عجوز الجبل

صورة الكاتب
بقلم: عباس النجار
التاريخ: 28 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 1595
عجوز الجبل

عجوز الجبل

في صباحٍ ربيعيٍ جميل، انطلقت حافلة المدرسة تقلّ مجموعة من الأطفال في رحلةٍ مدرسية نحو منطقةٍ جبلية بعيدة. كانت الضحكات تملأ الحافلة، والأغاني تعلو، والفرح واضح في عيون الجميع. وما إن وصلوا، حتى اصطفّوا ليستمعوا إلى تعليمات المعلم.
قال المعلم بصوتٍ واضح:
“انتبهوا يا أطفال، لا تبتعدوا عن مكاننا، ولا تصعدوا الجبل وحدكم… المكان قد يكون خطرًا.”
هزّ الأطفال رؤوسهم موافقين، لكن الحماس كان أكبر من انتباههم.
انتشروا في السهل القريب، وبدأوا يلعبون الكرة ويجرون بين الأشجار. وبينما كانت الكرة تتدحرج نحو التلة، أشار عدنان إليها ضاحكًا وقال: “هناك فوق التلة تعيش عجوز تأكل لحم الأطفال!”
ضحك البعض، وقالت هدى: “أمي كانت تخيفني بهذه القصة حتى أنام… إنها مجرد خرافة.”
لكن أحمد، بعينيه اللامعتين، قال بحماس: “إذا كانت خرافة… فلنذهب ونرى!”
ترددت هدى وقالت: “لا يا أحمد… المعلم قال لا نصعد.”
لكن أحمد بدأ يركض، وتبعه عدنان، ثم بقية الأطفال، وكأن الفضول سحبهم دون تفكير.
كلما اقتربوا من التلة، خفتت ضحكاتهم، وحلّ الصمت مكانها. الريح كانت تصدر صوتًا غريبًا بين الصخور، وكأنها تحذرهم.
وعند القمة، وجدوا كهفًا صغيرًا. اقتربوا بحذر، فرأوا رماد نارٍ قديمة، وقدرًا أسود، وبقايا عظام متناثرة.
تراجعت هدى بخوف: “لنعد… هذا المكان مخيف.”
لكن أحمد لاحظ قرصًا معدنيًا بنقوش غريبة، فاقترب والتقطه.
وفجأة، دوّى صوت مرعب: “من أنتم…؟”
تجمّد الأطفال في أماكنهم.
خرجت عجوز مخيفة من الكهف، شعرها أشعث، وعيناها تلمعان بشكل مرعب.
“أنتم… عشائي اليوم!”
صرخت، وأشارت نحو أحمد: “ارمِ القرص!”
صرخ الأطفال وركضوا هاربين، بينما صاحت العجوز: “أمسكوا بهم!”
وخرجت مخلوقات صغيرة غريبة من بين الصخور، وبدأت تطاردهم.
ركض أحمد بسرعة، لكنه تعثر وسقط في حفرة عميقة، واختفى عن الأنظار.
اختبأ باقي الأطفال خلف الأشجار، قلوبهم ترتجف، وهم ينظرون نحو الحفرة بصمتٍ مرعب.
مرّ الوقت ببطء، حتى بدأ الغروب، ومعه انسحبت العجوز ومخلوقاتها إلى الكهف.
قال عدنان بصوتٍ منخفض: “هذه فرصتنا… يجب أن ننقذ أحمد.”
اقتربوا بحذر من الحفرة، ونادى عدنان: “أحمد! هل تسمعني؟”
جاء صوت ضعيف من الأسفل: “أنا هنا…”
بحث الأطفال عن شيء يساعدهم، فوجدوا غصنًا طويلًا. أمسكه عدنان ومدّه داخل الحفرة: “أمسك به!”
بصعوبة، أمسك أحمد بالغصن، وبدأوا يسحبونه معًا، حتى خرج أخيرًا وهو يلهث.
لكن الخوف لم ينتهِ.
مع حلول الليل، عاد الظلام يحيط بهم، ولم يعرفوا طريق العودة.
قالت هدى وهي تبكي: “لقد ضللنا الطريق…”
جلس الأطفال متعبين وخائفين، وقال عدنان: “لو بقينا مع المعلمين… لما حدث هذا.”
خفض أحمد رأسه وقال: “نحن أخطأنا… لم نسمع التعليمات.”
وفجأة، سمعوا صوتًا بعيدًا: “أحمد! هدى! أين أنتم؟!”
رفعت هدى رأسها: “هذا صوت المعلم!”
صرخ الأطفال معًا: “نحن هنااا!”
بدأوا يركضون نحو الصوت، حتى رأوا أضواء المصابيح تقترب.
ظهر المعلمون، وركضوا نحو الأطفال، واحتضنوهم بقلقٍ شديد.
قال المعلم: “أين كنتم؟ لقد بحثنا عنكم في كل مكان!”
قال أحمد بخجل: “نحن… صعدنا إلى التلة… ولم نلتزم بتعليماتكم.”
نظر المعلم إليهم وقال بهدوء: “هل عرفتم الآن لماذا نحذّركم؟”
أجاب الأطفال بصوتٍ واحد: “نعم…”
قال المعلم: “الرحلات للمتعة، لكن السلامة أولًا. الابتعاد عن الكادر التدريسي قد يعرّضكم للخطر.”
قال أحمد: “نعدكم… لن نبتعد مرة أخرى.”
ابتسم المعلم، وربت على كتفه.
وفي طريق العودة، جلس الأطفال بهدوء، يفكرون فيما حدث.
لم تعد التعليمات تبدو لهم قيودًا… بل حماية.

