عناقُ المقصلة

صورة الكاتب
بقلم: د. اسماعيل مروة
التاريخ: 17 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2327
عناقُ المقصلة

عناقُ المقصلة

ما إن لمحته من البعيد حتى هرعت الشقراء الصغيرة إليه ألقت نفسها في حضنه وطفقت تبكي قلّبها،نظر إلى رأسها على كمّ جبته الذي أخفته سنوات طويلة….

لم يسأل ،لم يتفوه بكلمة واحدة…

لقد أدرك كل شيء وعرف أن أمراً عظيماً قد حدث…

لقد عرفه وحدده ،لكنه لم يرد له أن يطفو على سطح أفكاره المشتتة.

أبعد الصغيرة بهدوء من صدره المتعب وعاد إلى الخلف، عاد أدراجه دون أن يدخل المنزل الذي ألفه وأحبه كما أحب نفسه، عاد تاركاً خلفه أكثر من علامة استفهام تلفه ،وهو يتوارى عن الأنظار في نهاية الشارع الإسفلتي .

وصل إلى كوخه الذي كان قد ابتناه قبل سنوات بما توفر له من مواد…

هذا الكوخ شهد ساعات حزنه وفرحه وما أقل ما عرفت الفرح

عاد إلى كوخه ليتحدث إلى نفسه كما تهوى ،وليفضي بأسراره التي عجز عن البوح بها وعن التكلم بشأنها

في صدر الكوخ كانت صورتها التي رسمها بالفحم قبل سنوات ،وزان أطرافها ببعض الشعر الذي كتبه لها وفيها،وبالفحم أيضاً…

( ما زالت تبسم منذ ثماني سنوات ضحكتها لم تتغير

بسمتها لم تطرأ عليها أي تعديل كل شيء فيها ظل هو هو )

لم يدخل أحد كوخه هذا إلا ولفتت انتباهه تلك اللوحة الجميلة على ما فيها من السواد الذي يلفها من أطرافها كافة ….

وأغرب ما فيها أنهم كانوا يرون ابتسامتها التي تتسع عندما يدخل كوخه لكن أحداً لم يجرؤ  على طرح أي سؤال يتعلق باللوحة أو الشخصية المرسومة خاصة عندما يرونها تقطب جبينها حالة مغادرة حبيبها للكوخ!!

فهم يعرفون عالمه الخاص المختلف ، ذلك العالم الجديد عليهم، الذي يلفه العبق العطر، ويطوقه الأريج ،فأنت لا تراه إلا نادراً ،ولا يتحدث إلا قليلاً…

مرت السنوات المتوالية

وهو لا يبرح كوخه

يجلس أمام لوحته هذه،يرسم،يكتب،يمزق،يتحدث إليها ،يلفه الصمت،يكفهر وجهه ،ينتضح العرق من جبينه،مع أن أحداً لم يدخل عليه

بقي خلال هذه السنوات يحاول أن يدفع نفسه حثيثاً ليتكلم، ليبوح ،ليقول لها:

أحبك

-لكنه لم يجرؤ ،فأخذ يترك لحيته أياماً كأنه في حداد

لكن على ماذا؟

لا أحد يعرف

وينبري إلى آلة الحلاقة لينهي حياة لحيته فجأة لأنه أراد أن يزورها لكنه في الحالين لم يغادر كوخه لحظة واحدة، مع أنه مسح حذاءه أكثر من مرة، بالطبع لا يملك حذاءً غيره.

وثم يجلس وحيداً يزيل حبات العرق المتفصد بباطن يده دون أن يتحرك

ومن كوخه المتربع على قمة جبل صخري،المطل على الوادي الأخضر الفسيح أمامه سمع صوت الناي يتهادى إليه عذباً رقيقاً إنه صوت ناي صديقه الراعي

صديقه الذي ما زال يزوروه مند أعوام يصلي سخر منه كثيراً

فليس الوقت وقت صلاة،ولا هو يتجه إلى القبلة ولا ولا ولا

وكثيراً ما كان يخرج من عنده هازّاً رأسه دليل تأسف وترحم على عقله الذي غادره ولن يعود… واأسفاه.

وما زال صديقه الراعي يلح عليه بأن يترك الكوخ وهمّه وكربه،ليلحق به في أعالي الجبال برفقة القطيع الذي يسرح به من اغنام وماعز ،ومختلف البهائم.

