مكلومٌ يا ولدي

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 4 مايو 2026 عدد المشاهدات: 51
مكلومٌ يا ولدي

مكلومٌ يا ولدي

مضتْ ثلاثُ ليالٍ ولم يذقْ طعمَ النوم فيها، منذ السبتُ المجنون، ذلك اليومُ الذي بدأ منذ صباحه الباكر تُنسجُ خيوطُ الكفنِ الأبيض، ليسرقَ الموتُ منه فلذةَ كبدهِ، موتٌ مجانيٌ بسلسلةٍ متواليةٍ قد لا تتوقف, رغم عدم تصديقه بلحظةِ الرحيل، لكن هي الناسَ تتحركُ من حوله، تواسيه، تحاولُ أن تُخرجَ بعضاً من تلك الأحزانِ التي أخذت تجثمُ على صدره، والاستغرابُ يجعله يقفُ بذاتِ الدهشةِ من المواساةِ المتكررةِ بين الحين والآخر، وأصواتٌ تتسابقُ في دواخله، تسأله بشكلٍ متتابع.
– هل رحلَ مصطفى؟
يحدقُ في سقفِ الغرفة, يصيبه الرعبُ, وناقوسٌ حزينٌ يدقُ في رأسه بضجيجٍ صاخب, يتحولُ على شكلِ ضرباتِ فأسِ متتالية.
– لا, لا يمكنه أن يرحلَ بهذه السرعة.
تحضرُ التفاصيلُ كلُّها، كيف لا يتناولَ طعامه قبل أن يمدَ والده يده، لا يرفعُ نظره بوجهه، لذا بدأ يشعرُ بالاختناق، صخرةٌ تقفُ على الصدر، فالأحزانُ والآهات تكتمُ الأنفاس، ليقفَ الزمنُ، والروحُ تدخلُ في سديمٍ بعيدِ المدى، والليلُ حالكٌ كالحقد، ومراسيمُ عزاءٍ يراها تمتدُ لمسافات، كراسي بالوانٍ حمرٍ كلونِ الدم، الماء، القهوة.
– ترى ما الذي حدث؟
تتوسعُ الفاجعةُ في دواخله، تتحرك، تلامسُ قلبه، تدمعُ عيونه، يزدادُ هلعه، يصرخُ باسمه.
– أين ذهب مصطفى؟
بين دروبِ الفقدِ تاه، رمى الفؤادُ أجزاءه بشكلِ شظايا متفحمة، والفكرُ أَخْذ يشتكي، يجوبُ الكونَ، يرتعش، تتعالى الرياح، الأصوات، نواحٌ يخلعُ نياطَ القلوب، عاصفةٌ من الصراخِ تهبُ تملأ مساحةَ باحة الحوش الواسعة, ليبدأ الغولُ يغرسُ أنيابه بين الثنايا، وأخذ الرعبُ يدورُ دورته، مع إيمانه بالقدر، بأنه سيقودُ الجميعَ إلى ذلك الأجلِ المحتوم، والأحجارُ تحزُ الوجدانَ، يسأله حفيده.
– أين أبي؟
تتناثرُ الأحلامُ كشظايا الزجاجِ المتكسرة، وتغيبُ النجومُ من الليل، والسماءُ أخذت تكتسي لونَ الرمادِ في وضحِ النهار والشمسُ في كبدها، والأقدارُ وضعته أمام اختبار الخيارِ الأوحد من دون إنذارٍ مسبقٍ، وطائرُ البومِ ينوح، يناغي طائرَ الموتِ، لذا أخذ يركضُ وراء سرابٍ مجهول، يبحثُ عن شيءٍ لا يعرفُ سره.
يواسيه زميلٌ له يجلسُ بالقربِ منه.
– الصبرُ, الصبرُ, إنما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى.
يحاولُ أن يجيب, إلا أن كلماته تبقى مسجاةً على مقصلةِ الانتظار, لذا أخذ يوشرُ إلى قلبه والدموعُ تنهمرُ من عينيه.
– جمرةٌ هنا تتحرك.
فأجهش ذلك الزميل على بكائه.
ما كان يَظُنُ أن ترميه سهامُ المنايا، ليتقاسمَ طعمُ الرحيل، لذا بدأت الحروفُ تهربُ منه خجلة، تسكنه الحيرة، وتتسللُ إلى لونِ تلك الدموعِ قبل أن يجيب، والنبضُ يُوخِزُ صدره من الألم، فتخرجُ مرارةَ الرحيلِ، بعدما يداهمه شبحُ الغياب، فتنمحي ما ظل من لونِ عينيه، ويهشمُ الموتُ بقايا العمر.
– أتكفي الدموع، وحروفُ الكلماتِ تمتصُ ذاكرةَ الحنين؟
كيف سَيُبْحِرُ بموجه الغادر؟ وإن عاشَ، فسيبقى بقلبٍ متفحمٍ، يتشظى بعطره، والرحيلُ الماكرُ ينامُ على الأرصفةِ الدامية، يصحو ولا فجرٌ يستقبله، سوى بقايا خريفٍ يهدده شتاتُ النهايات، وستدومُ مواسمُ النواحِ وتمطرُ النوائبُ، لتسقي وجدَها أزهاراً سوداً بلونِ كبده، ويشتعلُ في أوجِ الكلمات.
– مكلومٌ أنا يا ولدي.
فتُقتَلُ الروح، يتعاطى السبات، ويناجي الموتَ بِكُلِّ لحظةٍ، بعدما ملَّته السكرات.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل

بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل

بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل ثمة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
5 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“حدود الامتلاء”

“حدود الامتلاء”

