“دموع ساخرة “

صورة الكاتب
بقلم: حميد محمد الهاشم
التاريخ: 29 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2347
“دموع ساخرة “

“دموع ساخرة ”

 

….تلكما سمكتا قرش، إنهما تقتربان مني ، بينما أنا أغرق داخل تلك الأعماق الشيطانية، إنهما تقتربان مني ، ستأكلان جسدي،ستبتلعانني كوجبة غذاء دسمة، لكنني سأكون أكثر تفاؤلا ،ففي التفاؤل  ربما أقتلُ شهيتهما الغاضبة، لكن كيف يحصل ذلك ؟! لا أعرف ولا أدري.. أرجو أن لا يكون قلبي هذه المرة طائشا في فراغ الاحلام،  أنْ يكون حاجزاً عن أن يهشماني بأنيابهما المفترسة. لكن ها أنا أهبط أكثر فأكثر ،و فقاعات الاوكسجين تتدفق من منخري ، ها أنا جاهز للأفتراس ،أملي  والأفتراس حدّان لسيف خبيث واحد. كم مره حلمتُ وقد تم أكل أحلامي وافتراسها ، وأنا في قمة توسلي بالله والملائكه والطبيعة أن لا يتجدد ضياعي مره أخرى ،أن لا أكون لقمة  سائغة في فم أسماك قرش الحياة. ألم أقل لذلك الضابط اللعين، أن غداً يوم تسُرّحي من الجيش  فلا تدفعني قتيلاً؛  قبل القتل في ذلك الزورق اللعين ، فوق مياه شط الحرب والعرب ،لكنه أجابني، ” تفاءلْ بالحياة والنجاة معا،   وهذه المياه أقدس من دمك.” تفاءلتُ أو لم اتفاءلْ؛  ها أنا سأصبح وليمة دسمة لسمكتي القرش هاتين ، هاتين العزيزتين ستمنحاني قبراً في جوفهما، كم تمنيتُ في أحايين كثيرة أن يخرجني الله من قبر الحياة ليضمني إلى سمائه. في تلك المقبرة حين فقدت أبي بينما كنت أنثر دموعي كالرمال على رمال قبره، قال لي أحدهم وهو يربّت على كتفي الأهدل .” ثقْ بالخير يا صاح ما زال لديك أمّ وأخوة”. كنت في الخامسة عشر من فصول التراجيديا المسماة حياتي ، حاولت حقا أن ابتسم  بعد ذلك، لكن ذلك الابتسام أطاح بأمي بعد الأربعين يوماً؛  حزنا على أبي ،أبي الذي علّمني الكثير ، علّمني كيف أشعر ،وعلّمني كيف أكتب الشعر لكن أبي المسكين لم يكن مسؤولا عن أول خيبة في كتاب الحب والشعر، ربما الشِّعر هو السبب في كل خيباتي الكامله الولادة ، لقد مزَّقَتْ القصيدةَ ،تلك الفتاةُ التي أحبَبتَها في عامي الأول من الجامعة ، “هذه القصيدة ليست لكَ، لقد سَرَ قْتَها” ،هكذا قالت لي ، لقد سَرَقْتَها ،ثم مزقت قصيدتي. _” كيف أحبكَ وأنتَ حرامي أشعار” ؟! ثم أحّبتْ صديقي اللدود، صديقي من كذّب عليها في ذلك ، و هو من أقنعني أن أكتب تلك القصيدة الرائعة التفاؤل و البهجة والبلاغة. _ليس من المعقول..!!قصيدتك أكثر روعة  من اكتئابك المزمن، أيها الكاذب, حالم ومبتسم ومكتئبٌ في آنٍ معا، كيف يلتقي ذلك. صحيح…أملي كذبٌ، ووجعي صادق، وجعي وخيبتي أحملهما معي دائما . ها إني أنهيت دراسة الفيزياء ،استخرت الله  أن أخطب أبنة جارنا الحسناء ، كنت متفائلا جدا رغم منافسة الفتى البقال لي ، بائع البطاطا، بالطبع اختارت البطاطا ولم تختر فيزيائيتي، مدعية أنها تحب البطاطا أكثر من أي شيء آخر ، سيغُرِقها البقال بسلال من البطاطا ، فبماذا سأغُرقها أنا ،ولولا البطاطا ،كما تقول هي، لأختارتني أنا رجل الفيزياء..الفيزياء تلك التي جعلتني جندياً يخدم الوطن كمصّلح لمكائن الزوارق الحربيه . ، لم اختر دراستي ،لم أختر وظيفتي ،ولم اختر طريقه موتي وفي كل هذا الطريق الشائك كنت متفائلا . قلتُ له: _سيدي، أرجوك غدا سأُسّرح  من الجيش وأعود موظفا مدنيا. فردّ علي. _توقعْ النجاة  والحياة معا، واجبٌ وعليك تنفيذه. رغم إني لا أعرف  سرّ نزوة الجنرال  التي تدفعنا أن نحارب سنين طوال..سرّ نزوة الجنرال الذي تخلى فيما بعد عن نصف تلك المياه لمن كنا نحاربهم. حاولت أنْ لا أصعد الزورق الحربي، فأصعدني الضابط الحقود ،ودعوت الله أن لا ترصدنا سفينة مَنْ نقاتلهم ،لكنها لم تكتفِ بالرصد والرؤية ؛بل أطلقت علينا طوربيد ساخن ، ودعوت الملائكة والشياطين  أن يُخْطِئنا وهو يخترق تيارات الموج. ها إني غارق في شطنا العربي الآسن، المليء بفضلات الحروب، وبأسماك القرش. ها هما السمكتان تقتربان أكثر وأكثر مني ،  تحومان حولي، ها هما  تدوران حول جثتي ، أحدهما قرب رأسي فيما أختارت الأخرى قدميّ ،انا الغريق الآن تحت أعماق المياه ما زال قلبي يخفق أن لا أكون عشاءً لهما هذه الليلة . ليمنحاني فرصةً، على الأقل لامنية حقيقية ونهائية.

