مرايا الأثر ووظيفية الجمال
النقد الذرائعي التشكيلي كأفق لاستيعاب المناهج النقديّة
قراءة في لوحات “عزيز الكبچي” بين انطباعية “أليسيا بايونّي” ومنهجة “الذريعة العربية”
ميثاق البدء:
النقد من العموم إلى التخصيص التشكيلي
لا ينفكّ النقد الأدبي والفني، في إطاره العام، يبحث عن تمزيق حجب النص أو اللوحة للوصول إلى النواة الكامنة وراء المظهر. غير أن النقد في عمومه كثيراً ما وقع في فخ المرجعية الأحادية؛ فتارةً تستبد به التاريخانية وتارةً تسجنه البنيوية الشكوائية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى منهج أكثر مرونة وقدرة على المنهجة والقياس. وهنا تتجلى عبقرية المنهج الذرائعي في سياقه العربي المعاصر؛ إذ إنه لا يلغي المناهج الأخرى، بل يعمل كـ”مختبر كاشف” يمتص أدواتها (من وصف، وتحليل، وتاريخ، وتأويل) ليعيد صهرها في بوتقة واحدة تقيس القصدية الوظيفية للفنان والمنفعة الوجدانية والمعرفية للمتلقي.
وعند تخصيص هذا المنهج ليدخل محترفات الفن التشكيلي، يتحول من مجرد أداة تفسيرية إلى جسر واصل بين مرئيات اللوحة وسلوك الإنسان. فاللوحة التشكیلية ليست مساحة ساكنة للتأمل الفراغي، بل هي “وسيلة وأداة” لإحداث أثر تنويري أو سلوكي في العالم.
عتبة المقاربة:
عزيز الكبچي ومتاهة الأثر بين روما والناصرية
في التجربة التشخيصية للفنان العراقي عزيز الكبچي، نجد تجسيداً حياً لهذه الجدلية. إنه الفنان الذي حمل طين الناصرية الرافديني ليذيبه في شمس روما الأكاديمية وظلال مدرستها السحرية. هذا التمازج الفريد استدعى قراءتين؛ الأولى غربية، انطباعية، تاريخية، قادتها الناقدة الإيطالية أليسيا بايونّي، والثانية شرقية، منهجية، ذرائعية، فككت اللوحة عبر مراحل النقد الذرائعي التشكيلي الأربع.
إن وضع هاتين القراءتين في مرآة المقابلة يكشف لنا كيف يستطيع النقد الذرائعي أن يحتوي ويشرح الأطر النقدية الأخرى، مبرزاً مواطن قوتها ومكملاً ما عجزت عن منهجته تلك النقود.
أولاً: القصدية البصرية بين الدفق الانطباعي والانضباط الذرائعي
في قراءتها لأعمال الكبچي، تنطلق الناقدة الإيطالية أليسيا بايونّي من حس جمالي رفيع، فترى في ضربات فرشاته وتكويناته مدركات مشحونة بـ”الشعر الخالص” و”الطاقة الكونية”. هنا، يتدخل المنهج الذرائعي في مرحلته (الوصفية والتحليلية) ليكشف خلفية هذا النقد الانطباعي؛ فالذرائعية لا تكتفي بمدح التناغم، بل تفككه مختبرياً.
حين يرى المنهج الذرائعي الاعمال الفنية للكبچي، فإنه يضع إصبعه على “توجيه الخط البصري” وتوزيع الإضاءة كأدوات تقنية صارمة صُممت بقصدية واعية من الفنان لجذب عين المتلقي نحو منطقة التباين الحاد. وإن ما تراه الانطباعية الغربية “سحراً وعفوية”، يكشف النقد الذرائعي العربي أنه قصدية وظيفية مدروسة أطاع فيها الشكلُ المضمون لخدمة الرسالة البصرية.
