تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 14 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2329
تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

 

مقدمة

تعد الرواية الحديثة فضاءً مفتوحا للتجريب وكسر الأنماط التقليدية في السرد إذ يسعى الروائي إلى توظيف تقنيات جديدة تعكس قلق الإنسان المعاصر وتناقضاته الوجودية. ومن بين الاتجاهات التي أثرت بعمق في الرواية المعاصرة ما يعرف بـ”أدب العبث” أو “اللامعقول”، الذي نشأ بعد الحروب الكبرى ليعبر عن انهيار المعنى واضطراب العلاقة بين الإنسان والعالم. وفي رواية مذكرات خاتون كرخية يوظف الروائي خضير فليح الزيدي هذا المنحى العبثي ليصنع نصا متشابكا يقوم على تعدد الأصوات، وكسر المنطق الواقعي، والانتقال بين السخرية السوداء والتأمل الفلسفي، حتى تبدو الرواية وكأنها مرآة لخراب داخلي واجتماعي معا.

*أدب العبث وتجلياته في الرواية

يستحضر الروائي في هذه الرواية أجواء أدب العبث الذي ارتبط بأسماء عالمية مثل ألبير كامو وصمويل بيكيت وفرانز كافكا، حيث يقوم هذا الأدب على الإحساس بانعدام الجدوى وفقدان اليقين. فالزيدي لا يقدم أحداثا تسير وفق منطق تقليدي، بل يبني عالما تتداخل فيه الحقيقة بالهذيان والذاكرة بالخيال والسخرية بالمأساة.

وتظهر العبثية منذ اللحظة الأولى التي يسند فيها السرد إلى شخصية “جميل القربان”، ذلك الرجل الذي يتحول إلى راو عليم يمتلك أسرار الأب الكاتب المتوفى بينما يبقى الابن “زيد” مجرد متلق يبحث عن الحقيقة. هنا تتحول الرواية إلى لعبة سردية تقوم على الإخفاء والتأجيل، وهي من أبرز تقنيات الرواية الحديثة.

*تعدد الأصوات وبناء الحكاية

اعتمد الزيدي على تقنية تعدد الأصوات السردية إذ لم يجعل الحقيقة حكراً على راو واحد، بل وزعها بين شخصيات متداخلة، لكل منها رؤيتها الخاصة. فـ”جميل القربان” لا يروي الأحداث فقط بل يمارس سلطة فكرية على زيد ويقدم تفسيراته للحياة والكتابة والفشل.

ومن خلال حديثه عن الأب الكاتب يكشف الروائي أزمة المبدع الذي حقق نجاحا وحيدا ثم عجز عن تجاوزه. فالقصة الشهيرة “منشور سري” تحولت إلى عبء نفسي وفني حتى أصيب الكاتب بالعجز الإبداعي. وهذه الإشارة تحمل بعدا نقديا واضحا يتعلق بالخوف من النجاح الأول وهيمنة التجربة الواحدة على المبدع.

كما أن الحوار الذي يدور بين القربان وزيد يكشف رؤية الرواية لمفهوم الكتابة حين يؤكد القربان أن “صدق المشاعر” وحده لا يكفي لصناعة أدب ناجح، بل لا بد من التوازن بين الإحساس وفنية الحدث. وهنا يطرح الزيدي سؤالًا نقديا مهما حول العلاقة بين الحياة والكتابة، وهل يستطيع الكاتب أن ينقل الواقع كما هو أم أنه يحتاج إلى إعادة تشكيله فنيا؟

*الكوميديا السوداء واللامعقول

تتجلى الكوميديا السوداء في الرواية عبر المفارقات الساخرة التي تمزج الحكمة بالهذيان. فالمقهى الذي يفترض أن يكون مكانا للراحة يتحول إلى فضاء فلسفي مكتظ بالشخصيات الغريبة والمهمشة حتى يبدو وكأنه صورة مصغرة للعالم العبثي.

كما أن الشعارات المكتوبة على الجدران تأتي معاكسة للمنطق الأخلاقي المعتاد، مثل: “كن حذرا في التكيف مع الحياة”، أو: “إذا أمرك المعلم أن تقرأ فلا تقرأ”. وارمي الدواء في حاوية المفاجئات!

وهذه العبارات لا تقرأ بوصفها نصائح مباشرة، بل بوصفها احتجاجا ساخرا على عالم فقد توازنه حتى أصبحت القيم نفسها موضع شك وسخرية. ومن هنا تتجلى روح اللامعقول التي تكسر المألوف وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات.

*شخصية سعاد خاتون والغموض السردي

تمثل “سعاد خاتون” المحور الغائب الحاضر في الرواية فهي شخصية لا تظهر بشكل مباشر بقدر ما تستدعى عبر الحكايات والذكريات والإشارات. وهذا الأسلوب يمنحها بعدا أسطوريا ويزيد من تشويق النص.

