“يوميات ناقد ثقافي”

صورة الكاتب
بقلم: أ.د حسين القاصد
التاريخ: 27 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2356
“يوميات ناقد ثقافي”

يوميات ناقد ثقافي…السلام على العلّامة!!

بسبب القيد التلقيني، حتى ذلك الذي وصلنا من الكتب، صارت لدينا صيغة مبالغة على وزن ( فعّالة) مثل: العلّامة والنسّابة، فيقولون هذه التاء المربوطة ليست تاء التأنيث، وحين لم يتمكنوا من تسميتها جعلوها ( تاء المبالغة) وهي للمبالغة والتكثير كما يقولون! وكأن (العلّام) ليس صيغة مبالغة إلا إذا داهمته تاء التأنيث!!، ومنهم من راح يسوغ التأنيث ويقول: ( العرب إذا أرادت أن تعظّم شيئًا أنّثته.
كأن تقول فلان: فهَّامة، علَّامة، نابغة.)، وكل هذا لا أراه صواباً.
لو تمعنا في الصفات المبالغ فيها لعرفنا السبب، وهو أن لغتنا دينية، وأغلب لغات العالم إن لم تكن دينية فهي طقوسية؛ فمن الطقوسية والتواضعية والدينية، لنا أن نتفحص تحية المسلمين ( السلام عليكم) وهي تحية جاءت لتمثل أماناً تعويضيا لمجتمع لم يعرف الأمان والسلام أبداً، وقد جاءت معززة بالأحاديث النبوية إلى أن شاعت واستقرت، وهي تحمل في ما تحمله، الدعاء والطمأنينة معاً، ثم حتى تحية الوداع تحمل ذلك ( في أمان الله) و ( استودعكم الله)، كلها حلت بديلا عن التحية في الجاهلية ( عمتم صباحا ومساء و …)، وهو توجيه ديني صار نسقا اجتماعيا حتى عند غير المسلمين.
أعود إلى رأس أمري لأقول: لنا أن نبالغ كثيرا، لكننا لا نستطيع أن نقول: هذا الرجل كذّابة، وليس لنا أن نقول: رسّامة، لأن ذلك الذي نصفه سيغضب ويرى أننا أنثناه ولم نبالغ بوصفه، فما فرق ( الرسام من رسم يرسم ، عن العلام من علم يعلم) وكلاهما ثلاثي الجذر؟ الفرق يكمن في أنك ليس لك أن ترفع أي شخص إلى رتبة العلاّم المطلق الذي هو الواحد الأحد عز وجل، ولأن لغتنا ذكورية، وقد منحت رتبة العلم والسلطة للمذكر، بعيداً عن أصحاب الاستفتاءات النحوية الجديدة، الذين قاموا بتأنيث حتى الرتبة العسكرية، فقالوا: ( الملازمة الأولى) وفاتتهم رتبة ( الرائد) و (المقدم) إذ ستصبحان ( الرائدة) و (المقدمة)، وعندها سنبحث عن خاتمة لهذه المقدمة، ولا أدري كيف سيعالجون رتبة ( الفريق الركن)!!.
قلت: العلاّم هو الله، لذلك قامت العرب بتأنيث المبالغة، وهذا لا علاقة له بالحب والتحبيب، لأن العرب ذكوريون ولغتهم كذلك، ألم يتعرض الشاعر للسجن حين قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ؟
لقد عوقب الشاعر لأنه لوّح للمهجو بأن له شغل الإناث، فأين التحبيب ؟ لقد أنثوا صفة الإنسان العلّام لأنهم لن يصفوا المرأة بهذه المنزلة.
قبل يومين تساءل أحد الأصدقاء وهو يتابع مباريات كاس العالم، أن لماذا يخاطبون المرأة التي تقوم تحكيم المباراة بالحَكم، وقد نسي صديقي كما هو حال مفتي اللغة العربية الجديد، أن بحوثه بحُكم ذكورية اللغة ودينية الرتبة فيها، تذهب للمقوم العلمي، حتى لو كانت إمرأة، ليس لنا أن نكتب جوار اسمها المقومة العلمية، والحَكم حتى لو كان حَكم المباراة فهو رتبة ذكورية في اللغة العربية.
ولصديقي أقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د حسين القاصد
أ.د حسين القاصد
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“طُفْ حولها”

“طُفْ حولها”

طُفْ حولها طُفْ حولها هي أمةٌ و ثباتها في أن تشيلك فوقها هاماتها في أن…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
7 يوليو 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي..آدم العربي والعلمية السلطوية

يوميات ناقد ثقافي..آدم العربي والعلمية السلطوية

يوميات ناقد ثقافي..آدم العربي والعلمية السلطوية مذ عرف الإنسان اللغة بوصفها احتياجاً تواصليا، حتى يومنا…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
14 يونيو 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي….المخدرات

يوميات ناقد ثقافي….المخدرات

يوميات ناقد ثقافي المخدرات لم تكن المخدرات تجارةً مربحة، ولم يكن الحصول عليها بالأمر اليسير،…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
12 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“يوميات ناقد ثقافي”

بقلم: أ.د حسين القاصد | التاريخ: 27 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يوميات ناقد ثقافي…السلام على العلّامة!!

