الوحش تحت السرير
كان المنزل الجديد هادئاً أكثر مما ينبغي والجدران ما تزال تحتفظ برائحة الطلاء، والأرضية الخشبية تصدر أنيناً خافتاً كلما مر أحد فوقها وكأنها لم تعتد بعد على سكانها الجدد وقفت حوراء أمام باب غرفتها وهي تراقب والدتها تضع سريراً صغيراً إلى جانب سريرها قالت الأم بابتسامة هادئة “من الليلة ستتشاركين الغرفة مع آدم لم تجب حوراء اكتفت بالنظر إلى المسافة التي كانت تفصل بين السريرين، شعرت أن عالمها الصغير المرتب كما تحبه قد تقلص فجأة وفي الليلة الأولى، لم يطل انتظارها تلك اليلة همس بالكاد يُسمع تظاهرت بالنوم ، عاد الصوت هذه المرة مرتجفاً حوراء حوراء الوحش عاد، فتحت عينيها بضيق كان آدم جالساً في سريره، يضم ركبتيه إلى صدره، وينظر نحو الفراغ الأسود أسفل السرير. تنهدت انحنت رفعت غطاء السرير، وألقت نظرة سريعة تحت السرير . لم يكن هناك شيء “لا يوجد وحش” هز رأسه بعناد .. إنه يختبئ عندما تنظرين”ابتسمت ابتسامة ساخرة ثم عادت إلى فراشها ولكنها لم تنم إلا بعد ساعة، تكرر الأمر في الليلة التالية ثم التي بعدها. وفي كل مرة كان الوحش يقترب أكثر، حسب رواية آدم مرة قال إنه سمع أنفاسه. ومرة أقسم أنه رأى عينيه تلمعان وفي مرة أخرى، أكد أن الوحش يخرج فقط عندما ينام الجميع ، كانت حوراء تعرف أن الأطفال يملكون خيالاً واسعاً، لكنها كانت تعرف أيضاً أن قلة النوم تجعل الإنسان يرى العالم أكثر سوءاً مما هو عليه ولذلك قررت أن تنهي الأمر بطريقتها . في مساء اليوم التالي دخلت الغرفة وهي تحمل بطانية زرقاء وكشافاً صغيراً. وقفت أمام آدم بجدية مصطنعة وقالت: “وجدت الحل.” اتسعت عيناه لفت البطانية حول كتفيه بإحكام، ثم وضعت الكشاف بين يديه وهمست كأنها تكشف سراً قديماً: “هذه ليست بطانية عادية إنها الدرع السحري.” ابتلع ريقه ” أي وحش يراك داخلها… يختفي فوراً ” رفع الكشاف نحو وجهها “حقاً؟” أومأت بثقة” لكن لا تخبر أحداً ” ابتسم للمرة الأولى منذ انتقالهم إلى المنزل وفي تلك الليلة… نام. ولم يستيقظ أما حوراء ، فقد ابتسمت لنفسها منتصرة كانت تعتقد أن الحكايات لا تصلح إلا للأطفال مرت أيام . ساد الهدوء عاد الليل صديقاً للنوم. واعتقدت حوراء أن الوحش قد هُزم إلى الأبد. إلى أن جاءت تلك الليلة. انطفأت الكهرباء دفعة واحدة. اختفى الضوء من الغرفة، ومن الممر، ومن المنزل كله. لم يبق سوى ظلام كثيف، حتى إن حوراء لم تعد ترى يدها أمام وجهها. في البداية قالت لنفسها إن الأمر بسيط. ثم بدأ الخشب يئن صرير خافت… ثم صوت آخر ربما كانت الريح. وربما لم تكن. حدقت في العتمة. شيئاً فشيئاً، بدأت الستارة تبدو كشخص واقف. وصارت كومة الملابس على الكرسي تشبه مخلوقاً منحنياً. أما المساحة تحت السرير فبدت أعمق من المعتاد. شعرت بقلبها يخفق أسرع. وللمرة الأولى منذ سنوات… لم تجرؤ على النظر تحت السرير. سمعت حركة خلفها. تجمدت. ثم جاءها صوت صغير تعرفه جيداً. “حوراء.” استدارت بسرعة. كان آدم واقفاً يحمل البطانية الزرقاء اقترب منها بهدوء، وأمسك يدها. ثم لف البطانية حولهما معاً، ووضع الكشاف بينهما، رغم أنه لم يعمل بسبب نفاد بطاريته. ابتسم بثقة بريئة وقال: “لا تخافي…” توقف لحظة، ثم أكمل: “الدرع السحري يحمينا كلنا.” نظرت إليه طويلاً. لم يكن في الغرفة ما تغيّر. الظلام ما زال كما هو. والمنزل ما زال صامتاً. لكن الخوف… لم يعد كما كان. احتضنته بهدوء، وشعرت أن الطمأنينة لا تصنعها البطانيات، ولا الكشافات، ولا الحكايات التي نخترعها. بل تصنعها اليد الصغيرة التي تمتد إلينا عندما نظن أننا وحدنا وفي تلك الليلة، نام الشقيقان تحت البطانية نفسها. أما الوحش… فربما لم يكن يسكن تحت السرير قط. بل كان يسكن داخل الخيال، ويختفي دائماً عندما يجد القلب من يطمئنه.
أبو الحسنين الدعساوي
داود سلمان عجاج
التعليقات