ثانياً: تفكيك الرموز وسياق الهوية (كشف النقد التاريخي والتناصّي)
تميل بايونّي في رؤيتها النقديّة إلى ربط الكبچي بسلسلة نسب تاريخية إيطالية (أمثال دونغي، جينتيليني، وكارافاجيو). هذا النقد التاريخي التناصّي يقدم خدمة جليلة للمتلقي، لكنه يظل قاصراً ما لم يُربط بالغاية الإنسانية للأثر.
وهنا يأتي دور المرحلة التأويلية في المنهج الذرائعي ليحتوي هذا البعد التاريخي ويعطيه عمقاً وجودياً؛ فالاشكال الرومانية أو الخط العربي التموجي في لوحة الكبچي ليسا مجرد تناصّ واستعارات فنية من الماضي، بل هما “أدوات صراع وتصالح” يعيشها الفنان المغترب. والنقد الذرائعي يكشف أن دمج “الواقعية الساحرة” الإيطالية بـ”شمس الذاكرة الرافدينية” هو محاولة ذرائعية ذكية لكسر برودة الرخام الغربي بدفء الطين الشرقي، وبذلك يتحول التاريخ من مجرد مرجعية أثرية إلى مادة حية تُصاغ بها الهوية الحاضرة.
ثالثاً: المنفعة الوجدانية والمعرفية كغاية قصوى للفن والنقد
إن نقطة الارتكاز التي تجعل المنهج الذرائعي العربي مهيمناً وكاشفاً للنقود الأخرى هي مآلات العمل الفني. فالناقدة الإيطالية تختم رؤيتها بأن فن الكبچي هو “أنشودة للحياة” تثير الأحاسيس ذاتها التي تثيرها رؤية الأماكن الجميلة. هذا الحكم، على جماليته، يظل حكماً ذوقياً عاطفياً.
وبالمقابل، تأتي المرحلة التقييمية (المنفعة الذرائعية) لتؤطر هذا الأثر الوجداني وتحوله إلى قيمة معرفية وسلوكية قابلة للقياس والتعميم. فالعمل الفني من منظور ذريعي لا يقف عند حدود “الإمتاع الحسي البحت”، بل يمتد ليحقق منفعة وظيفية عليا.
فاللوحة عند الكبچي تتحول إلى “جسر ثقافي معاصر” يعيد صياغة مفهوم الاغتراب في وعي المتلقي (الغربي والعربي)؛ ليؤكد أن الغربة ليست ذوباناً أو عزلة، بل هي مساحة نافعة للتلاقح الحضاري. هذا التحول من “تذوق الجمال” إلى “استثمار الجمال معرفياً وسلوكياً” هو القيمة المضافة التي يمنحها المنهج الذرائعي للنقد الفني.
وختاماً النقد الذرائعي يعد مختبراً جامعاً
في المحصلة، يثبت النقد الذرائعي العربي المخصص للفن التشكيلي أنه ليس مجرد منهج إقصائي ينافس المناهج الأخرى، بل هو منهج استيعابي كاشف. لقد استطاع من خلال قراءة لوحات عزيز الكبچي أن يمتص عاطفة النقد الانطباعي وعمق النقد التاريخي اللذين تمثلا في كتابة أليسيا بايونّي، ثم أعاد تنظيمهما وهندستهما داخل إطار علمي صارم الخطوات (وصفاً، تحليلاً، تأويلاً، وتقييماً نفعياً).
