تجليات المكان الذاكراتي والسيرذاتي
قراءة في رواية “كائن مؤجل” لفهد العتيق
يشتغل الروائي السعودي فهد العتيق في روايته “كائن مؤجل” على تفكيك بنية الذاكرة الفردية والجمعية، محولاً النص الروائي إلى مساحة شاسعة للتأمل في جدلية المكان والذات، حيث يصبح المكان ليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل كائناً حياً ذاكراً ومشاركاً في صياغة مصائر الشخصيات.
من هنا يبرز مفهوم المكان الذاكراتي كركيزة أساسية يقوم عليها البناء السردي، فالروائي يعيد استحضار أمكنة الطفولة وحارات نجد القديمة، وبيوت الطين، ليقابلها بأمكنة الحداثة الخرسانية الموحشة التي انتقلت إليها العائلة، وهو انتقال لا يمثل تغييراً في السكن فحسب، بل هو انتقال قسري في نمط الحياة والقيم، حيث تتشظى الأحلام في “الفيلا الجديدة” التي توصف بأنها بلا روح، بينما تظل رائحة بيت الطين عالقة في جسد البطل، كرمز لحنين أبدي لأصل تم تجاوزه أو التخلي عنه لصالح رتابة الحياة المعاصرة، وفي هذا السياق يعمل المكان كمرآة تعكس غربة البطل وتأجله الوجودي، إذ يشعر بأنه “كائن مؤجل” بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فهو مؤجل بين ماضٍ طيني دافئ وحاضر خرساني بارد، وبين طفولة شقية حرة ومراهقة مكبوتة قمعتها سلطة الأب والمجتمع، لتغدو شخصيته محاصرة بين متناقضات الروح والجسد، وبين الواقع المرئي وأحلام اليقظة التي يهرب إليها ليعوض نقص وجوده.
تتجلى السيرذاتية في الرواية عبر استبطان عميق لتفاصيل الحياة اليومية، حيث يتقمص السارد دور الباحث في أركيولوجيا ذاته، مستخدماً المكان الذاكراتي كمفتاح لفك شفرات الهوية المفقودة، فتتحول الحارات الضيقة، والمدارس، والمساجد، والبيوت المواربة الأبواب، إلى مختبرات للكشف عن التكوين النفسي والاجتماعي للبطل، حيث يربط العتيق ببراعة بين الخاص والعام، فكما يتأجل البطل، يتأجل الوطن أيضاً في سياق سياسي واجتماعي يتسم بالعبثية، فتصبح الحارة القديمة التي كانت تضج بالحياة والحب والغيرة، مجرد أطلال في ذاكرة البطل، بينما تغدو المدينة الجديدة فضاءً كاتماً للصوت كأنه قدر مكتومة على وشك الانفجار، ولا يكتفي العتيق بالسرد الخطي، بل يغوص في الهلوسة والتداخل بين اليقظة والنوم، محولاً النص إلى شلال من الصور والروائح (رائحة الطين، بول القطط، البخور)، التي تعمل كعناصر استرجاعية تقفز بالبطل من واقعه المعيش إلى لحظات التجلي الذاكراتي، حيث يجد في الماضي ملجأً وفي الحاضر اغتراباً.
إن رواية “كائن مؤجل” ليست مجرد سيرة ذاتية للبطل، بل هي سيرة للمكان نفسه في تحولاته القاسية من العفوية إلى التزمت، ومن البساطة إلى الاستهلاك، حيث ينجح فهد العتيق في خلق لغة سردية مكثفة تقبض على تفاصيل الحياة النجدية في مرحلة الطفرة والتحول، دون أن يغرق في التقريرية، بل عبر رؤية فنية تجعل من التأجيل فلسفة وجودية تعبر عن جيل كامل عاش بين حلمين: حلم الحداثة الذي خذله، وحلم الماضي الذي لم يعد ممكناً استعادته، ليظل البطل في نهاية المطاف، كائناً عالقاً في منطقة وسطى، يبحث عن حقيقته في أوراق بيضاء وصمت جليل، محاولاً استعادة ذاكرته التي تشبه شوارع مسدودة، في محاولة أخيرة للإفلات من مصير الاندثار الذي يهدد الهُوية والإنسان في عالم يتحول فيه كل شيء إلى “كائن مؤجل”.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
تجليات المكان الذاكراتي والسيرذاتي قراءة في رواية “كائن مؤجل” لفهد العتيق
تجليات المكان الذاكراتي والسيرذاتي
قراءة في رواية “كائن مؤجل” لفهد العتيق
يشتغل الروائي السعودي فهد العتيق في روايته “كائن مؤجل” على تفكيك بنية الذاكرة الفردية والجمعية، محولاً النص الروائي إلى مساحة شاسعة للتأمل في جدلية المكان والذات، حيث يصبح المكان ليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل كائناً حياً ذاكراً ومشاركاً في صياغة مصائر الشخصيات.
