شرقي .. عذابات
حين يكون الجرح هو المدان
منذ المشهد الاستهلالي للعرض المسرحي “شرقي .. عذابات” تشعر أنك قبالة عمل لن يكون عنوانه ثريا، ولا تتوقع أن عذاباته لها جهة واحدة، فالواقع الموسيقي وذاك الفتى المستهلّ يبشّر بفوضى حزن غير مستقر عند جانب يسمح بالاستقرار.
هكذا أنا كمتلقّ، ليس بي وقت لأعاود التفكير، فقد قرأت (فولدر) العمل وسأذهب لأبعد من خيارات المخرج أو من شارك في تقديم هذا العرض.
ليس بالضرورة وكما يقول (دانييل أوغاري) بأن اللافتات دائماً ما تشير للمكان والحدث، ففي العمق هناك مخابىء للذي علّق اللافتة، وعليه توقعت أن (آل خيون) لديهم ما يخبئونه خلف هذه اللافتة.
السكّير، إحدى أهم (الكاركترات) المسرحية التي تحتاجها الأعمال المسرحية، لتتملّص من الخطاب الإحتجاجي وتلقي بالتهمة على ذاك السكّير خلال التلقي، وحتماً لا أقصد التملّص من الرقيب الذكي ومن يمتلك منظومة تلق خاصة تعرف ماذا يريد الكاتب أو المخرج إيصاله، والكاتب هنا هو أحد الكتّاب الذين يجيدون المراوغة من دون قصدية التضليل.
بداية لا بد من القول: ليس بالضرورة أن كلّ عمل لابد أن يكشف هويّة خطابه، ولكن لا بد من خطاب غير مشتّت يجعل المتلقي لا يضيع في دوامات التأويل، وهكذا سار هذا العمل، خطاب إحتجاجي واضح: لا شرقيّ ولا غربيّ، فالوطن مركز عظيم والخونة هامش صغير لا بدّ منه، وعلى هذا الأساس إنطلق خطاب السكّير الذي لا غيره يمكنه المسك بتلابيب حوار لا يشذّ عن القاعدة، والرائع أن الشخصية أسندت لأحد قياصرة المسرح العراقي، وأقصد الكبير (عزيز خيون) الذي سأترك له هنا إنحناءة كبيرة.
العمل جاء بصيغة إنثيالات كتابية تحاكي مأساة العراق والمأزق الكبير الذي وقع به، حين صار بين إحتلالين، في كل صبغة إحتلال ثمة ألوان يكشفها “موشور” المخرج الذكي (حسن خيون) الذي مازج أو زاوج ما بين كلاسيكيات العرض المسرحي وما بعد حداثته، ففي العمل من وجهة نظري ما يتجاوز الحداثة نفسها، وحتماً ما جاء ذلك من فراغ بدلالة أن العرض نزل للخشبة بمنطادين مختلفين وأقصد المنطاد العراقي والمنطاد البلجيكي.
في كل جزئية من تراكمات العرض لابد من التوقف عند الكبير (عزيز خيون) الذي كان رائياً وراوياً ومحتجاً ومؤمناً بصيرورة الأحداث، واقعية كانت أو متخيلة، ففي الأداء والروي هناك ما يوصل الفكرة، ولكن عزيز خيون كان رائياً أيضاً، حتى أنه جسّد الدور وكأنه يعيش اللحظة كما هي من دون تزويق أو مغالاة في رسم الواقع.
لم يكن حسن خيون مخرجاً تقليدياً، حتى وإن استعار بعضاً من تقنيات (الجومباسيقية) التي وظفها في أداء فتيته الأدواتيين، فهو فرض سيطرته على رتم الحوارات، ولم يضع معرقلات توصيل من أجل فخّ إرباك المتلقي، بل تركنا قبالة نص منساب يعرقل نفسه بنفسه، ويدفع المتلقي للسكون وإنتظار الحوار التلقائي من فم الرواة، وما أكثرهم في النص.
ليس في العادة أن يخبرنا العرض المسرحي بكل ما نريد سماعه أو رؤيته، ولكن يتحتم عليه أن يدلنا على مقاصد الفعل التراتبي للعمل، وهو ما اشتغل عليه الكاتب بحواراته والمخرج بتقنياته، فالعذابات داخلية ونابعة من شرقيتنا، ولكنه لم يهمل إخبارنا أن المحرّك أو المؤجج لنيران تلك العذابات هو الخارج المتغطرس الوقح، الذي يستغل خواء شرقيتنا من التراصّات والعمق في التفكير، فيزرع في طرقاتنا مطبات تؤدي لتفرقتنا.
ليس في العمل تلخيص لمأساة صغيرة، ليس في العمل تبرئة لشخص أو كيان أو مذهب أو قومية، كل ما في العمل هو إحتجاج كبير وإدانة عالية القسوة لشرقيتنا المفككة التي سمحت للغرب بأن يزيد من عذابتنا ويجعلها شرقية المصدر.
ختاماً: هكذا أعمال لابدّ وأن ننحني لها، حتى مع ترك تحفّظات عدّة، فذاك أمر مفروغ منه، فلسنا هنا في حفل جوائز لنمنح التكاملية، بل لا بد من تحية من يعطينا شارة إنطلاقة جديدة، والتحية هنا توجه للجميع بصورة عامة، وللكبير عزيز خيون وهو يجبرنا على ألف انحناءة وانحناءة بعد أن ترك الدهشة علامة فارقة بوجوه المتلقين من خلال الأداء طوال ساعتين من العرض .. لم يكلّ أو يتعب في تأدية دور يحتاج للياقة عالية، لم يبخل علينا بها وهو الذي تناوش الثمانين من عمره، ولحفظ يحتاج لذاكرة (مفرمتة) كي يحفظ مثل هذا الحوار الطويل والعميق، وحتماً للمخرج الشاب الذكي والمتفتّح إخراجياً وتكتيكياً في المعالجات المجاورة للنص المبدع (حسن خيون) ولمن كان له الحضور من نجوم وشباب وشابات وهم المبدعون طه المشهداني وبهاء خيون وأمير احسان وإسراء رفعت وسجاد علي وحسن قاسم وحسن أمين ولطيف مزهر وحسين خير الله، وللكوادر الفنية من دون استثناء.
وحتماً لا يمكن إغفال الدور الكبير والبهيّ لنقابة الفنانين ودائرة السينما والمسرح بقيادة المتوهج الدكتور جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين ومدير عام دائرة السينما والمسرح، وكوادره التي ساهمت بتقديم هذا العرض المبهر.
ميرفت الخزاعي
د. اسماعيل مروة
أسعد الجوراني
التعليقات