“اللقاء”

صورة الكاتب
بقلم: فوز حمزة
التاريخ: 28 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2812
“اللقاء”

اللقاء

عبر الهاتف، سمعته للمرة الأولى يدعوني إلى بيته.
مشاعر فرح ممزوجة بالرهبة انتابتني!
خطر ببالي رفض طلبه، لكن أيعقل أن أطلب من الشمس الرحيل بعد يوم ممطر؟!
لقاؤه لم يعد حلمًا، سأراقص ثيابي التي ابتهجت معي.
أخيرًا، بعد شهور من مراقبته، سأدخل منزله!
أشعر كأن الأشياء فرِحة مثلي، حتى شرفتي الصغيرة التي شاركتني الحيرة حين كنت أراه يقف خلف زجاج نافذته المطلة على حديقته الخلفية، يتأمل بصمت.
مكثت لثوانٍ قبل أن أرفع يدي لأرِنّ الجرس.
قلبي يخفق بشدة، وصوت أنفاسي يحاول ثنيّي عما فكرت فيه، لكن الأوان فات، وأنا أرى الباب يُفتح، وامرأة تدعوني للدخول.
تركتني في صالة كبيرة بانتظار مضيفي، بعد أن حدّقت بي كأني مخلوق من عالم آخر.
سرت داخلي رعدة خفيفة اقشعر لها جلدي!
ثمة لوحة لسيدة معلقة على الجدار… يا إلهي، كم تشبهني!
سمعت باب الصالة يُفتح، وهو يخطو ببطء نحوي. شممت عطره الذي حملني إلى مكان ما. كفي التي غفت في كفه، وعيناه اللتان تحدقان في عينيّ، غيّبتا الزمن، إلا من اللحظة التي أنا فيها.
– أهلًا بكِ.
همس، ثم أشار بالجلوس.
تبددت الكلمات في بحر الصمت، ولم ينقذني من نفسي سوى تلك اللحظة التي دخلت فيها المرأة تحمل بين يديها صينية.
غاصت نظراته في كوب الشاي أمامه.
تساءلت: هل يشعر بوجودي؟
عادت لحظات الصمت اللعينة تقاسمني الزمن، فشعرت بالضآلة والانحسار.
غادر مكانه صوب النافذة الفاصلة بين الصالة والحديقة، والتصق بها، حتى أخذت أنفاسه ترتطم بزجاجها، وسرعان ما بددها الهواء.
كان ينظر عبر الزجاج إلى كرسي في الحديقة، وُضع فوقه فراش وثير، تجلس عليه قطة بنية، إلى جانبها كتاب غلافه وردي اللون، وشال أسود قديم مربوط في أحد جوانب الكرسي.
وأطلق تنهيدة بطيئة نحو ذلك المكان في الحديقة.
– أين أنتِ الآن عني؟
سمعته يهمس بهذه الكلمات.
فجأة اقترب مني ليعرض عليّ سيجارة.
– شكرًا لك، لا أدخن!
– بل تدخنين، لطالما كنتِ تشاركينني هذه العادة السيئة!
قلت في نفسي: هذا لقاؤنا الأول، فكيف…؟
قاطع أفكاري:
– كنت أرقبك كل صباح وأنت في الشرفة…
لا أدري ما الذي أصابني حين فتح الباب ودعاني لدخول الحديقة… أليس هذا ما كنت أتمناه؟!
ألم يكن هذا حلمًا سهرت من أجله ليالي طويلة؟
لماذا الآن أقف كشجرة تتلاعب الريح بأغصانها وتهدد جذورها؟!
لم أجد سوى الامتثال لطلبه بخلع حذائي.
جلس على كرسي من الخيزران، وبدأ يتفحصني، حتى تحسست ثوبي لأتأكد أنني ما زلت أرتديه!
لم أكن أعرف من قبل أن هناك لحظات تساوي ما مضى من العمر!
كنت أريد للزمن أن يكف عن التسارع، كي يضع رحاله في المسافة التي تفصلني عنه.
خطواته وهو يسير نحوي أرعبت اللحظة!
أغمضت عينيّ كي لا أفشي سرهما. شعرت بيده تطوق رقبتي بالشال، ثم بدأ يعبث بشعري، بينما أنفاسه استقرت فوق وجهي، وهو يهمس طالبًا مني حمل القطة والجلوس على الكرسي.
كرسي في حديقة خلفية، تحت شجرة توت كبيرة، تجلس فوقه امرأة يحيط عنقها شال أسود قديم بحواف خضراء، تحمل بإحدى يديها قطة بنية تمسك بأطراف الشال، تحاول منع السيدة من مواصلة القراءة.
أما الطرف الآخر… فرجل يحمل فرشاة، يحاول مسح دموعه قبل البدء بالرسم…
بعد ساعات، وهو يمضي إلى داخل الصالة، قال:
بإمكانك العودة غدًا لاستلام اللوحة.