من هنا يبرز مفهوم المكان الذاكراتي كركيزة أساسية يقوم عليها البناء السردي، فالروائي يعيد استحضار أمكنة الطفولة وحارات نجد القديمة، وبيوت الطين، ليقابلها بأمكنة الحداثة الخرسانية الموحشة التي انتقلت إليها العائلة، وهو انتقال لا يمثل تغييراً في السكن فحسب، بل هو انتقال قسري في نمط الحياة والقيم، حيث تتشظى الأحلام في “الفيلا الجديدة” التي توصف بأنها بلا روح، بينما تظل رائحة بيت الطين عالقة في جسد البطل، كرمز لحنين أبدي لأصل تم تجاوزه أو التخلي عنه لصالح رتابة الحياة المعاصرة، وفي هذا السياق يعمل المكان كمرآة تعكس غربة البطل وتأجله الوجودي، إذ يشعر بأنه “كائن مؤجل” بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فهو مؤجل بين ماضٍ طيني دافئ وحاضر خرساني بارد، وبين طفولة شقية حرة ومراهقة مكبوتة قمعتها سلطة الأب والمجتمع، لتغدو شخصيته محاصرة بين متناقضات الروح والجسد، وبين الواقع المرئي وأحلام اليقظة التي يهرب إليها ليعوض نقص وجوده.
تتجلى السيرذاتية في الرواية عبر استبطان عميق لتفاصيل الحياة اليومية، حيث يتقمص السارد دور الباحث في أركيولوجيا ذاته، مستخدماً المكان الذاكراتي كمفتاح لفك شفرات الهوية المفقودة، فتتحول الحارات الضيقة، والمدارس، والمساجد، والبيوت المواربة الأبواب، إلى مختبرات للكشف عن التكوين النفسي والاجتماعي للبطل، حيث يربط العتيق ببراعة بين الخاص والعام، فكما يتأجل البطل، يتأجل الوطن أيضاً في سياق سياسي واجتماعي يتسم بالعبثية، فتصبح الحارة القديمة التي كانت تضج بالحياة والحب والغيرة، مجرد أطلال في ذاكرة البطل، بينما تغدو المدينة الجديدة فضاءً كاتماً للصوت كأنه قدر مكتومة على وشك الانفجار، ولا يكتفي العتيق بالسرد الخطي، بل يغوص في الهلوسة والتداخل بين اليقظة والنوم، محولاً النص إلى شلال من الصور والروائح (رائحة الطين، بول القطط، البخور)، التي تعمل كعناصر استرجاعية تقفز بالبطل من واقعه المعيش إلى لحظات التجلي الذاكراتي، حيث يجد في الماضي ملجأً وفي الحاضر اغتراباً.
إن رواية “كائن مؤجل” ليست مجرد سيرة ذاتية للبطل، بل هي سيرة للمكان نفسه في تحولاته القاسية من العفوية إلى التزمت، ومن البساطة إلى الاستهلاك، حيث ينجح فهد العتيق في خلق لغة سردية مكثفة تقبض على تفاصيل الحياة النجدية في مرحلة الطفرة والتحول، دون أن يغرق في التقريرية، بل عبر رؤية فنية تجعل من التأجيل فلسفة وجودية تعبر عن جيل كامل عاش بين حلمين: حلم الحداثة الذي خذله، وحلم الماضي الذي لم يعد ممكناً استعادته، ليظل البطل في نهاية المطاف، كائناً عالقاً في منطقة وسطى، يبحث عن حقيقته في أوراق بيضاء وصمت جليل، محاولاً استعادة ذاكرته التي تشبه شوارع مسدودة، في محاولة أخيرة للإفلات من مصير الاندثار الذي يهدد الهُوية والإنسان في عالم يتحول فيه كل شيء إلى “كائن مؤجل”.
التعليقات