كَفَن أسود

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 19 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2426
كَفَن أسود

إلى الذين لا يخدعهم بريق المظاهر، ويعرفون أن نقاء الروح لا يحتاج لشهادة من أحد.
ما فائدة بياض الكفن إذا كان القلب أسودا؟ وما الذي يضير البياض في قلوبنا إذا تغلفنا بسواد الوقار؟
هذه الحكاية إلى من اختار أن يرحل بصدقه، حاملا قلبا أبيضا لم تلوثه الأيام، ومرتديا كفنه الأسود ليكون سترا لهيبة الرحيل.
إلى من آثروا أن يغادروا هذا الضجيج بهدوء تام..
بعيدا عن زيف الوجوه، واكتفاء بنظرة رضا واحدة نحو السماء.
…………….. كفن أسود……….
ها أنا ذا، أستلقي على هذا الفراش الذي أصبح فجأة أوسع من الدنيا. أسمع حفيف ملابسهم حول سريري، وأشم رائحة القلق في أنفاسهم. يقول الأطباء إنها. النهاية. أما أنا فأقول إنها. الحقيقة. التي كنت أواجهها طوال عمري بالعمل والكدح وزحام الحياة.
أراقب يدي الملقاة بجانبي كغصن يابس. هذه اليد التي طالما حملت السلاح دفاعا، وأمسكت القلم لتكتب للأحباء، وحملت الصغار لترفعهم نحو السماء. الآن، لا تقوى حتى على إزاحة ذبابة عن وجهي.
يا ولدي.. ناديته بقلبي قبل لساني. اقترب ابني مني، رأيته يميل برأسه ليسمع حشرجة صوتي الضعيفة. كان الجميع في الخارج يتساءلون عن طلبي الغريب، عن ذاك.. الكفن الأسود.. الذي صممت عليه في وصيتي.
نظر إلي بعينين غارقتين في الدموع، وكأنه يسألني بصمت:. لماذا يا أبي؟.
أردت أن أقول له إن الأبيض لا يستر كل ما مررت به. الأبيض لون البدايات، لون الذين لم يلمسوا تراب الدنيا بعد. أما أنا، فقد عشت عمري في الظل، في الخنادق، وفي سهر الليالي الطوال أداري أوجاعي وأحمي ظهري وظهوركم. اللون الأسود ليس حزنا يا بني، إنه الوقار. إنه الستر الذي يغطي تعب السنين وشقاء الأيام التي لم يشعر بمرارتها أحد غيري.
أغمضت عيني قليلا، فمر أمامي شريط طويل. رأيت وجوه إخوتي، وتذكرت ميراثنا وتلك الأرض التي تقاسمناها بالعدل والمحبة، رأيت ملامح أخي الراحل.. يلوح لي من بعيد خلف ضباب كثيف، كأنه يدعوني لمجلسه الذي اشتقته.
أسمعهم الآن في الردهة، يتحدثون عن. كلام الناس. وعن العرف. لا يدركون أن الإنسان في لحظته الأخيرة لا يرى الناس، بل يرى روحه فقط. لقد عشت حياتي كما وجب علي، ودافعت كما تقتضي الأمانة، لكنني اليوم أريد أن أرحل بصدق يشبهني.
بدأ الهواء يضيق في صدري، وصار الضجيج حول سريري يبتعد شيئا فشيئا. لم أعد أسمع بكاء النساء ولا همس الرجال. كل ما أراه هو سواد مهيب وجميل، يشبه تلك العباءة التي كانت تقيني برد الشتاء القارص في لياليه الطويلة.
شعرت ببرودة تبدأ من أصابع قدمي وتصعد نحو قلبي. لم يكن الأمر مخيفا، كان أشبه بالعودة إلى المنزل بعد رحلة عمل شاقة دامت عقودا.
بذلت جهدي الأخير لأرسم ابتسامة خفيفة، أردت أن أطمئن ابني أنني لست حزينا، وأن الكفن الأسود الذي طلبته ليس إلا رمزا لانتهاء نوبتي في حراسة هذا العالم الصاخب.
والآن.. انطفأ النور تماما، وبدأ السكون الأبدي.

