ذاكرة المكان

صورة الكاتب
بقلم: علاء العلاف
التاريخ: 11 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2146
ذاكرة المكان

ذاكرة المكان

من الجميل أن الإنسان، حين يعيش في عالمٍ متصدّع وغير مكتمل، يسعى إلى خلق مناخٍ يمنحه شيئًا من المعنى وسط تناقضات الحياة وتشظّي تفاصيلها، وحتّى هذه اللحظة، ما زالت معظم الأنظمة العربية غارقة في الانقسام الطائفي، كأنّ المشكلة أعمق من أن تُختزل في الشعوب وحدها؛ وكأنّ التاريخ نفسه يُعاد تشكيله على أيدي المتطرفين، نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، حيث بلغت شعوب كثيرة مستويات متقدمة من التحضّر، فيما لا نزال عالقين في واقعٍ مثقل بالمفارقات وسوء الفهم والخيبات المتراكمة، وحين يعيش الإنسان في عالمٍ كهذا فإنه يحاول أن يصنع لنفسه مساحةً دافئة، مكانًا صغيرًا يعيد إليه بعض المعنى المفقود، وربما لهذا السبب لا تزال صورة المكتبة ترافقني حتى اليوم كانت المكتبة تذكّرني بالأيام التي كنّا نقضيها في المكتبة المركزية في العمارة، كانت تلك المرحلة خصبة، أشبه بثمرةٍ ناضجة؛ نقرأ كثيرًا ونتعامل مع الكتب كما لو أنها كائنات حيّة تنصت لنا وتشاركنا قلقنا وأسئلتنا، كنت أستعير الكتب أحيانًا من موظفة اسمها إيمان، الله يذكرها بالخير، كانت امرأةً طيبة، وكنت أشعر أن للمكتبة روحًا خاصة، وأن الكتب تمنحنا بقدر ما نمنحها من اهتمام وانفتاح، فالكتب ليست أوراقًا فحسب، بل عالمٌ كامل قائم بذاته، كنّا نعيش في بلدٍ ممتلئ بالحضارات والذاكرة، لكننا نعيش اليوم على الهامش، في فراغٍ مربك، تلك هي المعضلة الحقيقية، نحن محاطون بحضارة تقنية متسارعة لا يفهم إيقاعها وتفاصيلها إلا منغمسٌ في صلبها، بينما نحاول بصعوبة أن نلحق بتحوّلاتها المتلاحقة وما تحمله من مفاهيم جديدة، كنّا يومها طلابًا في السنوات الأخيرة من المرحلة الابتدائية، وكانت المدرسة تملك روحًا تدفعنا نحو كل ما هو جميل وإيجابي، كان لدينا درسٌ للمكتبة بحصتين أسبوعيًا ضمن البرنامج الدراسي، وكانت المدرسة تُعلّم وتُربّي في آنٍ، لا كما يحدث اليوم في كثير من الأحيان، ثم انتقلنا إلى المرحلة الثانوية فإذا بالتعليم يتحوّل تدريجيًا إلى تعليمٍ بلا روح، كان معلّمونا، رحم الله من رحل منهم، يعاملوننا كما لو كنّا أبناءهم، لم يكونوا يلقّنوننا الدروس فحسب، بل كانوا يزرعون فينا شيئًا من الأخلاق والمعرفة معًا، وكنت أدرس في مدرسة مختلطة، أغلب طلابها من أبناء المعلمين والموظفين، يومها كان المعلّم يحمل رسالة حقيقية؛ يمنحنا دروسًا في الحياة قبل أن يمنحنا دروس الكتب، ورغم كل شيء، ظلّ شغفنا بالمكتبة المركزية كبيرًا، رغم أن أعمارنا لم تكن تتجاوز السادسة عشرة أو الثامنة عشرة، لكن المشكلة كانت أن دائرة الأمن تقع بالقرب من المكتبة، وفي أحد الأيام أغلقوا أبواب المكتبة علينا، ومنعوا الجميع من الخروج، ثم اقتادونا إلى دائرة الأمن للتحقيق ، حاولنا الدفاع عن أنفسنا، لكنهم استخدموا أساليب قاسية وغير إنسانية، لأنهم كانوا يظنون أننا نحمل أفكارًا تقدمية أو ماركسية، ولم يُفرج عنا إلا بكفالة، أتذكّر أن عمي، وكان يعمل في قسم الهندسة ويحظى باحترام الناس لأنه كان مسؤولًا عن تقسيم أراضي الدولة، جاء وأخرجني بكفالته، على أن أتعهد بعدم العودة إلى المكتبة مرة أخرى، ومنذ تلك اللحظة بدأت أشعر بأن الحرية التي كنت أتصورها تتقلّص شيئًا فشيئًا، كنّا آنذاك منخرطين في النشاط المسرحي والموسيقي، وكانت تجمعني الأيام بظافر الصفّار، رحمه الله، ووليد خالد، وسلام عبد الحسين أبو خميس، وكريم حدّاد الذي كان يعزف الإيقاع، ومعنا أيضًا ريسان السومري. كنّا نشارك في النشاطات الفنية وفعاليات مركز الشباب، نقيم المهرجانات ونحضر الأمسيات الثقافية، وكانت لنا علاقة وثيقة بالمشهد الفني في المدينة، كانت الحياة جميلة، رغم القيود التي كانت تطوّقها من كل جانب، وكانت العمارة يومها مدينةً يعرف أهلها بعضهم بعضًا؛ مدينة بيوتات وعوائل متقاربة، والناس فيها أكثر قربًا وألفة،ثم جاءت الأيام وبدّدت الجميع، وبقي شكل المكان وحده عالقًا في الذاكرة، يقول ميلان كونديرا: «إذا كان التاريخ في السابق يتقدّم على نحوٍ أبطأ بكثير من حياة البشر، فإنه اليوم صار يمضي أسرع منهم؛ يركض ويفلت من الإنسان، إلى درجةٍ يخشى معها أن تتحطّم استمرارية الحياة والهوية والذاكرة». ولعلّ الذاكرة وحدها هي ما بقي متماسكًا وسط كل هذا التغيّر. فما زالت وجوه الأصدقاء، وأصوات الفنانين الذين عرفناهم، حاضرةً في داخلي، وبعضهم كان يومها طالبًا في الأكاديمية، هناك أسماء كثيرة لم تعد الذاكرة قادرة على استعادتها الآن، لكن أثرها لا يزال حيًا، تغيّرت الأيام، وتفرّق الناس، غير أن رائحة المكتبة وأصوات الأصدقاء وتلك السنوات البعيدة، لا تزال تسكنني كأنها حدثت بالأمس.

