الحسين ..الجسد الذي صار فكرة
حوار: مع الدكتور حميد الماجدي
تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى
ما الذي يحدث حين يصير الجسدُ فكرة؟ حين تتحول الأضلاعُ المكسورةُ إلى عمودٍ فكريّ، والجرحُ إلى منهجٍ، والرملُ الملطّخُ بالدماء إلى أرضيةٍ خصبةٍ للتأويل؟ هذا هو السؤال الأنطولوجي الذي يفرضه علينا الإمام الحسين بن علي عليه السلام، ليس كشخصيةٍ تاريخيةٍ تُروى، بل كظاهرةٍ وجوديةٍ تتجاوز الزمن والمكان.
في الفلسفة، الجسد هو حدود الذات، مكان العجز والفناء، محكومٌ بالجوع والعطش والموت. لكن جسد الإمام الحسين عليه السلام ، في واقعة الطف، خرق هذا القانون. لم يمت حين سقط، بل انفلق عن معنى. صار الجسد المدمّى دالاًّ على اللاجسد، وصار الألمُ الفيزيائيُّ باباً للمعنى الميتافيزيقي. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن تكون أكثر حضوراً حين تغيب، وأكثر قوةً حين تنكسر، وأكثر خلوداً حين تُقتل. اليوم قد استضاف موقع مجلة الجمان ضيفا عزيزا
الاستاذ المساعد الدكتور حميد أبو لول جبجاب الماجدي والذي بدأنا معه بسؤالنا:
1-كيف يمكن للجسد المادي أن يتحول إلى “فكرة” مجردة وما هي الآليات التي ساعدت في هذا التحول؟
-إن الجسد المادي لا يتحول إلى فكرة بمجرد الموت بل عندما ينجح الحدث التاريخي في تجاوز حدوده الزمنية ليتحول إلى معنى أخلاقي وثقافي متجدد فالخلود التاريخي لا تصنعه النهاية البيولوجية للإنسان وإنما تصنعه القيم التي يجسدها والمواقف التي يتركها في ضمير الإنسانية.
ومن هذا المنطلق فإن استشهاد الإمام الحسين عليه السلام لم يبق مجرد واقعة تاريخية انتهت بانتهاء يوم عاشوراء بل تحول إلى مرجعية أخلاقية وثقافية أعادت إنتاج نفسها عبر الأجيال، لقد انتقل الحسين من كونه جسداً عاش زمناً محدداً إلى فكرة خالدة؛ لأن نهضته جسدت مبادئ العدل والحرية والكرامة ورفض الظلم وهي قيم تتجاوز حدود الزمان والمكان.
قد ساعدت في هذا التحول مجموعة من الآليات أهمها تحول الحدث إلى رمز إنساني وارتباطه بقيم أخلاقية عالمية واستمرار حضوره في الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسلامي وإعادة تفسيره واستلهامه في كل عصر وفق تحدياته وظروفه ولذلك لم تعد كربلاء مجرد ذكرى تاريخية بل أصبحت حدثاً مؤسساً يواصل تشكيل الوعي الجمعي ويمنح كل جيل القدرة على استحضار معانيها في مواجهة الظلم والانحراف.
وبذلك يمكن القول إن الإمام الحسين عليه السلام لم يخلد لأن جسده بقي وإنما لأن الفكرة التي جسدها أصبحت أكبر من الجسد نفسه فغدا رمزاً عالمياً للمقاومة الأخلاقية والحرية والعدالة وأصبحت نهضته نموذجاً تاريخياً يتجدد حضوره كلما تجدد الصراع بين الحق والباطل. لذلك عندما خاطب الإمام الحسين أهل الكوفة قال: :-
” أَيُّهَا الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلا لِحَرَمِ اللَّهِ، نَاكِثًا لِعَهْدِ اللَّهِ، مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ الله، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلا قَوْلٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلَهُ” أَلا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ من غير، قَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلِيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ، أَنَّكُمْ لا تُسْلِمُونِي وَلا تَخْذَلُونِي، فَإِنْ تَمَمْتُمْ عَلَى بَيْعَتِكُمْ تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ، فَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ على، وابن فاطمة بنت رسول الله (ص)، نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيكُمْ، فَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتِي مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنُكْرٍ، لَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا بِأَبِي وَأَخِي وَابْنِ عَمِّي مُسْلِمٍ، وَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصِيبَكُمْ ضَيَّعْتُمْ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ”.