عن الکاتب / الکاتبة

حميد محمد الهاشم
حميد محمد الهاشم
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“دموع ساخرة “

بقلم: حميد محمد الهاشم | التاريخ: 29 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

“دموع ساخرة ”

 

….تلكما سمكتا قرش، إنهما تقتربان مني ، بينما أنا أغرق داخل تلك الأعماق الشيطانية، إنهما تقتربان مني ، ستأكلان جسدي،ستبتلعانني كوجبة غذاء دسمة، لكنني سأكون أكثر تفاؤلا ،ففي التفاؤل  ربما أقتلُ شهيتهما الغاضبة، لكن كيف يحصل ذلك ؟! لا أعرف ولا أدري.. أرجو أن لا يكون قلبي هذه المرة طائشا في فراغ الاحلام،  أنْ يكون حاجزاً عن أن يهشماني بأنيابهما المفترسة. لكن ها أنا أهبط أكثر فأكثر ،و فقاعات الاوكسجين تتدفق من منخري ، ها أنا جاهز للأفتراس ،أملي  والأفتراس حدّان لسيف خبيث واحد. كم مره حلمتُ وقد تم أكل أحلامي وافتراسها ، وأنا في قمة توسلي بالله والملائكه والطبيعة أن لا يتجدد ضياعي مره أخرى ،أن لا أكون لقمة  سائغة في فم أسماك قرش الحياة. ألم أقل لذلك الضابط اللعين، أن غداً يوم تسُرّحي من الجيش  فلا تدفعني قتيلاً؛  قبل القتل في ذلك الزورق اللعين ، فوق مياه شط الحرب والعرب ،لكنه أجابني، ” تفاءلْ بالحياة والنجاة معا،   وهذه المياه أقدس من دمك.” تفاءلتُ أو لم اتفاءلْ؛  ها أنا سأصبح وليمة دسمة لسمكتي القرش هاتين ، هاتين العزيزتين ستمنحاني قبراً في جوفهما، كم تمنيتُ في أحايين كثيرة أن يخرجني الله من قبر الحياة ليضمني إلى سمائه. في تلك المقبرة حين فقدت أبي بينما كنت أنثر دموعي كالرمال على رمال قبره، قال لي أحدهم وهو يربّت على كتفي الأهدل .” ثقْ بالخير يا صاح ما زال لديك أمّ وأخوة”. كنت في الخامسة عشر من فصول التراجيديا المسماة حياتي ، حاولت حقا أن ابتسم  بعد ذلك، لكن ذلك الابتسام أطاح بأمي بعد الأربعين يوماً؛  حزنا على أبي ،أبي الذي علّمني الكثير ، علّمني كيف أشعر ،وعلّمني كيف أكتب الشعر لكن أبي المسكين لم يكن مسؤولا عن أول خيبة في كتاب الحب والشعر، ربما الشِّعر هو السبب في كل خيباتي الكامله الولادة ، لقد مزَّقَتْ القصيدةَ ،تلك