وقد حاول هذا الصديق أن يقنعه بأن القطيع والعيش معه يجلبان الراحة لنفسه  وروحه أكثر من الحياة في هذا الكوخ مع هذه اللوحة الكئيبة ،لكنه لم يسمع منه أبداً.

كان ينظر إليها شارداً،ساهماً

ثم يتابع صلاته بهدوء لا مثيل له،وبصمت جنائزي مطلق ،مشيراً بيده إلى صديقه الراعي دون أن يتكلم ، يبدأ العزف من جديد ،وهو يدرك النوعية المحببة إلى صديقه من العزف ،يمّد يده إلى نايه المثقب من أنحائه بصورة عشوائية قريبة من النفس البدائية ،يستله من جيب جبّته القذرة ليضعه على فمه الذي تغطى بشعر  لحيته الكثيف،وشعر رأسه المنسدل على وجهه الذي أضحى أشبه برأس غجرية مختلفة كل الاختلاف عن البشر .

ويتهادى اللحن الجنائزي الحزين على مهل منساباً إلى أذنه وهو يرتل آياته الخاصة في صلاته القدسية الخفيضة، في محراب ملهمته الخالدة التي لا تبرح صورتها من خاطره ،ويذرف دمعاً ،ويبكي حباً، ليتسلق القمم صاعداً نحو المساء،لعل الرؤية تكون أفضل .

لم تجِد معه درجاته العلمية ،فهي لم تشكل شيئاً بالنسبة له خاصة لأنه لم يجد حتى ثمن إطار يضع صورتها فيه…لم يقبل أن ينزع لوحتها الأنيقة فناً ورسماً ليضع شهادته مكانها

كان يشعر في داخله بأن هذه اللوحة أهم بكثير من تلك الأوراق التي منحته الجامعة ،فهذه اللوحة تعطيه مزيداً من الدفق في عروقه ،ذلك الذي يدفعه إلى مزيد من المتعة في حياته ،وإن كانت متعته تلك مقرونة بالألم

طفقت الصغيرة تبكي ،فأعادته القهقرى إلى كوخه دون أن يتكلم أخذ يحدق إلى اللوحة المتكئة على جدار الكوخ ،ولحن صديقه الراعي يتهادى إليه حاراً مؤلماً.

لابد أن تصبح هذه اللوحة أجمل مما هي عليه، آه لو أنها من الصَدَف الذي لا يملك ثمنه، وفي منسرح أفكاره الحاملة كان يعيش بينما كانت القدرة تحول اللوحة إلى قطعة من الصدف الجميل الرائع الرصف فرح كثيراً به، أحبّه، هتف له :

لكنه لم يدر أن هذه الساعة هي الساعة الأخيرة لتلك اللوحة التي عاشت معه أعواماً عديدة،بدأت قطع الصدف الصغيرة تسقط واحدة بعد أخرى، ولكنها سقطت قطعة هوت معها قطعة من اللوحة المرسومة…

وهو يحدق إليها مشدوهاً

حاول أن يصرخ ،أن يوقف انهيار اللوحة لكنه لم يستطع فغر فاه بطريقة هسترية ،وهو ينظر إلى مكان اللوحة وقد نّحول إلى ثقب ضخم أسود في الجدار

مدّ رأسه من الثقب ببطء

تثاقل وخرج باتّجاه الوادي ،كانت الخضرة تزّين أشجار الحوز والحورفي الوادي السحيق ،لكن التماع الماء في الساقية البعيدة كان يدعوه إلى وروده والنهل منه،كان يرى اللوحة قد تجمعت في بؤرة الضوء تلك التي في الساقية .

لوحة الحبيبة تحولت إلى قطعة ملتمعة من الرماد، والرماد يلمع أيضاً ،تغطي صفحة الماء…هذه اللوحة طالما اشتاق إليها ،وأراد أن يبوح لها بحبه ،أن يعشقها..

نظر إليه مجدداً ،وأخذ جسده المتهدل الضعيف يتهادى من القمة العالية تاركاً خلفه كوخه الحبيب.

ومع لحظة تهادى الجسد كان الراعي يجلس على صخرته عالياً ،ينظر إلى لحظة عناق صديقه مع صفحة الماء ،تلك اللحظة الممتعة الأبدية، وهو يعزف على نايه أغنيته التي أحبّها صديقه ،وطلبها منه في كل جلسة .