إن هذا الخطاب يختصر سر خلود الإمام الحسين فهو يؤكد أن الإنسان لا يخلد لأنه مات بل لأنه عرف لماذا يعيش وإذا اقتضى الأمر لماذا يموت ولذلك لم يكن استشهاد الحسين نهاية مشروعه بل كان اللحظة التي خرجت فيها فكرته من حدود التاريخ إلى رحابة الضمير الإنساني لتبقى حيةً كلما وقف الحق في مواجهة الباطل.
– 2-هل تقصد بـ”الجسد” الجسد المادي للحسين في كربلاء، أم جسد النهضة ككيان سياسي واجتماعي؟
-حقيقة بان موضوع الجسد في الحركة الإصلاحية للإمام الحسين عليه السلام لا نقصد بالجسد البيولوجي للإمام الحسين عليه السلام فحسب وإن كان هو نقطة الانطلاق التاريخية الأولى للحركة وإنما نقصد أيضا الجسد الحضاري للمشروع الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام الذي تجسد في شخص الإمام وأهل بيته وأصحابه.
إذن فالجسد المادي هو الوجود الإنساني الذي انتهى في كربلاء وهو ما نفهمه بوصفه حدثاً وقع في زمان ومكان محددين أما الجسد الحضاري فهو الكيان المحمدي الرسالي الذي حمل مشروع الإصلاح والتجديد وتجسد في موقف الحسين عليه السلام الرافض لتحويل الخلافة إلى مُلكٍ عَضوض ومن سيء إلى اسوء والساعي إلى إحياء قيم العدل والحرية والكرامة وصيانة الدين المحمدي الحقيقي من الانحراف.
ومن هنا، فإن استشهاد الجسد لم يكن نهاية المشروع بل كان لحظة انتقاله من مستوى الوجود المادي إلى مستوى الوجود الفكري والثقافي. لقد انتهى الجسد بوصفه كائناً بيولوجياً، لكن النهضة بدأت بوصفها منظومة من القيم والمعاني ولهذا لم تعد كربلاء مجرد حادثة تاريخية بل أصبحت مرجعاً أخلاقياً يُستحضر كلما واجه الإنسان الظلم أو انحراف السلطة عن رسالتها وعليه فإن الجسد في هذا السياق ذو مستويين متكاملين: الأول هو الجسد المادي للإمام الحسين عليه السلام الذي قُتل في عاشوراء، والثاني هو جسد النهضة بوصفه مشروعاً إصلاحياً واجتماعياً حمله الإمام ثم واصل حياته في الوعي الإسلامي والإنساني بعد استشهاده. ومن هنا نفهم أن الفكرة لم تنشأ من غياب الجسد بل من أن الجسد جسّد مبدأً تجاوز حدوده الفردية، فتحول إلى رمز تاريخي وقيمة إنسانية متجددة. فكانت وصيته التي أعطاها إلى أخيه محمد بن الحنفية وصية الامام الحسين التي سلمها إلى اخيه محمد بن الحنفية التي جاء فيها
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به الحسين بن على بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية: أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، جاء، بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي على بن أبي طالب عليهما السلام، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب.
وهذه الوثيقة التاريخية التي يحصر فيها عليه السلام هدف ثورته بـأنه إنما خرج لطلب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة جده وأبيه.. من أهم الوثائق التأريخية التي حفظت للثورة سطوعها وصفاءها.
لذلك يمكن القول إن سر الخلود لا يكمن في بقاء الجسد وإنما في قدرة الجسد على أن يكون وعاء لمعنى يتجاوز ذاته ولهذا لم يكن الحسين عليه السلام جسداً انتهى بالموت بل جسداً حمل رسالة بقيت بعد رحيله فتحول من وجود مادي محدود إلى فكرة حضارية مفتوحة على جميع الأزمنة.