عن الکاتب / الکاتبة

عباس النجار
عباس النجار
القاص والروائي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حديث الأشياء الصامتة

حديث الأشياء الصامتة

حديث الأشياء الصامتة   بعد أن أنهيت من قهوتي في الحديقة دخلت إلى المنزل بهدوء…

صورة الكاتب عباس النجار
3 مايو 2026
اقرأ المزيد

لا زلت أتذكر… كنت طفلًا صغيرًا في أواخر القرن الماضي، حين كان الحصار يأكل بلادي…

صورة الكاتب عباس النجار
16 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عجوز الجبل

بقلم: عباس النجار | التاريخ: 28 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

عجوز الجبل

في صباحٍ ربيعيٍ جميل، انطلقت حافلة المدرسة تقلّ مجموعة من الأطفال في رحلةٍ مدرسية نحو منطقةٍ جبلية بعيدة. كانت الضحكات تملأ الحافلة، والأغاني تعلو، والفرح واضح في عيون الجميع. وما إن وصلوا، حتى اصطفّوا ليستمعوا إلى تعليمات المعلم.
قال المعلم بصوتٍ واضح:
“انتبهوا يا أطفال، لا تبتعدوا عن مكاننا، ولا تصعدوا الجبل وحدكم… المكان قد يكون خطرًا.”
هزّ الأطفال رؤوسهم موافقين، لكن الحماس كان أكبر من انتباههم.
انتشروا في السهل القريب، وبدأوا يلعبون الكرة ويجرون بين الأشجار. وبينما كانت الكرة تتدحرج نحو التلة، أشار عدنان إليها ضاحكًا وقال: “هناك فوق التلة تعيش عجوز تأكل لحم الأطفال!”
ضحك البعض، وقالت هدى: “أمي كانت تخيفني بهذه القصة حتى أنام… إنها مجرد خرافة.”
لكن أحمد، بعينيه اللامعتين، قال بحماس: “إذا كانت خرافة… فلنذهب ونرى!”
ترددت هدى وقالت: “لا يا أحمد… المعلم قال لا نصعد.”
لكن أحمد بدأ يركض، وتبعه عدنان، ثم بقية الأطفال، وكأن الفضول سحبهم دون تفكير.
كلما اقتربوا من التلة، خفتت ضحكاتهم، وحلّ الصمت مكانها. الريح كانت تصدر صوتًا غريبًا بين الصخور، وكأنها تحذرهم.
وعند القمة، وجدوا كهفًا صغيرًا. اقتربوا بحذر، فرأوا رماد نارٍ قديمة، وقدرًا أسود، وبقايا عظام متناثرة.
تراجعت هدى بخوف: “لنعد… هذا المكان مخيف.”
لكن أحمد لاحظ قرصًا معدنيًا بنقوش غريبة، فاقترب والتقطه.
وفجأة، دوّى صوت مرعب: “من أنتم…؟”