عن الکاتب / الکاتبة

د. اسماعيل مروة
د. اسماعيل مروة
كاتب وناقد/ سوریا

مقالات أخرى للكاتب

بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك يستوقف الباحث دوما ذلك الحديث…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
15 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الأعمى

الأعمى

الأعمى علا الصخب في قاعة الدرس. زاد الهرج عن الحد المحتمل في مثل هذا المكان…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
7 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الشخص

الشخص

  الشخص   أدار وجهه جانباً، حين كان صاحب المشرط يشق يده… المشرط يلمع وهو…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
30 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عناقُ المقصلة

بقلم: د. اسماعيل مروة | التاريخ: 17 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

عناقُ المقصلة

ما إن لمحته من البعيد حتى هرعت الشقراء الصغيرة إليه ألقت نفسها في حضنه وطفقت تبكي قلّبها،نظر إلى رأسها على كمّ جبته الذي أخفته سنوات طويلة….

لم يسأل ،لم يتفوه بكلمة واحدة…

لقد أدرك كل شيء وعرف أن أمراً عظيماً قد حدث…

لقد عرفه وحدده ،لكنه لم يرد له أن يطفو على سطح أفكاره المشتتة.

أبعد الصغيرة بهدوء من صدره المتعب وعاد إلى الخلف، عاد أدراجه دون أن يدخل المنزل الذي ألفه وأحبه كما أحب نفسه، عاد تاركاً خلفه أكثر من علامة استفهام تلفه ،وهو يتوارى عن الأنظار في نهاية الشارع الإسفلتي .

وصل إلى كوخه الذي كان قد ابتناه قبل سنوات بما توفر له من مواد…

هذا الكوخ شهد ساعات حزنه وفرحه وما أقل ما عرفت الفرح

عاد إلى كوخه ليتحدث إلى نفسه كما تهوى ،وليفضي بأسراره التي عجز عن البوح بها وعن التكلم بشأنها

في صدر الكوخ كانت صورتها التي رسمها بالفحم قبل سنوات ،وزان أطرافها ببعض الشعر الذي كتبه لها وفيها،وبالفحم أيضاً…

( ما زالت تبسم منذ ثماني سنوات ضحكتها لم تتغير

بسمتها لم تطرأ عليها أي تعديل كل شيء فيها ظل هو هو )

لم يدخل أحد كوخه هذا إلا ولفتت انتباهه تلك اللوحة الجميلة على ما فيها من السواد الذي يلفها من أطرافها كافة ….

وأغرب ما فيها أنهم كانوا يرون ابتسامتها التي تتسع عندما يدخل كوخه لكن أحداً لم يجرؤ  على طرح أي سؤال يتعلق باللوحة أو الشخصية المرسومة خاصة عندما يرونها تقطب جبينها حالة مغادرة حبيبها للكوخ!!

فهم يعرفون عالمه الخاص المختلف ، ذلك العالم الجديد عليهم، الذي يلفه العبق العطر، ويطوقه الأريج ،فأنت لا تراه إلا نادراً ،ولا يتحدث إلا قليلاً…

مرت السنوات المتوالية

وهو لا يبرح كوخه

يجلس أمام لوحته هذه،يرسم،يكتب،يمزق،يتحدث إليها ،يلفه الصمت،يكفهر وجهه ،ينتضح العرق من جبينه،مع أن أحداً لم يدخل عليه

بقي خلال هذه السنوات يحاول أن يدفع نفسه حثيثاً ليتكلم، ليبوح ،ليقول لها:

أحبك

-لكنه لم يجرؤ ،فأخذ يترك لحيته أياماً كأنه في حداد

لكن على ماذا؟

لا أحد يعرف

وينبري إلى آلة الحلاقة لينهي حياة لحيته فجأة لأنه أراد أن يزورها لكنه في الحالين لم يغادر كوخه لحظة واحدة، مع أنه مسح حذاءه أكثر من مرة، بالطبع لا يملك حذاءً غيره.

وثم يجلس وحيداً يزيل حبات العرق المتفصد بباطن يده دون أن يتحرك

ومن كوخه المتربع على قمة جبل صخري،المطل على الوادي الأخضر الفسيح أمامه سمع صوت الناي يتهادى إليه عذباً رقيقاً إنه صوت ناي صديقه الراعي

صديقه الذي ما زال يزوروه مند أعوام يصلي سخر منه كثيراً

فليس الوقت وقت صلاة،ولا هو يتجه إلى القبلة ولا ولا ولا

وكثيراً ما كان يخرج من عنده هازّاً رأسه دليل تأسف وترحم على عقله الذي غادره ولن يعود… واأسفاه.