الفتاةُ التي أحبَبتَها في عامي الأول من الجامعة ، “هذه القصيدة ليست لكَ، لقد سَرَ قْتَها” ،هكذا قالت لي ، لقد سَرَقْتَها ،ثم مزقت قصيدتي. _” كيف أحبكَ وأنتَ حرامي أشعار” ؟! ثم أحّبتْ صديقي اللدود، صديقي من كذّب عليها في ذلك ، و هو من أقنعني أن أكتب تلك القصيدة الرائعة التفاؤل و البهجة والبلاغة. _ليس من المعقول..!!قصيدتك أكثر روعة  من اكتئابك المزمن، أيها الكاذب, حالم ومبتسم ومكتئبٌ في آنٍ معا، كيف يلتقي ذلك. صحيح…أملي كذبٌ، ووجعي صادق، وجعي وخيبتي أحملهما معي دائما . ها إني أنهيت دراسة الفيزياء ،استخرت الله  أن أخطب أبنة جارنا الحسناء ، كنت متفائلا جدا رغم منافسة الفتى البقال لي ، بائع البطاطا، بالطبع اختارت البطاطا ولم تختر فيزيائيتي، مدعية أنها تحب البطاطا أكثر من أي شيء آخر ، سيغُرِقها البقال بسلال من البطاطا ، فبماذا سأغُرقها أنا ،ولولا البطاطا ،كما تقول هي، لأختارتني أنا رجل الفيزياء..الفيزياء تلك التي جعلتني جندياً يخدم الوطن كمصّلح لمكائن الزوارق الحربيه . ، لم اختر دراستي ،لم أختر وظيفتي ،ولم اختر طريقه موتي وفي كل هذا الطريق الشائك كنت متفائلا . قلتُ له: _سيدي، أرجوك غدا سأُسّرح  من الجيش وأعود موظفا مدنيا. فردّ علي. _توقعْ النجاة  والحياة معا، واجبٌ وعليك تنفيذه. رغم إني لا أعرف  سرّ نزوة الجنرال  التي تدفعنا أن نحارب سنين طوال..سرّ نزوة الجنرال الذي تخلى فيما بعد عن نصف تلك المياه لمن كنا نحاربهم. حاولت أنْ لا أصعد الزورق الحربي، فأصعدني الضابط الحقود ،ودعوت الله أن لا ترصدنا سفينة مَنْ نقاتلهم ،لكنها لم تكتفِ بالرصد والرؤية ؛بل أطلقت علينا طوربيد ساخن ، ودعوت الملائكة والشياطين  أن يُخْطِئنا وهو يخترق تيارات الموج. ها إني غارق في شطنا العربي الآسن، المليء بفضلات الحروب، وبأسماك القرش. ها هما السمكتان تقتربان أكثر وأكثر مني ،  تحومان حولي، ها هما  تدوران حول جثتي ، أحدهما قرب رأسي فيما أختارت الأخرى قدميّ ،انا الغريق الآن تحت أعماق المياه ما زال قلبي يخفق أن لا أكون عشاءً لهما هذه الليلة . ليمنحاني فرصةً، على الأقل لامنية حقيقية ونهائية.