عن الکاتب / الکاتبة

فوز حمزة
فوز حمزة
کاتبة وروائیة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حب بلون الغرق

حب بلون الغرق

  حب بلون الغرق الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة. بدأ العدّ التنازلي:…

صورة الكاتب فوز حمزة
30 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
أحلام آخر الليل

أحلام آخر الليل

نظرَ إلى الحقيبة، فبدتْ له ثقيلةً جدًّا، وأعوامُه الستون تعجزُ عن حملها. خبّأ فيها حفنةً…

صورة الكاتب فوز حمزة
7 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“اللقاء”

بقلم: فوز حمزة | التاريخ: 28 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

اللقاء

عبر الهاتف، سمعته للمرة الأولى يدعوني إلى بيته.
مشاعر فرح ممزوجة بالرهبة انتابتني!
خطر ببالي رفض طلبه، لكن أيعقل أن أطلب من الشمس الرحيل بعد يوم ممطر؟!
لقاؤه لم يعد حلمًا، سأراقص ثيابي التي ابتهجت معي.
أخيرًا، بعد شهور من مراقبته، سأدخل منزله!
أشعر كأن الأشياء فرِحة مثلي، حتى شرفتي الصغيرة التي شاركتني الحيرة حين كنت أراه يقف خلف زجاج نافذته المطلة على حديقته الخلفية، يتأمل بصمت.
مكثت لثوانٍ قبل أن أرفع يدي لأرِنّ الجرس.
قلبي يخفق بشدة، وصوت أنفاسي يحاول ثنيّي عما فكرت فيه، لكن الأوان فات، وأنا أرى الباب يُفتح، وامرأة تدعوني للدخول.
تركتني في صالة كبيرة بانتظار مضيفي، بعد أن حدّقت بي كأني مخلوق من عالم آخر.
سرت داخلي رعدة خفيفة اقشعر لها جلدي!
ثمة لوحة لسيدة معلقة على الجدار… يا إلهي، كم تشبهني!
سمعت باب الصالة يُفتح، وهو يخطو ببطء نحوي. شممت عطره الذي حملني إلى مكان ما. كفي التي غفت في كفه، وعيناه اللتان تحدقان في عينيّ، غيّبتا الزمن، إلا من اللحظة التي أنا فيها.
– أهلًا بكِ.
همس، ثم أشار بالجلوس.
تبددت الكلمات في بحر الصمت، ولم ينقذني من نفسي سوى تلك اللحظة التي دخلت فيها المرأة تحمل بين يديها صينية.
غاصت نظراته في كوب الشاي أمامه.
تساءلت: هل يشعر بوجودي؟
عادت لحظات الصمت اللعينة تقاسمني الزمن، فشعرت بالضآلة والانحسار.
غادر مكانه صوب النافذة الفاصلة بين الصالة والحديقة، والتصق بها، حتى أخذت أنفاسه ترتطم بزجاجها، وسرعان ما بددها الهواء.
كان ينظر عبر الزجاج إلى كرسي في الحديقة، وُضع فوقه فراش وثير، تجلس عليه قطة بنية، إلى جانبها كتاب غلافه وردي اللون، وشال أسود قديم مربوط في أحد جوانب الكرسي.
وأطلق تنهيدة بطيئة نحو ذلك المكان في الحديقة.
– أين أنتِ الآن عني؟
سمعته يهمس بهذه الكلمات.
فجأة اقترب مني ليعرض عليّ سيجارة.
– شكرًا لك، لا أدخن!
– بل تدخنين، لطالما كنتِ تشاركينني هذه العادة السيئة!
قلت في نفسي: هذا لقاؤنا الأول، فكيف…؟
قاطع أفكاري:
– كنت أرقبك كل صباح وأنت في الشرفة…
لا أدري ما الذي أصابني حين فتح الباب ودعاني لدخول الحديقة… أليس هذا ما كنت أتمناه؟!
ألم يكن هذا حلمًا سهرت من أجله ليالي طويلة؟
لماذا الآن أقف كشجرة تتلاعب الريح بأغصانها وتهدد جذورها؟!
لم أجد سوى الامتثال لطلبه بخلع حذائي.
جلس على كرسي من الخيزران، وبدأ يتفحصني، حتى تحسست ثوبي لأتأكد أنني ما زلت أرتديه!
لم أكن أعرف من قبل أن هناك لحظات تساوي ما مضى من العمر!
كنت أريد للزمن أن يكف عن التسارع، كي يضع رحاله في المسافة التي تفصلني عنه.
خطواته وهو يسير نحوي أرعبت اللحظة!
أغمضت عينيّ كي لا أفشي سرهما. شعرت بيده تطوق رقبتي بالشال، ثم بدأ يعبث بشعري، بينما أنفاسه استقرت فوق وجهي، وهو يهمس طالبًا مني حمل القطة والجلوس على الكرسي.
كرسي في حديقة خلفية، تحت شجرة توت كبيرة، تجلس فوقه امرأة يحيط عنقها شال أسود قديم بحواف خضراء، تحمل بإحدى يديها قطة بنية تمسك بأطراف الشال، تحاول منع السيدة من مواصلة القراءة.
أما الطرف الآخر… فرجل يحمل فرشاة، يحاول مسح دموعه قبل البدء بالرسم…
بعد ساعات، وهو يمضي إلى داخل الصالة، قال:
بإمكانك العودة غدًا لاستلام اللوحة.