إن أهمية النقد الذرائعي تكمن في أنه يعيد الاعتبار لـ”وظيفة الفن”؛ فلا يترك اللوحة عائمة في فضاء التجريد أو المزاج الشخصي للناقد، بل يحولها إلى رسالة سلوكية وفكرية ملموسة، تجعل من الألوان والخطوط أدوات حقيقية للارتقاء بالوعي البشري وبناء حوار الحضارات بصرياً.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
مرايا الأثر ووظيفية الجمال النقد الذرائعي التشكيلي كأفق لاستيعاب المناهج النقديّة
مرايا الأثر ووظيفية الجمال
النقد الذرائعي التشكيلي كأفق لاستيعاب المناهج النقديّة
قراءة في لوحات “عزيز الكبچي” بين انطباعية “أليسيا بايونّي” ومنهجة “الذريعة العربية”
ميثاق البدء:
النقد من العموم إلى التخصيص التشكيلي
لا ينفكّ النقد الأدبي والفني، في إطاره العام، يبحث عن تمزيق حجب النص أو اللوحة للوصول إلى النواة الكامنة وراء المظهر. غير أن النقد في عمومه كثيراً ما وقع في فخ المرجعية الأحادية؛ فتارةً تستبد به التاريخانية وتارةً تسجنه البنيوية الشكوائية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى منهج أكثر مرونة وقدرة على المنهجة والقياس. وهنا تتجلى عبقرية المنهج الذرائعي في سياقه العربي المعاصر؛ إذ إنه لا يلغي المناهج الأخرى، بل يعمل كـ”مختبر كاشف” يمتص أدواتها (من وصف، وتحليل، وتاريخ، وتأويل) ليعيد صهرها في بوتقة واحدة تقيس القصدية الوظيفية للفنان والمنفعة الوجدانية والمعرفية للمتلقي.
وعند تخصيص هذا المنهج ليدخل محترفات الفن التشكيلي، يتحول من مجرد أداة تفسيرية إلى جسر واصل بين مرئيات اللوحة وسلوك الإنسان. فاللوحة التشكیلية ليست مساحة ساكنة للتأمل الفراغي، بل هي “وسيلة وأداة” لإحداث أثر تنويري أو سلوكي في العالم.
عتبة المقاربة:
عزيز الكبچي ومتاهة الأثر بين روما والناصرية
في التجربة التشخيصية للفنان العراقي عزيز الكبچي، نجد تجسيداً حياً لهذه الجدلية. إنه الفنان الذي حمل طين الناصرية الرافديني ليذيبه في شمس روما الأكاديمية وظلال مدرستها السحرية. هذا التمازج الفريد استدعى قراءتين؛ الأولى غربية، انطباعية، تاريخية، قادتها الناقدة الإيطالية أليسيا بايونّي، والثانية شرقية، منهجية، ذرائعية، فككت اللوحة عبر مراحل النقد الذرائعي التشكيلي الأربع.
إن وضع هاتين القراءتين في مرآة المقابلة يكشف لنا كيف يستطيع النقد الذرائعي أن يحتوي ويشرح الأطر النقدية الأخرى، مبرزاً مواطن قوتها ومكملاً ما عجزت عن منهجته تلك النقود.
أولاً: القصدية البصرية بين الدفق الانطباعي والانضباط الذرائعي
في قراءتها لأعمال الكبچي، تنطلق الناقدة الإيطالية أليسيا بايونّي من حس جمالي رفيع، فترى في ضربات فرشاته وتكويناته مدركات مشحونة بـ”الشعر الخالص” و”الطاقة الكونية”. هنا، يتدخل المنهج الذرائعي في مرحلته (الوصفية والتحليلية) ليكشف خلفية هذا النقد الانطباعي؛ فالذرائعية لا تكتفي بمدح التناغم، بل تفككه مختبرياً.
حين يرى المنهج الذرائعي الاعمال الفنية للكبچي، فإنه يضع إصبعه على “توجيه الخط البصري” وتوزيع الإضاءة كأدوات تقنية صارمة صُممت بقصدية واعية من الفنان لجذب عين المتلقي نحو منطقة التباين الحاد. وإن ما تراه الانطباعية الغربية “سحراً وعفوية”، يكشف النقد الذرائعي العربي أنه قصدية وظيفية مدروسة أطاع فيها الشكلُ المضمون لخدمة الرسالة البصرية.
