صبحة
ينقشع ضباب الفجر في اول اطلالة ضوء على وجه “صبحة”، وجهٌ حفر فيه ازميل العمر خطوطاً تحكي ايام التعب التي مضت ، لم يتشكل وعيها بقراءة الكتب، بل بالجهد اليومي المتواصل . تقف بقامتها المنحنية وسط الباحة الترابية، يطرق سمعها صياح الديكة وثغاء الماشية؛ جوقة يومية يتعالى نشيدها ، لتبدأ معها “الحركة”، ثقافتها تنحصر في أن تدور الساقية، وأن يشبع الجميع، وأن تظل في حركة متواصلة حتى يدخل الليل في تمام عتمته.
تلتفت صبحة يمنة، فترى “الثور”.. كتلة من العضلات الهائجة، يرسل زفيراً ساخناً من منخريه ، يضرب الأرض بحوافره في عناد وهويحاول الافلات من حبال الترويض، ،
وتلتفت يسرة، فترى ” زوجها”… يقف مترددا بين شعوره بالتعب ودافعه الغريزي للوثوب على فريسته .
في هذا الحقل، تدورعجلة الحياة صامتة ومريرة:
ثور يرفض الخضوع للنير، يرى في الحبل قيداً وفي الحقل سجناً، رجل يرى في فحولته إثباتاً لوجوده ، يتعامل مع الأرض والحيوان و”صبحة” تخضع لذات المنطق ”القوة والإخضاع ”، امرأة لا تملك ترف التفكير في “حقوقها”.
كان نهاراً قائظاً، يغلي من سخونته التراب ويضيق به صَدْرالأرض . الغبار العالق في فضاء الباحة كان يتلوى كأفعى ، والجو مشحون برائحة الموت.
في وسط الساحة، كان الصراع قد وصل ذروته. “جابر المرهون” بجسده الخشن وعناده الذي يتردد صداه كصخرة صمّاء، كان يشد الحبل بكل ما أوتي من غلظة، مستهيناً بهيجان الثور، معتقداً أن كسر إرادة هذا الكائن الشرس هو امتداد لسطوته اليومية. لكن الثور في ذلك النهار لم يكن حيواناً يُقاد؛ بل كتلة من الغضب.
احمرّت عيناه ، وخرج من منخريه زفير حارق أشبه بالجحيم ، فجأه بحركة خاطفة لم يحسب لها جابر حساباً، دارت الأرض. انقطع الحبل ، وبحركة مباغتة ، اندفع الثور برأسه كقذيفة ، ليغرس قرنه الحاد في أحشاء جابر.
سَمعت صبحة صرخة زوجها ، اتجهت نحوه تخطف اقدامها الأرض وهي تطلق صيحتها طالبة النجدة ، سقط جابر، الجبل الذي لم يكن ينحني، سقط كجذع نخلة خاوية، رسمت على التراب بركة من الدماء وسكوناً مرعباً.
القت صبحة بنفسها على جثّته. تجمّد الزمن في عينيها. تلاشت الأصوات كلها، ولم يبقَ في مسمعها سوى صوت اهل القرية اللذين وقفوا فوقه تغرورق اعينهم بالدموع.
نظرت إلى الرجل الذي كان يختصر عالمها بأوامره الصارمة، وقد صار جثة هامدة، تندلق أحشاءه الى الأرض وهو مسلوب القوى. ثمّ نظرت إلى الثور الذي وقف بعيداً يلهث، ملطخاً بدم صاحبه، وكأنه انتقمَ من سجّانه.
انتهت المعركة، لكن مأساة صبحة بدأت للتو:
بلحظة واحدة، تحولت من امرأة تنفذ الواجبات إلى “أرملة” تحمل فوق كاهلها إرثاً من الفقر، وحقلاً يطالبها بالعمل، وحيوانات تنتظر العلف، وبيتاً خالياً من الأنفاس سوى نَفَسِها اللاهث من الصدمة ، لأول مرة تمتد يداها المرتجفتان نحو وجه جابر الشاحب، لتمسح دمعة سقطت من عينيه المنطفئتين ، وبات عليها الآن أن تضع دفّة المحراث على عنق الثور لوحدها.