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

مقبرة بلا شواهد

مقبرة بلا شواهد

مقبرة بلا شواهد لم تكن مجرد ليلة ظلماء، بل كانت انكساراً أبدياً لروح مدينتي. إذ…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
12 مايو 2026
اقرأ المزيد
“زوجة شهيد”

“زوجة شهيد”

“زوجة شهيد” منذ أن وضعتُ قدمي في أول دائرة حكومية، بدأتُ أفهم أن الحكاية لم…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
5 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


كَفَن أسود

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 19 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

إلى الذين لا يخدعهم بريق المظاهر، ويعرفون أن نقاء الروح لا يحتاج لشهادة من أحد.
ما فائدة بياض الكفن إذا كان القلب أسودا؟ وما الذي يضير البياض في قلوبنا إذا تغلفنا بسواد الوقار؟
هذه الحكاية إلى من اختار أن يرحل بصدقه، حاملا قلبا أبيضا لم تلوثه الأيام، ومرتديا كفنه الأسود ليكون سترا لهيبة الرحيل.
إلى من آثروا أن يغادروا هذا الضجيج بهدوء تام..
بعيدا عن زيف الوجوه، واكتفاء بنظرة رضا واحدة نحو السماء.
…………….. كفن أسود……….
ها أنا ذا، أستلقي على هذا الفراش الذي أصبح فجأة أوسع من الدنيا. أسمع حفيف ملابسهم حول سريري، وأشم رائحة القلق في أنفاسهم. يقول الأطباء إنها. النهاية. أما أنا فأقول إنها. الحقيقة. التي كنت أواجهها طوال عمري بالعمل والكدح وزحام الحياة.
أراقب يدي الملقاة بجانبي كغصن يابس. هذه اليد التي طالما حملت السلاح دفاعا، وأمسكت القلم لتكتب للأحباء، وحملت الصغار لترفعهم نحو السماء. الآن، لا تقوى حتى على إزاحة ذبابة عن وجهي.
يا ولدي.. ناديته بقلبي قبل لساني. اقترب ابني مني، رأيته يميل برأسه ليسمع حشرجة صوتي الضعيفة. كان الجميع في الخارج يتساءلون عن طلبي الغريب، عن ذاك.. الكفن الأسود.. الذي صممت عليه في وصيتي.
نظر إلي بعينين غارقتين في الدموع، وكأنه يسألني بصمت:. لماذا يا أبي؟.
أردت أن أقول له إن الأبيض لا يستر كل ما مررت به. الأبيض لون البدايات، لون الذين لم يلمسوا تراب الدنيا بعد. أما أنا، فقد عشت عمري في الظل، في الخنادق، وفي سهر الليالي الطوال أداري أوجاعي وأحمي ظهري وظهوركم. اللون الأسود ليس حزنا يا بني، إنه الوقار. إنه الستر الذي يغطي تعب السنين وشقاء الأيام التي لم يشعر بمرارتها أحد غيري.
أغمضت عيني قليلا، فمر أمامي شريط طويل. رأيت وجوه إخوتي، وتذكرت ميراثنا وتلك الأرض التي تقاسمناها بالعدل والمحبة، رأيت ملامح أخي الراحل.. يلوح لي من بعيد خلف ضباب كثيف، كأنه يدعوني لمجلسه الذي اشتقته.
أسمعهم الآن في الردهة، يتحدثون عن. كلام الناس. وعن العرف. لا يدركون أن الإنسان في لحظته الأخيرة لا يرى الناس، بل يرى روحه فقط. لقد عشت حياتي كما وجب علي، ودافعت كما تقتضي الأمانة، لكنني اليوم أريد أن أرحل بصدق يشبهني.
بدأ الهواء يضيق في صدري، وصار الضجيج حول سريري يبتعد شيئا فشيئا. لم أعد أسمع بكاء النساء ولا همس الرجال. كل ما أراه هو سواد مهيب وجميل، يشبه تلك العباءة التي كانت تقيني برد الشتاء القارص في لياليه الطويلة.
شعرت ببرودة تبدأ من أصابع قدمي وتصعد نحو قلبي. لم يكن الأمر مخيفا، كان أشبه بالعودة إلى المنزل بعد رحلة عمل شاقة دامت عقودا.
بذلت جهدي الأخير لأرسم ابتسامة خفيفة، أردت أن أطمئن ابني أنني لست حزينا، وأن الكفن الأسود الذي طلبته ليس إلا رمزا لانتهاء نوبتي في حراسة هذا العالم الصاخب.
والآن.. انطفأ النور تماما، وبدأ السكون الأبدي.