تجمّد الأطفال في أماكنهم.
خرجت عجوز مخيفة من الكهف، شعرها أشعث، وعيناها تلمعان بشكل مرعب.
“أنتم… عشائي اليوم!”
صرخت، وأشارت نحو أحمد: “ارمِ القرص!”
صرخ الأطفال وركضوا هاربين، بينما صاحت العجوز: “أمسكوا بهم!”
وخرجت مخلوقات صغيرة غريبة من بين الصخور، وبدأت تطاردهم.
ركض أحمد بسرعة، لكنه تعثر وسقط في حفرة عميقة، واختفى عن الأنظار.
اختبأ باقي الأطفال خلف الأشجار، قلوبهم ترتجف، وهم ينظرون نحو الحفرة بصمتٍ مرعب.
مرّ الوقت ببطء، حتى بدأ الغروب، ومعه انسحبت العجوز ومخلوقاتها إلى الكهف.
قال عدنان بصوتٍ منخفض: “هذه فرصتنا… يجب أن ننقذ أحمد.”
اقتربوا بحذر من الحفرة، ونادى عدنان: “أحمد! هل تسمعني؟”
جاء صوت ضعيف من الأسفل: “أنا هنا…”
بحث الأطفال عن شيء يساعدهم، فوجدوا غصنًا طويلًا. أمسكه عدنان ومدّه داخل الحفرة: “أمسك به!”
بصعوبة، أمسك أحمد بالغصن، وبدأوا يسحبونه معًا، حتى خرج أخيرًا وهو يلهث.
لكن الخوف لم ينتهِ.
مع حلول الليل، عاد الظلام يحيط بهم، ولم يعرفوا طريق العودة.
قالت هدى وهي تبكي: “لقد ضللنا الطريق…”
جلس الأطفال متعبين وخائفين، وقال عدنان: “لو بقينا مع المعلمين… لما حدث هذا.”
خفض أحمد رأسه وقال: “نحن أخطأنا… لم نسمع التعليمات.”
وفجأة، سمعوا صوتًا بعيدًا: “أحمد! هدى! أين أنتم؟!”
رفعت هدى رأسها: “هذا صوت المعلم!”
صرخ الأطفال معًا: “نحن هنااا!”
بدأوا يركضون نحو الصوت، حتى رأوا أضواء المصابيح تقترب.
ظهر المعلمون، وركضوا نحو الأطفال، واحتضنوهم بقلقٍ شديد.
قال المعلم: “أين كنتم؟ لقد بحثنا عنكم في كل مكان!”
قال أحمد بخجل: “نحن… صعدنا إلى التلة… ولم نلتزم بتعليماتكم.”
نظر المعلم إليهم وقال بهدوء: “هل عرفتم الآن لماذا نحذّركم؟”
أجاب الأطفال بصوتٍ واحد: “نعم…”
قال المعلم: “الرحلات للمتعة، لكن السلامة أولًا. الابتعاد عن الكادر التدريسي قد يعرّضكم للخطر.”
قال أحمد: “نعدكم… لن نبتعد مرة أخرى.”
ابتسم المعلم، وربت على كتفه.
وفي طريق العودة، جلس الأطفال بهدوء، يفكرون فيما حدث.
لم تعد التعليمات تبدو لهم قيودًا… بل حماية.