ثانياً: تفكيك الرموز وسياق الهوية (كشف النقد التاريخي والتناصّي)
تميل بايونّي في رؤيتها النقديّة إلى ربط الكبچي بسلسلة نسب تاريخية إيطالية (أمثال دونغي، جينتيليني، وكارافاجيو). هذا النقد التاريخي التناصّي يقدم خدمة جليلة للمتلقي، لكنه يظل قاصراً ما لم يُربط بالغاية الإنسانية للأثر.
وهنا يأتي دور المرحلة التأويلية في المنهج الذرائعي ليحتوي هذا البعد التاريخي ويعطيه عمقاً وجودياً؛ فالاشكال الرومانية أو الخط العربي التموجي في لوحة الكبچي ليسا مجرد تناصّ واستعارات فنية من الماضي، بل هما “أدوات صراع وتصالح” يعيشها الفنان المغترب. والنقد الذرائعي يكشف أن دمج “الواقعية الساحرة” الإيطالية بـ”شمس الذاكرة الرافدينية” هو محاولة ذرائعية ذكية لكسر برودة الرخام الغربي بدفء الطين الشرقي، وبذلك يتحول التاريخ من مجرد مرجعية أثرية إلى مادة حية تُصاغ بها الهوية الحاضرة.
ثالثاً: المنفعة الوجدانية والمعرفية كغاية قصوى للفن والنقد
إن نقطة الارتكاز التي تجعل المنهج الذرائعي العربي مهيمناً وكاشفاً للنقود الأخرى هي مآلات العمل الفني. فالناقدة الإيطالية تختم رؤيتها بأن فن الكبچي هو “أنشودة للحياة” تثير الأحاسيس ذاتها التي تثيرها رؤية الأماكن الجميلة. هذا الحكم، على جماليته، يظل حكماً ذوقياً عاطفياً.
وبالمقابل، تأتي المرحلة التقييمية (المنفعة الذرائعية) لتؤطر هذا الأثر الوجداني وتحوله إلى قيمة معرفية وسلوكية قابلة للقياس والتعميم. فالعمل الفني من منظور ذريعي لا يقف عند حدود “الإمتاع الحسي البحت”، بل يمتد ليحقق منفعة وظيفية عليا.
فاللوحة عند الكبچي تتحول إلى “جسر ثقافي معاصر” يعيد صياغة مفهوم الاغتراب في وعي المتلقي (الغربي والعربي)؛ ليؤكد أن الغربة ليست ذوباناً أو عزلة، بل هي مساحة نافعة للتلاقح الحضاري. هذا التحول من “تذوق الجمال” إلى “استثمار الجمال معرفياً وسلوكياً” هو القيمة المضافة التي يمنحها المنهج الذرائعي للنقد الفني.
وختاماً النقد الذرائعي يعد مختبراً جامعاً
في المحصلة، يثبت النقد الذرائعي العربي المخصص للفن التشكيلي أنه ليس مجرد منهج إقصائي ينافس المناهج الأخرى، بل هو منهج استيعابي كاشف. لقد استطاع من خلال قراءة لوحات عزيز الكبچي أن يمتص عاطفة النقد الانطباعي وعمق النقد التاريخي اللذين تمثلا في كتابة أليسيا بايونّي، ثم أعاد تنظيمهما وهندستهما داخل إطار علمي صارم الخطوات (وصفاً، تحليلاً، تأويلاً، وتقييماً نفعياً).
إن أهمية النقد الذرائعي تكمن في أنه يعيد الاعتبار لـ”وظيفة الفن”؛ فلا يترك اللوحة عائمة في فضاء التجريد أو المزاج الشخصي للناقد، بل يحولها إلى رسالة سلوكية وفكرية ملموسة، تجعل من الألوان والخطوط أدوات حقيقية للارتقاء بالوعي البشري وبناء حوار الحضارات بصرياً.
التعليقات