرة بالضوءِ، والقمرُ يغطُّ في نومِهِ … كنت أراقبُهُم عبر المرآة الأمامية للسيارةِ، حملوا الجثةَ ودخلوا المنزلَ، عادوا بعد عشر دقائق، وصعدوا بين براميل المخللاتِ ثُمَّ طلبوا مني أن أنزلهم قرب الكراج.
سألهُ المحققُ: أنت نادم على فعلتِك؟
أجابَ الدفّانُ متلعثمًا: نعم، سيِّدي، لم أكن أعرف حرمة الميت… قلتُ في نفسي: هو ميتٌ على أيِّ حالٍ، وسيدفن ويعودُ للتراب.

ثُمَّ أخبرتني أُمّي عن بقية الحلقةِ التي ظهرت على شاشةِ التلفازِ، حيث كانت خلود تتحدثُ مع المحققِ بلا ندمٍ، وبكُلِّ صلافةٍ قالت:
ـ أنا لم أقتل، الجثة التي تم حرقها كانت ميتة بالأساسِ، لم أسلب الحياة من أحدِ، أنا لستُ بعزرائيل!
قاطعها المحقق بغضبٍ: كيف لذاتِ الكيانِ الرقيقِ أن تتشوه روحها بأفكارٍ آثمةٍ؟ لا أتصور اللحظة التي صببتِ فيها النفط على الجثة في (البانيو)… ألم تخافي أن يراكِ أحد؟
فأجابت خلود: لا، كانوا نائمين.
سأل المحقق:لماذا فعلتِ ذلك؟
أجابت: أجبروني على الزواجِ من رجلٍ لا أُريدهُ … وعوضًا عن قتلِهِ، فكرنا في شخصٍ فاقدٍ للحياةِ، وأن أموتَ بنظرِ العائلة/ المجتمع.
نظر إليها المحقق باشمئزازٍ، ثُمَّ تمتم: لا إله إلا الله .. أما هي، فأصرت بصلافةٍ، قائلة: أنا بريئة!

ألتفتُ إلى صاحبي، قائلا: هيّا، لنتجاوز كل هذا .. أخبرني، متى ستتزوج؟
ـ ألم أخبرك عن العيب الذي على الرجل أن لا ينطقه؟
ـ طيب، وماذا قلتَ لخطيبتك؟
ـ قلتُ لها: أحبكِ، لكنني خائف/ مضطرب/ مأزوم نفسيًا.
ـ والحل؟
ـ أن نعود إلى البيت.
وفي العودةِ، بقي سؤالٌ كالعلكةِ يدورُ في فمي، قد يبدو تافهًا، لكنه ألحَّ عليَّ: يا ترى، ماذا فعلت في حياتها صاحبة الجثة؟ لتدفنَ ثُمَّ ينبشَّ قبرُها وتُحرق وتدفن رمادًا!
وبينما كنت أعلك سؤالي، سألني صاحبي: هل الحبُّ يدفعُ الإنسانَ نحو الأفكار الآثمة؟ هل يجعله يرتكب أفعالًا شنيعة؟
فقلتُ: ماذا قال جبار عن ذلك؟
قال: الحُبُّ دفعني لذلك .. لم نؤذِ أحدًا، فالميت كان ميتًا.
فصرخ المحقق، قائلا: قبح الله وجهك… خذوه.