عن الکاتب / الکاتبة

علاء العلاف
علاء العلاف
باحث وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

رحلة البحث عن الذات

رحلة البحث عن الذات

رحلة البحث عن الذات كانت أسرار كثيرة تتساقط فوق رؤوسنا، تلفّنا كغيمٍ من النسيان حاولتُ،…

صورة الكاتب علاء العلاف
16 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ذاكرة المكان

بقلم: علاء العلاف | التاريخ: 11 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

ذاكرة المكان

من الجميل أن الإنسان، حين يعيش في عالمٍ متصدّع وغير مكتمل، يسعى إلى خلق مناخٍ يمنحه شيئًا من المعنى وسط تناقضات الحياة وتشظّي تفاصيلها، وحتّى هذه اللحظة، ما زالت معظم الأنظمة العربية غارقة في الانقسام الطائفي، كأنّ المشكلة أعمق من أن تُختزل في الشعوب وحدها؛ وكأنّ التاريخ نفسه يُعاد تشكيله على أيدي المتطرفين، نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، حيث بلغت شعوب كثيرة مستويات متقدمة من التحضّر، فيما لا نزال عالقين في واقعٍ مثقل بالمفارقات وسوء الفهم والخيبات المتراكمة، وحين يعيش الإنسان في عالمٍ كهذا فإنه يحاول أن يصنع لنفسه مساحةً دافئة، مكانًا صغيرًا يعيد إليه بعض المعنى المفقود، وربما لهذا السبب لا تزال صورة المكتبة ترافقني حتى اليوم كانت المكتبة تذكّرني بالأيام التي كنّا نقضيها في المكتبة المركزية في العمارة، كانت تلك المرحلة خصبة، أشبه بثمرةٍ ناضجة؛ نقرأ كثيرًا ونتعامل مع الكتب كما لو أنها كائنات حيّة تنصت لنا وتشاركنا قلقنا وأسئلتنا، كنت أستعير الكتب أحيانًا من موظفة اسمها إيمان، الله يذكرها بالخير، كانت امرأةً طيبة، وكنت أشعر أن للمكتبة روحًا خاصة، وأن الكتب تمنحنا بقدر ما نمنحها من اهتمام وانفتاح، فالكتب ليست أوراقًا فحسب، بل عالمٌ كامل قائم بذاته، كنّا نعيش في بلدٍ ممتلئ بالحضارات والذاكرة، لكننا نعيش اليوم على الهامش، في فراغٍ مربك، تلك هي المعضلة الحقيقية، نحن محاطون بحضارة تقنية متسارعة لا يفهم إيقاعها وتفاصيلها إلا منغمسٌ في صلبها، بينما نحاول بصعوبة أن نلحق بتحوّلاتها المتلاحقة وما تحمله من مفاهيم جديدة، كنّا يومها طلابًا في السنوات الأخيرة من المرحلة الابتدائية، وكانت المدرسة تملك روحًا تدفعنا نحو كل ما هو جميل وإيجابي، كان لدينا درسٌ للمكتبة بحصتين أسبوعيًا ضمن البرنامج الدراسي، وكانت المدرسة تُعلّم وتُربّي في آنٍ، لا كما يحدث اليوم في كثير من الأحيان، ثم انتقلنا إلى المرحلة الثانوية فإذا بالتعليم يتحوّل تدريجيًا إلى تعليمٍ بلا روح، كان