وما زال صديقه الراعي يلح عليه بأن يترك الكوخ وهمّه وكربه،ليلحق به في أعالي الجبال برفقة القطيع الذي يسرح به من اغنام وماعز ،ومختلف البهائم.

وقد حاول هذا الصديق أن يقنعه بأن القطيع والعيش معه يجلبان الراحة لنفسه  وروحه أكثر من الحياة في هذا الكوخ مع هذه اللوحة الكئيبة ،لكنه لم يسمع منه أبداً.

كان ينظر إليها شارداً،ساهماً

ثم يتابع صلاته بهدوء لا مثيل له،وبصمت جنائزي مطلق ،مشيراً بيده إلى صديقه الراعي دون أن يتكلم ، يبدأ العزف من جديد ،وهو يدرك النوعية المحببة إلى صديقه من العزف ،يمّد يده إلى نايه المثقب من أنحائه بصورة عشوائية قريبة من النفس البدائية ،يستله من جيب جبّته القذرة ليضعه على فمه الذي تغطى بشعر  لحيته الكثيف،وشعر رأسه المنسدل على وجهه الذي أضحى أشبه برأس غجرية مختلفة كل الاختلاف عن البشر .

ويتهادى اللحن الجنائزي الحزين على مهل منساباً إلى أذنه وهو يرتل آياته الخاصة في صلاته القدسية الخفيضة، في محراب ملهمته الخالدة التي لا تبرح صورتها من خاطره ،ويذرف دمعاً ،ويبكي حباً، ليتسلق القمم صاعداً نحو المساء،لعل الرؤية تكون أفضل .

لم تجِد معه درجاته العلمية ،فهي لم تشكل شيئاً بالنسبة له خاصة لأنه لم يجد حتى ثمن إطار يضع صورتها فيه…لم يقبل أن ينزع لوحتها الأنيقة فناً ورسماً ليضع شهادته مكانها

كان يشعر في داخله بأن هذه اللوحة أهم بكثير من تلك الأوراق التي منحته الجامعة ،فهذه اللوحة تعطيه مزيداً من الدفق في عروقه ،ذلك الذي يدفعه إلى مزيد من المتعة في حياته ،وإن كانت متعته تلك مقرونة بالألم

طفقت الصغيرة تبكي ،فأعادته القهقرى إلى كوخه دون أن يتكلم أخذ يحدق إلى اللوحة المتكئة على جدار الكوخ ،ولحن صديقه الراعي يتهادى إليه حاراً مؤلماً.

لابد أن تصبح هذه اللوحة أجمل مما هي عليه، آه لو أنها من الصَدَف الذي لا يملك ثمنه، وفي منسرح أفكاره الحاملة كان يعيش بينما كانت القدرة تحول اللوحة إلى قطعة من الصدف الجميل الرائع الرصف فرح كثيراً به، أحبّه، هتف له :

لكنه لم يدر أن هذه الساعة هي الساعة الأخيرة لتلك اللوحة التي عاشت معه أعواماً عديدة،بدأت قطع الصدف الصغيرة تسقط واحدة بعد أخرى، ولكنها سقطت قطعة هوت معها قطعة من اللوحة المرسومة…

وهو يحدق إليها مشدوهاً

حاول أن يصرخ ،أن يوقف انهيار اللوحة لكنه لم يستطع فغر فاه بطريقة هسترية ،وهو ينظر إلى مكان اللوحة وقد نّحول إلى ثقب ضخم أسود في الجدار

مدّ رأسه من الثقب ببطء

تثاقل وخرج باتّجاه الوادي ،كانت الخضرة تزّين أشجار الحوز والحورفي الوادي السحيق ،لكن التماع الماء في الساقية البعيدة كان يدعوه إلى وروده والنهل منه،كان يرى اللوحة قد تجمعت في بؤرة الضوء تلك التي في الساقية .

لوحة الحبيبة تحولت إلى قطعة ملتمعة من الرماد، والرماد يلمع أيضاً ،تغطي صفحة الماء…هذه اللوحة طالما اشتاق إليها ،وأراد أن يبوح لها بحبه ،أن يعشقها..

نظر إليه مجدداً ،وأخذ جسده المتهدل الضعيف يتهادى من القمة العالية تاركاً خلفه كوخه الحبيب.

ومع لحظة تهادى الجسد كان الراعي يجلس على صخرته عالياً ،ينظر إلى لحظة عناق صديقه مع صفحة الماء ،تلك اللحظة الممتعة الأبدية، وهو يعزف على نايه أغنيته التي أحبّها صديقه ،وطلبها منه في كل جلسة .