بسبب القيد التلقيني، حتى ذلك الذي وصلنا من الكتب، صارت لدينا صيغة مبالغة على وزن ( فعّالة) مثل: العلّامة والنسّابة، فيقولون هذه التاء المربوطة ليست تاء التأنيث، وحين لم يتمكنوا من تسميتها جعلوها ( تاء المبالغة) وهي للمبالغة والتكثير كما يقولون! وكأن (العلّام) ليس صيغة مبالغة إلا إذا داهمته تاء التأنيث!!، ومنهم من راح يسوغ التأنيث ويقول: ( العرب إذا أرادت أن تعظّم شيئًا أنّثته.
كأن تقول فلان: فهَّامة، علَّامة، نابغة.)، وكل هذا لا أراه صواباً.
لو تمعنا في الصفات المبالغ فيها لعرفنا السبب، وهو أن لغتنا دينية، وأغلب لغات العالم إن لم تكن دينية فهي طقوسية؛ فمن الطقوسية والتواضعية والدينية، لنا أن نتفحص تحية المسلمين ( السلام عليكم) وهي تحية جاءت لتمثل أماناً تعويضيا لمجتمع لم يعرف الأمان والسلام أبداً، وقد جاءت معززة بالأحاديث النبوية إلى أن شاعت واستقرت، وهي تحمل في ما تحمله، الدعاء والطمأنينة معاً، ثم حتى تحية الوداع تحمل ذلك ( في أمان الله) و ( استودعكم الله)، كلها حلت بديلا عن التحية في الجاهلية ( عمتم صباحا ومساء و …)، وهو توجيه ديني صار نسقا اجتماعيا حتى عند غير المسلمين.
أعود إلى رأس أمري لأقول: لنا أن نبالغ كثيرا، لكننا لا نستطيع أن نقول: هذا الرجل كذّابة، وليس لنا أن نقول: رسّامة، لأن ذلك الذي نصفه سيغضب ويرى أننا أنثناه ولم نبالغ بوصفه، فما فرق ( الرسام من رسم يرسم ، عن العلام من علم يعلم) وكلاهما ثلاثي الجذر؟ الفرق يكمن في أنك ليس لك أن ترفع أي شخص إلى رتبة العلاّم المطلق الذي هو الواحد الأحد عز وجل، ولأن لغتنا ذكورية، وقد منحت رتبة العلم والسلطة للمذكر، بعيداً عن أصحاب الاستفتاءات النحوية الجديدة، الذين قاموا بتأنيث حتى الرتبة العسكرية، فقالوا: ( الملازمة الأولى) وفاتتهم رتبة ( الرائد) و (المقدم) إذ ستصبحان ( الرائدة) و (المقدمة)، وعندها سنبحث عن خاتمة لهذه المقدمة، ولا أدري كيف سيعالجون رتبة ( الفريق الركن)!!.
قلت: العلاّم هو الله، لذلك قامت العرب بتأنيث المبالغة، وهذا لا علاقة له بالحب والتحبيب، لأن العرب ذكوريون ولغتهم كذلك، ألم يتعرض الشاعر للسجن حين قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ؟
لقد عوقب الشاعر لأنه لوّح للمهجو بأن له شغل الإناث، فأين التحبيب ؟ لقد أنثوا صفة الإنسان العلّام لأنهم لن يصفوا المرأة بهذه المنزلة.
قبل يومين تساءل أحد الأصدقاء وهو يتابع مباريات كاس العالم، أن لماذا يخاطبون المرأة التي تقوم تحكيم المباراة بالحَكم، وقد نسي صديقي كما هو حال مفتي اللغة العربية الجديد، أن بحوثه بحُكم ذكورية اللغة ودينية الرتبة فيها، تذهب للمقوم العلمي، حتى لو كانت إمرأة، ليس لنا أن نكتب جوار اسمها المقومة العلمية، والحَكم حتى لو كان حَكم المباراة فهو رتبة ذكورية في اللغة العربية.
ولصديقي أقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.