معلّمونا، رحم الله من رحل منهم، يعاملوننا كما لو كنّا أبناءهم، لم يكونوا يلقّنوننا الدروس فحسب، بل كانوا يزرعون فينا شيئًا من الأخلاق والمعرفة معًا، وكنت أدرس في مدرسة مختلطة، أغلب طلابها من أبناء المعلمين والموظفين، يومها كان المعلّم يحمل رسالة حقيقية؛ يمنحنا دروسًا في الحياة قبل أن يمنحنا دروس الكتب، ورغم كل شيء، ظلّ شغفنا بالمكتبة المركزية كبيرًا، رغم أن أعمارنا لم تكن تتجاوز السادسة عشرة أو الثامنة عشرة، لكن المشكلة كانت أن دائرة الأمن تقع بالقرب من المكتبة، وفي أحد الأيام أغلقوا أبواب المكتبة علينا، ومنعوا الجميع من الخروج، ثم اقتادونا إلى دائرة الأمن للتحقيق ، حاولنا الدفاع عن أنفسنا، لكنهم استخدموا أساليب قاسية وغير إنسانية، لأنهم كانوا يظنون أننا نحمل أفكارًا تقدمية أو ماركسية، ولم يُفرج عنا إلا بكفالة، أتذكّر أن عمي، وكان يعمل في قسم الهندسة ويحظى باحترام الناس لأنه كان مسؤولًا عن تقسيم أراضي الدولة، جاء وأخرجني بكفالته، على أن أتعهد بعدم العودة إلى المكتبة مرة أخرى، ومنذ تلك اللحظة بدأت أشعر بأن الحرية التي كنت أتصورها تتقلّص شيئًا فشيئًا، كنّا آنذاك منخرطين في النشاط المسرحي والموسيقي، وكانت تجمعني الأيام بظافر الصفّار، رحمه الله، ووليد خالد، وسلام عبد الحسين أبو خميس، وكريم حدّاد الذي كان يعزف الإيقاع، ومعنا أيضًا ريسان السومري. كنّا نشارك في النشاطات الفنية وفعاليات مركز الشباب، نقيم المهرجانات ونحضر الأمسيات الثقافية، وكانت لنا علاقة وثيقة بالمشهد الفني في المدينة، كانت الحياة جميلة، رغم القيود التي كانت تطوّقها من كل جانب، وكانت العمارة يومها مدينةً يعرف أهلها بعضهم بعضًا؛ مدينة بيوتات وعوائل متقاربة، والناس فيها أكثر قربًا وألفة،ثم جاءت الأيام وبدّدت الجميع، وبقي شكل المكان وحده عالقًا في الذاكرة، يقول ميلان كونديرا: «إذا كان التاريخ في السابق يتقدّم على نحوٍ أبطأ بكثير من حياة البشر، فإنه اليوم صار يمضي أسرع منهم؛ يركض ويفلت من الإنسان، إلى درجةٍ يخشى معها أن تتحطّم استمرارية الحياة والهوية والذاكرة». ولعلّ الذاكرة وحدها هي ما بقي متماسكًا وسط كل هذا التغيّر. فما زالت وجوه الأصدقاء، وأصوات الفنانين الذين عرفناهم، حاضرةً في داخلي، وبعضهم كان يومها طالبًا في الأكاديمية، هناك أسماء كثيرة لم تعد الذاكرة قادرة على استعادتها الآن، لكن أثرها لا يزال حيًا، تغيّرت الأيام، وتفرّق الناس، غير أن رائحة المكتبة وأصوات الأصدقاء وتلك السنوات البعيدة، لا تزال تسكنني كأنها حدثت بالأمس.