فالروائي لا يريد للقارئ أن يعرف حقيقة سعاد خاتون بسهولة بل يجعل الوصول إليها رحلة سردية معقدة، وكأن الحقيقة نفسها عصية على الاكتمال. ولهذا يؤكد القربان أن مأساة الخاتون لا يمكن روايتها بطريقة تقليدية، بل تحتاج إلى “طريقة مخترعة” تنقل الإحساس الداخلي للحدث.

وهنا يستخدم الزيدي تقنية “التأجيل السردي” إذ يؤخر كشف الحقيقة عمدا ليبقي القارئ في حالة ترقب مستمر وهي من التقنيات التي تمنح الرواية طابعا نفسيا وفلسفيا عميقا.

*الرواية داخل الرواية

من أبرز التقنيات التي اعتمدها الزيدي تقنية “الرواية داخل الرواية”، حيث تتحول الحكاية إلى مشروع كتابة جديد يسعى الابن إلى إكماله بعد موت الأب. فالرواية لا تكتفي بسرد الأحداث بل تناقش فعل الكتابة نفسه، وكيف تتحول المذكرات والاعترافات إلى مادة سردية.

كما أن الشرط المادي الذي يضعه القربان ــ تسديد ديونه مقابل كشف الحقيقة ــ يضفي بعدا ساخرا على السرد إذ تتحول المعرفة إلى صفقة، والحقيقة إلى ثمن يجب دفعه. وهذه المفارقة تعمّق الجو العبثي الذي يهيمن على الرواية.

*خاتمة

نجح خضير فليح الزيدي في رواية مذكرات خاتون كرخية في بناء نص سردي يقوم على التداخل بين العبث والفلسفة والسخرية السوداء، موظفا تقنيات متعددة مثل تعدد الأصوات والرواية داخل الرواية والغموض السردي، والتأجيل الفني. ولم تكن الرواية حكاية عن شخصية مغتصبة أو كاتب فاشل، بل تحولت إلى تأمل عميق في معنى الكتابة والحياة والذاكرة.

إن الرواية تقدم عالما مضطربا تتكسر فيه الحدود بين الحقيقة والوهم، ويصبح الإنسان فيه باحثا عن معنى وسط الخراب واللايقين، وهو ما يمنح النص بعده الجمالي والفكري ويجعله قريبا من روح أدب العبث العالمي، مع احتفاظه بخصوصيته العراقية والكرخية المميزة.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

  الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي” ما…

صورة الكاتب حمدي العطار
12 مايو 2026
اقرأ المزيد
عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة

عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة

عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة مقدمة…

صورة الكاتب حمدي العطار
9 مايو 2026
اقرأ المزيد
معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات

معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات

معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات مقدمة يشهد حقل أدب…

صورة الكاتب حمدي العطار
5 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 14 مايو 2026

التصنيف: الأدب

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

 

مقدمة

تعد الرواية الحديثة فضاءً مفتوحا للتجريب وكسر الأنماط التقليدية في السرد إذ يسعى الروائي إلى توظيف تقنيات جديدة تعكس قلق الإنسان المعاصر وتناقضاته الوجودية. ومن بين الاتجاهات التي أثرت بعمق في الرواية المعاصرة ما يعرف بـ”أدب العبث” أو “اللامعقول”، الذي نشأ بعد الحروب الكبرى ليعبر عن انهيار المعنى واضطراب العلاقة بين الإنسان والعالم. وفي رواية مذكرات خاتون كرخية يوظف الروائي خضير فليح الزيدي هذا المنحى العبثي ليصنع نصا متشابكا يقوم على تعدد الأصوات، وكسر المنطق الواقعي، والانتقال بين السخرية السوداء والتأمل الفلسفي، حتى تبدو الرواية وكأنها مرآة لخراب داخلي واجتماعي معا.

*أدب العبث وتجلياته في الرواية

يستحضر الروائي في هذه الرواية أجواء أدب العبث الذي ارتبط بأسماء عالمية مثل ألبير كامو وصمويل بيكيت وفرانز كافكا، حيث يقوم هذا الأدب على الإحساس بانعدام الجدوى وفقدان اليقين. فالزيدي لا يقدم أحداثا تسير وفق منطق تقليدي، بل يبني عالما تتداخل فيه الحقيقة بالهذيان والذاكرة بالخيال والسخرية بالمأساة.

وتظهر العبثية منذ اللحظة الأولى التي يسند فيها السرد إلى شخصية “جميل القربان”، ذلك الرجل الذي يتحول إلى راو عليم يمتلك أسرار الأب الكاتب المتوفى بينما يبقى الابن “زيد” مجرد متلق يبحث عن الحقيقة. هنا تتحول الرواية إلى لعبة سردية تقوم على الإخفاء والتأجيل، وهي من أبرز تقنيات الرواية الحديثة.

*تعدد الأصوات وبناء الحكاية

اعتمد الزيدي على تقنية تعدد الأصوات السردية إذ لم يجعل الحقيقة حكراً على راو واحد، بل وزعها بين شخصيات متداخلة، لكل منها رؤيتها الخاصة. فـ”جميل القربان” لا يروي الأحداث فقط بل يمارس سلطة فكرية على زيد ويقدم تفسيراته للحياة والكتابة والفشل.