– 3-ما هي المرحلة التي حدث فيها الانتقال من الحسين كشخصية تاريخية إلى الحسين كقيمة إنسانية عالمية؟
-ليس كل ميلاد يبدأ بالولادة الجسدية وليس كل موت نهاية للحياة فالتاريخ يعلمنا أن هناك شخصيات تبدأ حياتها الحقيقية عندما تنتهي حياتها البيولوجية لأن أثرها يتجاوز حدود الزمن وتتحول من أفراد عاشوا في مرحلة معينة إلى قيمٍ حية تسكن ضمير الإنسانية
فالشمعة لا تؤدي رسالتها إلا عندما تحترق إذ إن احتراقها ليس فنائها بل بداية عطائها وكلما تناقص جسدها ازداد نورها حتى يصبح احتراقها شرطاً لوجود الضوء وكذلك البذرة فهي لا تتحول إلى شجرة إلا بعد أن تتلاشى صورتها الأولى في أعماق الأرض وكأن موتها هو ميلادها الجديد والبيضة أيضاً تفقد شكلها الأول ليولد منها كائن حي فيتحول الفناء الظاهري إلى حياة أوسع وأغنى. وهذه سنة من سنن الوجود فالحياة العظيمة كثيراً ما تنبثق من رحم التضحية، والخلود يولد من قلب الفناء.
إن الانتقال من الحسين عليه السلام بوصفه شخصية تاريخية إلى الحسين بوصفه قيمة إنسانية عالمية لم يحدث في لحظة واحدة وإنما مر بمرحلتين متكاملتين:
1-في يوم العاشر من محرم استشهد الإمام الحسين عليه السلام لكن في الوقت نفسه ولدت الحياة الرمزية للحركة والنهضة الحسينية ففي تلك اللحظة تحولت التضحية من واقعة تاريخية إلى رسالة أخلاقية وانتقل الحسين من كونه قائداً يخوض مواجهة سياسية وإصلاحية إلى رمز يجسد قيم العدل والحرية والكرامة.
2-لم تصبح النهضة الحسينية قيمة إنسانية عالمية بمجرد وقوع عاشوراء بل من خلال تراكم الوعي بها وإعادة استحضارها وتفسيرها جيلاً بعد جيل فقد حفظتها الذاكرة الإسلامية ونقلتها خطب السيدة زينب والإمام علي بن الحسين، ثم كرستها الكتابات التاريخية والأدبية والفكرية الواعية حتى تجاوزت إطارها الإسلامي لتغدو رمز إنسانياً للمقاومة الأخلاقية في مواجهة الظلم.
ومن خلال ما ذكر أعلاه فإن عاشوراء كانت لحظة ميلاد الفكرة أما التاريخ اللاحق فكان مرحلة نضوجها وانتشارها فهناك فرق بين ولادة الرمز وبين تحوله إلى مرجعية إنسانية عالمية فالولادة تمت يوم الاستشهاد أما العالمية فقد تشكلت عبر قرون من التفاعل مع القيم التي جسدتها النهضة الحسينية.
-4-ما الفرق بين استلهام فكرة الحسين في المذهب الشيعي، وبين استلهامها في الأدب والثقافة العربية والعالمية؟
-إن الفرق بين استلهام فكرة الإمام الحسين عليه السلام في المذهب الشيعي وبين استلهامها في الأدب والثقافة العربية والعالمية من خلال طبيعة المرجعية التي ينطلق منها كل منهما لا في شخصية الامام الحسين والقيمة التي يمثلها الإمام الحسين مثلاً في الرؤية الشيعة ينظر إلى الإمام الحسين عليه السلام بوصفه إماماً معصوماً واجب الطاعة وامتداداً للرسالة المحمدية في خط الإمامة ومن ثم فإن نهضته تفهم في إطار العقيدة والرسالة الإلهية ولذلك فإن إحياء ذكرى واقعة الطف لا يقتصر على استذكار حدث تاريخي بل يمثل تجديداً للولاء للقيم والاخلاق التي جسدها الإمام والارتباط بالمشروع الإصلاحي على مر التاريخ.
أما في الأدب والثقافة العربية والعالمية فإن الحسين يقرأ غالباً بوصفه رمز إنسانياً يتجاوز الانتماءات الدينية والمذهبية فالكاتب أو الشاعر أو المفكر قد لا ينطلق من الإيمان بعقيدة الإمامة لكنه يجد في شخصية الحسين نموذجاً عالمياً للإنسان الذي ضحى بحياته دفاعاً عن الحرية والعدالة والكرامة ورفض الظلم. ولذلك أصبحت كربلاء حاضرة في النتاج الأدبي والفكري بوصفها رمزاً للمقاومة الأخلاقية والانتصار للمبدأ، لا بوصفها قضية تخص جماعة بعينها
ومن أبرز النماذج الثقافية العربية التي استلهمت شخصية الإمام الحسين عليه السلام الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد من الطائفة الصابئية الذي جعل من الحسين رمزاً للكرامة الإنسانية والثبات على المبدأ ولم يتعامل مع كربلاء بوصفها مجرد واقعة تاريخية أو مناسبة دينية بل بوصفها حدثاً حضارياً متجدداً ففي عدد من قصائده يستحضر الحسين بوصفه الضمير الذي يوقظ الأمة حتى غدا الحسين في شعره معياراً أخلاقياً تقاس به المواقف في مواجهة الظلم.