صبحة
صبحة
ينقشع ضباب الفجر في اول اطلالة ضوء على وجه “صبحة”، وجهٌ حفر فيه ازميل العمر خطوطاً تحكي ايام التعب التي مضت ، لم يتشكل وعيها بقراءة الكتب، بل بالجهد اليومي المتواصل . تقف بقامتها المنحنية وسط الباحة الترابية، يطرق سمعها صياح الديكة وثغاء الماشية؛ جوقة يومية يتعالى نشيدها ، لتبدأ معها “الحركة”، ثقافتها تنحصر في أن تدور الساقية، وأن يشبع الجميع، وأن تظل في حركة متواصلة حتى يدخل الليل في تمام عتمته.
تلتفت صبحة يمنة، فترى “الثور”.. كتلة من العضلات الهائجة، يرسل زفيراً ساخناً من منخريه ، يضرب الأرض بحوافره في عناد وهويحاول الافلات من حبال الترويض، ،
وتلتفت يسرة، فترى ” زوجها”… يقف مترددا بين شعوره بالتعب ودافعه الغريزي للوثوب على فريسته .
في هذا الحقل، تدورعجلة الحياة صامتة ومريرة:
ثور يرفض الخضوع للنير، يرى في الحبل قيداً وفي الحقل سجناً، رجل يرى في فحولته إثباتاً لوجوده ، يتعامل مع الأرض والحيوان و”صبحة” تخضع لذات المنطق ”القوة والإخضاع ”، امرأة لا تملك ترف التفكير في “حقوقها”.
كان نهاراً قائظاً، يغلي من سخونته التراب ويضيق به صَدْرالأرض . الغبار العالق في فضاء الباحة كان يتلوى كأفعى ، والجو مشحون برائحة الموت.
في وسط الساحة، كان الصراع قد وصل ذروته. “جابر المرهون” بجسده الخشن وعناده الذي يتردد صداه كصخرة صمّاء، كان يشد الحبل بكل ما أوتي من غلظة، مستهيناً بهيجان الثور، معتقداً أن كسر إرادة هذا الكائن الشرس هو امتداد لسطوته اليومية. لكن الثور في ذلك النهار لم يكن حيواناً يُقاد؛ بل كتلة من الغضب.
احمرّت عيناه ، وخرج من منخريه زفير حارق أشبه بالجحيم ، فجأه بحركة خاطفة لم يحسب لها جابر حساباً، دارت الأرض. انقطع الحبل ، وبحركة مباغتة ، اندفع الثور برأسه كقذيفة ، ليغرس قرنه الحاد في أحشاء جابر.
سَمعت صبحة صرخة زوجها ، اتجهت نحوه تخطف اقدامها الأرض وهي تطلق صيحتها طالبة النجدة ، سقط جابر، الجبل الذي لم يكن ينحني، سقط كجذع نخلة خاوية، رسمت على التراب بركة من الدماء وسكوناً مرعباً.
القت صبحة بنفسها على جثّته. تجمّد الزمن في عينيها. تلاشت الأصوات كلها، ولم يبقَ في مسمعها سوى صوت اهل القرية اللذين وقفوا فوقه تغرورق اعينهم بالدموع.
نظرت إلى الرجل الذي كان يختصر عالمها بأوامره الصارمة، وقد صار جثة هامدة، تندلق أحشاءه الى الأرض وهو مسلوب القوى. ثمّ نظرت إلى الثور الذي وقف بعيداً يلهث، ملطخاً بدم صاحبه، وكأنه انتقمَ من سجّانه.
انتهت المعركة، لكن مأساة صبحة بدأت للتو:
بلحظة واحدة، تحولت من امرأة تنفذ الواجبات إلى “أرملة” تحمل فوق كاهلها إرثاً من الفقر، وحقلاً يطالبها بالعمل، وحيوانات تنتظر العلف، وبيتاً خالياً من الأنفاس سوى نَفَسِها اللاهث من الصدمة ، لأول مرة تمتد يداها المرتجفتان نحو وجه جابر الشاحب، لتمسح دمعة سقطت من عينيه المنطفئتين ، وبات عليها الآن أن تضع دفّة المحراث على عنق الثور لوحدها.
التعليقات