ومن خلال حديثه عن الأب الكاتب يكشف الروائي أزمة المبدع الذي حقق نجاحا وحيدا ثم عجز عن تجاوزه. فالقصة الشهيرة “منشور سري” تحولت إلى عبء نفسي وفني حتى أصيب الكاتب بالعجز الإبداعي. وهذه الإشارة تحمل بعدا نقديا واضحا يتعلق بالخوف من النجاح الأول وهيمنة التجربة الواحدة على المبدع.

كما أن الحوار الذي يدور بين القربان وزيد يكشف رؤية الرواية لمفهوم الكتابة حين يؤكد القربان أن “صدق المشاعر” وحده لا يكفي لصناعة أدب ناجح، بل لا بد من التوازن بين الإحساس وفنية الحدث. وهنا يطرح الزيدي سؤالًا نقديا مهما حول العلاقة بين الحياة والكتابة، وهل يستطيع الكاتب أن ينقل الواقع كما هو أم أنه يحتاج إلى إعادة تشكيله فنيا؟

*الكوميديا السوداء واللامعقول

تتجلى الكوميديا السوداء في الرواية عبر المفارقات الساخرة التي تمزج الحكمة بالهذيان. فالمقهى الذي يفترض أن يكون مكانا للراحة يتحول إلى فضاء فلسفي مكتظ بالشخصيات الغريبة والمهمشة حتى يبدو وكأنه صورة مصغرة للعالم العبثي.

كما أن الشعارات المكتوبة على الجدران تأتي معاكسة للمنطق الأخلاقي المعتاد، مثل: “كن حذرا في التكيف مع الحياة”، أو: “إذا أمرك المعلم أن تقرأ فلا تقرأ”. وارمي الدواء في حاوية المفاجئات!

وهذه العبارات لا تقرأ بوصفها نصائح مباشرة، بل بوصفها احتجاجا ساخرا على عالم فقد توازنه حتى أصبحت القيم نفسها موضع شك وسخرية. ومن هنا تتجلى روح اللامعقول التي تكسر المألوف وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات.

*شخصية سعاد خاتون والغموض السردي

تمثل “سعاد خاتون” المحور الغائب الحاضر في الرواية فهي شخصية لا تظهر بشكل مباشر بقدر ما تستدعى عبر الحكايات والذكريات والإشارات. وهذا الأسلوب يمنحها بعدا أسطوريا ويزيد من تشويق النص.

فالروائي لا يريد للقارئ أن يعرف حقيقة سعاد خاتون بسهولة بل يجعل الوصول إليها رحلة سردية معقدة، وكأن الحقيقة نفسها عصية على الاكتمال. ولهذا يؤكد القربان أن مأساة الخاتون لا يمكن روايتها بطريقة تقليدية، بل تحتاج إلى “طريقة مخترعة” تنقل الإحساس الداخلي للحدث.

وهنا يستخدم الزيدي تقنية “التأجيل السردي” إذ يؤخر كشف الحقيقة عمدا ليبقي القارئ في حالة ترقب مستمر وهي من التقنيات التي تمنح الرواية طابعا نفسيا وفلسفيا عميقا.

*الرواية داخل الرواية

من أبرز التقنيات التي اعتمدها الزيدي تقنية “الرواية داخل الرواية”، حيث تتحول الحكاية إلى مشروع كتابة جديد يسعى الابن إلى إكماله بعد موت الأب. فالرواية لا تكتفي بسرد الأحداث بل تناقش فعل الكتابة نفسه، وكيف تتحول المذكرات والاعترافات إلى مادة سردية.

كما أن الشرط المادي الذي يضعه القربان ــ تسديد ديونه مقابل كشف الحقيقة ــ يضفي بعدا ساخرا على السرد إذ تتحول المعرفة إلى صفقة، والحقيقة إلى ثمن يجب دفعه. وهذه المفارقة تعمّق الجو العبثي الذي يهيمن على الرواية.

*خاتمة

نجح خضير فليح الزيدي في رواية مذكرات خاتون كرخية في بناء نص سردي يقوم على التداخل بين العبث والفلسفة والسخرية السوداء، موظفا تقنيات متعددة مثل تعدد الأصوات والرواية داخل الرواية والغموض السردي، والتأجيل الفني. ولم تكن الرواية حكاية عن شخصية مغتصبة أو كاتب فاشل، بل تحولت إلى تأمل عميق في معنى الكتابة والحياة والذاكرة.

إن الرواية تقدم عالما مضطربا تتكسر فيه الحدود بين الحقيقة والوهم، ويصبح الإنسان فيه باحثا عن معنى وسط الخراب واللايقين، وهو ما يمنح النص بعده الجمالي والفكري ويجعله قريبا من روح أدب العبث العالمي، مع احتفاظه بخصوصيته العراقية والكرخية المميزة.