قَدمتُ .. وعَفْوَكَ عن مَقدَمي
حسيراً ، أسيراً ، كسيراً ، ظَمي
قدِمتُ لأحرِمَ في رَحْبَتيْك
سلامٌ لِمَثواكَ من مَحرَم ِ
فَمُذْ كنتُ طفلاً رأيتُ الحسين
مَناراً إلى ضوئهِ أنتَمي
ومُذْ كنتُ طفلا ًوجَدتُ الحسين
مَلاذاً بأسوارِهِ أحتَمي
-5هل هناك شخصيات أخرى في التاريخ تحولت أجسادها إلى أفكار (كالمسيح أو غاندي)؟
يقوم التاريخ على مبدأين أساسين هما الترابط والتغير؛ فالأحداث الكبرى لا تنشأ بمعزل عن سياقاتها، بل ترتبط بما سبقها وتؤثر فيما يليها، لتغدو حلقات متصلة في مسيرة التاريخ، يقول هيغل في كتابة العقل في التاريخ “التاريخ ليس مجموعةً من الحوادث المنفصلة، بل هو عملية مترابطة يتكشف فيها العقل عبر الزمن”.. كما أن التغير يمثل قانوناً يحكم حركة المجتمعات، إذ يدفعها إلى تجاوز حالات الجمود عبر الصراع والإصلاح والتجدد وفي ضوء هذين المبدأين، لا يمكن النظر إلى ثورة الإمام الحسين عليه السلام بوصفها واقعةً تاريخيةً انتهت في عاشوراء بل بوصفها حدثاً مفصلياً أحدث تحولاً عميقاً في الوعي الإسلامي والإنساني، فتحول الجسد الذي استُشهد في كربلاء إلى فكرة خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان. ومن هنا تنطلق هذه الندوة الموسومة الحسين… الجسد الذي صار فكرة لقراءة النهضة الحسينية باعتبارها مشروعاً تاريخياً وفلسفياً متجدداً، يكشف أن التاريخ لا يخلد أصحاب القوة، وإنما يخلد أصحاب الرسالة والمعنى، وأن كربلاء لم تكن نهاية رجل، بل بداية فكرة ما زالت تصنع الوعي وتلهم الأحرار في كل عصر.
لقد مات سقراط، لكن فلسفته بقيت.
وصُلِب المسيح عليه السلام، وبقيت دعوته.
ورحل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن رسالته انتشرت في الآفاق.
واستشهد الإمام الحسين عليه السلام، غير أن نهضته بدأت تؤثر في التاريخ بعد استشهاده أكثر مما أثرت في أيام حياته:
وهنا نصل إلى قاعدة فلسفية مهمة:
إن التاريخ لا يخلد أصحاب القوة، وإنما يخلد أصحاب المعنىز
-6-لو لم يقع الجسد في كربلاء، هل كانت الفكرة ستنطلق؟ بمعنى: هل كانت الحاجة لفداء الجسد ضرورية لولادة الفكرة؟
ليس الخلود في التاريخ مرادفاً لطول العمر ولا يقاس بعدد السنوات التي يعيشها الإنسان وإنما بقدرته على إنتاج معنى يتجاوز حدود وجوده المادي فكم من ملوكٍ امتلكوا الجيوش والإمبراطوريات ثم أصبحوا أسماءً في بطون الكتب وكم من أفراد لم يملكوا سوى موقف أخلاقي واحد فصاروا جزءاً من الضمير الإنساني ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحركة الحسينية الإصلاحية ليس: كيف استشهد الإمام الحسين؟، بل كيف تحوّل استشهاده إلى فكرة باقية تتجدد في كل عصر؟
إن هذا التحول من الجسد إلى الفكرة لا يمثل وصفاً أدبياً أو مجازاً بلاغياً وإنما هو مفهوم يمكن مقاربته من خلال فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع التاريخي ودراسات الذاكرة الجماعية فالأحداث الكبرى لا تخلد بمجرد وقوعها بل عندما تنجح في التحول إلى مرجعية أخلاقية وثقافية قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل الوعي الجمعي وعليه فإن كربلاء ليست مجرد واقعة تاريخية انتهت بانتهاء يوم عاشوراء، وإنما هي حدث مؤسس استمر في تشكيل الضمير الإسلامي والإنساني عبر القرون حتى أصبح الإمام الحسين عليه السلام رمزا عالميا للمقاومة الأخلاقية والحرية والعدالة.
