يد تملأ الكأس

صورة الكاتب
بقلم: حسين عباس عزيمة
التاريخ: 12 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2871
يد تملأ الكأس

يد تملأ الكأس

وحيدًا في حانة هوازن كجثةٍ نسيت تحت الأنقاض، لا شاهد عليها سوى الغبار ،المتطاير ،من تحت اقدام المارة. الطاولاتُ صامتة كوجوه الجالسين ، والكؤوس فارغة كقلبي بعد منتصف الليل. لا نديمَ يرمي الثلج في الكأس، ولا ساقي يلمّع الوقت بابتسامةٍ مهنية ،لكي يسرق مني وحدتي.
لكن الحزن في هذه الحانة ،يطغو على (انسانية المكان)
كنتُ أنا النديم، وأنا الساقي، أصب لنفسي ما تبقى من روحي وأشرب على مهل كي لا أفقد الذاكرة دفعةً واحدة.
جلستُ قبالة نفسي. كانت تشبهني، لكن بعينين صادقتين.
قالت لي
الرجال لا ينهزمون في الحروب، بل في الحانات الصغيرة عندما يطول الصمت
لم أجبها.
هكذا تعلّمت، كنتُ أخشى أن يسمعني الخراب وأنا أعترف، الكلمات الكثيرة تفضح الضعف، والقليل منها كأم تنتظر في المحطة عودة ولدها من الحرب.
بدأت الساعة ترتعش وتصدر صوتاً غير صوتها المعتاد ، كصوت جلجلة الافعى عند انقضاضها على الفريسة ،
والليل ينزلق من السماء ككحلة عين باكية ، ينتظر أن أضع رأسي على الطاولة. رأيتُ الثلج يتساقط داخل الكأس من دون يد ، راودني الامان، كأن الشتاء نفسه جاء ليشاركني الشراب.
شربت،لم أسكر، لكن روحي أصبحت أخفّ، بدأ الواقع يتراجع خطوة، وترك لي مساحة أتنفس فيها.
حين قررتُ المغادرة، ارتفع الحزن داخلي مع آخر نشوةٍ أيقظت الماضي.
ولم يكن هذا الاحساس ليغمر جميع الناس بالطبع ، او على الاقل ذلك النادل الواقف بعيداً يتبختر بقبعته البيضاء ذات الشريط الاسمر وقميصه الابيض ذي الاكمام القصيرة،والبابيون الحريري الاحمر الذي يداعبه نسيم المكان، وسرواله الاسود ذي الطيتين في اسفله وحذائه الروغان الذي يدوس به على وجه الارض!. .
عندما نهضت، لم أكن متأكدًا هل خرجتُ من الحانة أم أن الحانة مازالت عالقة بي كبقية عطر غافي في القميص يتشضئ بين مدار الازرار،
وظلت تمشي معي إلى آخر الطريق…

عن الکاتب / الکاتبة

حسين عباس عزيمة
حسين عباس عزيمة
قاص . شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


يد تملأ الكأس

بقلم: حسين عباس عزيمة | التاريخ: 12 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

يد تملأ الكأس

وحيدًا في حانة هوازن كجثةٍ نسيت تحت الأنقاض، لا شاهد عليها سوى الغبار ،المتطاير ،من تحت اقدام المارة. الطاولاتُ صامتة كوجوه الجالسين ، والكؤوس فارغة كقلبي بعد منتصف الليل. لا نديمَ يرمي الثلج في الكأس، ولا ساقي يلمّع الوقت بابتسامةٍ مهنية ،لكي يسرق مني وحدتي.
لكن الحزن في هذه الحانة ،يطغو على (انسانية المكان)
كنتُ أنا النديم، وأنا الساقي، أصب لنفسي ما تبقى من روحي وأشرب على مهل كي لا أفقد الذاكرة دفعةً واحدة.
جلستُ قبالة نفسي. كانت تشبهني، لكن بعينين صادقتين.
قالت لي
الرجال لا ينهزمون في الحروب، بل في الحانات الصغيرة عندما يطول الصمت
لم أجبها.
هكذا تعلّمت، كنتُ أخشى أن يسمعني الخراب وأنا أعترف، الكلمات الكثيرة تفضح الضعف، والقليل منها كأم تنتظر في المحطة عودة ولدها من الحرب.
بدأت الساعة ترتعش وتصدر صوتاً غير صوتها المعتاد ، كصوت جلجلة الافعى عند انقضاضها على الفريسة ،
والليل ينزلق من السماء ككحلة عين باكية ، ينتظر أن أضع رأسي على الطاولة. رأيتُ الثلج يتساقط داخل الكأس من دون يد ، راودني الامان، كأن الشتاء نفسه جاء ليشاركني الشراب.
شربت،لم أسكر، لكن روحي أصبحت أخفّ، بدأ الواقع يتراجع خطوة، وترك لي مساحة أتنفس فيها.
حين قررتُ المغادرة، ارتفع الحزن داخلي مع آخر نشوةٍ أيقظت الماضي.
ولم يكن هذا الاحساس ليغمر جميع الناس بالطبع ، او على الاقل ذلك النادل الواقف بعيداً يتبختر بقبعته البيضاء ذات الشريط الاسمر وقميصه الابيض ذي الاكمام القصيرة،والبابيون الحريري الاحمر الذي يداعبه نسيم المكان، وسرواله الاسود ذي الطيتين في اسفله وحذائه الروغان الذي يدوس به على وجه الارض!. .
عندما نهضت، لم أكن متأكدًا هل خرجتُ من الحانة أم أن الحانة مازالت عالقة بي كبقية عطر غافي في القميص يتشضئ بين مدار الازرار،
وظلت تمشي معي إلى آخر الطريق…