حدود الامتلاء على ضفة دجلة، في إحدى القرى التي كانت تستمد هدوءها من النهر وتقلباتها…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
2 يوليو 2026
اقرأ المزيد
 عروس الحجر

 عروس الحجر

 عروس الحجر   كان نيسان يقترب بخطواته المفعمة برائحة الربيع، فيما كانت قرية آشورية صغيرة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مكلومٌ يا ولدي

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 4 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

مكلومٌ يا ولدي

مضتْ ثلاثُ ليالٍ ولم يذقْ طعمَ النوم فيها، منذ السبتُ المجنون، ذلك اليومُ الذي بدأ منذ صباحه الباكر تُنسجُ خيوطُ الكفنِ الأبيض، ليسرقَ الموتُ منه فلذةَ كبدهِ، موتٌ مجانيٌ بسلسلةٍ متواليةٍ قد لا تتوقف, رغم عدم تصديقه بلحظةِ الرحيل، لكن هي الناسَ تتحركُ من حوله، تواسيه، تحاولُ أن تُخرجَ بعضاً من تلك الأحزانِ التي أخذت تجثمُ على صدره، والاستغرابُ يجعله يقفُ بذاتِ الدهشةِ من المواساةِ المتكررةِ بين الحين والآخر، وأصواتٌ تتسابقُ في دواخله، تسأله بشكلٍ متتابع.
– هل رحلَ مصطفى؟
يحدقُ في سقفِ الغرفة, يصيبه الرعبُ, وناقوسٌ حزينٌ يدقُ في رأسه بضجيجٍ صاخب, يتحولُ على شكلِ ضرباتِ فأسِ متتالية.
– لا, لا يمكنه أن يرحلَ بهذه السرعة.
تحضرُ التفاصيلُ كلُّها، كيف لا يتناولَ طعامه قبل أن يمدَ والده يده، لا يرفعُ نظره بوجهه، لذا بدأ يشعرُ بالاختناق، صخرةٌ تقفُ على الصدر، فالأحزانُ والآهات تكتمُ الأنفاس، ليقفَ الزمنُ، والروحُ تدخلُ في سديمٍ بعيدِ المدى، والليلُ حالكٌ كالحقد، ومراسيمُ عزاءٍ يراها تمتدُ لمسافات، كراسي بالوانٍ حمرٍ كلونِ الدم، الماء، القهوة.
– ترى ما الذي حدث؟
تتوسعُ الفاجعةُ في دواخله، تتحرك، تلامسُ قلبه، تدمعُ عيونه، يزدادُ هلعه، يصرخُ باسمه.
– أين ذهب مصطفى؟
بين دروبِ الفقدِ تاه، رمى الفؤادُ أجزاءه بشكلِ شظايا متفحمة، والفكرُ أَخْذ يشتكي، يجوبُ الكونَ، يرتعش، تتعالى الرياح، الأصوات، نواحٌ يخلعُ نياطَ القلوب، عاصفةٌ من الصراخِ تهبُ تملأ مساحةَ باحة الحوش الواسعة, ليبدأ الغولُ يغرسُ أنيابه بين الثنايا، وأخذ الرعبُ يدورُ دورته، مع إيمانه بالقدر، بأنه سيقودُ الجميعَ إلى ذلك الأجلِ المحتوم، والأحجارُ تحزُ الوجدانَ، يسأله حفيده.
– أين أبي؟
تتناثرُ الأحلامُ كشظايا الزجاجِ المتكسرة، وتغيبُ النجومُ من الليل، والسماءُ أخذت تكتسي لونَ الرمادِ في وضحِ النهار والشمسُ في كبدها، والأقدارُ وضعته أمام اختبار الخيارِ الأوحد من دون إنذارٍ مسبقٍ، وطائرُ البومِ ينوح، يناغي طائرَ الموتِ، لذا أخذ يركضُ وراء سرابٍ مجهول، يبحثُ عن شيءٍ لا يعرفُ سره.
يواسيه زميلٌ له يجلسُ بالقربِ منه.
– الصبرُ, الصبرُ, إنما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى.
يحاولُ أن يجيب, إلا أن كلماته تبقى مسجاةً على مقصلةِ الانتظار, لذا أخذ يوشرُ إلى قلبه والدموعُ تنهمرُ من عينيه.
– جمرةٌ هنا تتحرك.
فأجهش ذلك الزميل على بكائه.
ما كان يَظُنُ أن ترميه سهامُ المنايا، ليتقاسمَ طعمُ الرحيل، لذا بدأت الحروفُ تهربُ منه خجلة، تسكنه الحيرة، وتتسللُ إلى لونِ تلك الدموعِ قبل أن يجيب، والنبضُ يُوخِزُ صدره من الألم، فتخرجُ مرارةَ الرحيلِ، بعدما يداهمه شبحُ الغياب، فتنمحي ما ظل من لونِ عينيه، ويهشمُ الموتُ بقايا العمر.
– أتكفي الدموع، وحروفُ الكلماتِ تمتصُ ذاكرةَ الحنين؟
كيف سَيُبْحِرُ بموجه الغادر؟ وإن عاشَ، فسيبقى بقلبٍ متفحمٍ، يتشظى بعطره، والرحيلُ الماكرُ ينامُ على الأرصفةِ الدامية، يصحو ولا فجرٌ يستقبله، سوى بقايا خريفٍ يهدده شتاتُ النهايات، وستدومُ مواسمُ النواحِ وتمطرُ النوائبُ، لتسقي وجدَها أزهاراً سوداً بلونِ كبده، ويشتعلُ في أوجِ الكلمات.
– مكلومٌ أنا يا ولدي.
فتُقتَلُ الروح، يتعاطى السبات، ويناجي الموتَ بِكُلِّ لحظةٍ، بعدما ملَّته السكرات.