وعليه فإن الإجابة الأدق هي أن فداء الجسد لم يكن شرطاً منطقياً لوجود الفكرة، ولكنه كان في سياق كربلاء الشرط التاريخي الذي منحها خلودها وجعلها تتحول من مبدأ أخلاقي إلى رمز حضاري خالد ولهذا فإن ما بقي في ضمير الإنسانية ليس حادثة الاستشهاد مجردة بل المعنى الذي كشفه ذلك الاستشهاد وهو أن المبادئ الكبرى لا تثبت صدقيتها بالكلام وحده وإنما بالاستعداد لدفع ثمنها مهما كان عظيماً. وهذا ما قدمه الحسين عليه السلام لنهجه المحمدي الأصليز
– 6-كيف نحمي الفكرة من أن تصبح شعارات جوفاء، ونحافظ على روح التضحية التي اختُزلت في الجسد؟
لقد اعتاد كثير من الناس أن يتناولوا كربلاء بوصفها مشهداً تاريخياً فيتحدثون عن السيوف والرماح وعن الدماء والأجساد وعن تفاصيل المعركة وهذه جميعها تمثل ظاهر الحدث، لكنها ليست كل الحقيقة. فالحسين عليه السلام لم يرد للأمة أن تحفظ تفاصيل المأساة بقدر ما أرادها أن تعي فلسفة الموقفز
إن من أكبر الأخطاء في تناول واقعة كربلاء أن تختزل في بعدها المأساوي وحده فتغيب رسالتها الفكرية والحضارية فالمأساة كانت وسيلة لإظهار الحقيقة وليست الحقيقة نفسها وكانت التضحية أداة لإحياء القيم،لا غاية بذاتها لذلك فإن الانشغال بالمشهد العاطفي وحده من دون الوقوف عند المشروع الفكري الذي حمله الإمام الحسين عليه السلام، يفضي إلى تقديم قراءة ناقصة للنهضة الحسينية ويجعل الجمهور يتفاعل مع الألم أكثر مما يتفاعل مع الفكرة التي صنِع ذلك الألم من أجلها. إن كربلاء ليست مجرد قصة استشهاد وإنما مشروع إصلاح وثورة وعي وإعادة بناء لمفهوم الإنسان الحر الذي يرفض الظلم ويؤسس للعدل والكرامة ومن هنا ينبغي أن ينتقل الخطاب الحسيني من الاقتصار على استحضار المأساة إلى استنطاق الفكرة ومن البكاء على الحدث إلى فهم الرسالة التي أرادها الإمام الحسين أن تبقى حية في ضمير الإنسانية.
وختاماً السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين وعلى السائرين على نهج وفكر الإمام الحسين.
الخاتمة:
الحسين لم يقتل في كربلاء، بل وُلد هناك. وُلد كفكرةٍ عصيّةٍ على الموت، كسؤالٍ مفتوحٍ عن العدل، والحرية، والمواجهة، والخلاص. كلُّ زمانٍ يقرأه حسب جراحه، وكلُّ أمةٍ تراه على مقاس ظلمها. هو ليس نصاً مقدساً يُتلى، بل نصاً مفتوحاً يُكتَب بإعادة التفسير. لذلك، حين ننظر إلى الحسين، نحن لا ننظر إلى ماضٍ مضى، بل إلى مستقبلٍ يترقّب، وإلى مرآةٍ تعكس حاضرنا الهشّ إنها رحلة الجسد الذي صار رمزاً، والحدث الذي صار منهجاً، والتراجيديا التي صار ملحمةً. رحلةٌ من الحسيّ إلى المعنويّ، من التاريخيّ إلى الأسطوريّ، من الخاصّ إلى الكونيّ. ففي كلّ ثورةٍ ضد الطغيان، وفي كلّ وقفةٍ في وجه الباطل، وفي كلّ نفسٍ يختار العطشَ على الرضا بالهوان، هناك روحٌ من روح الحسين، وجسدٌ من جسد تلك الفكرة التي لا تُقهر.
نبذة عن الضيف:
الاستاذ المساعد الدكتور حميد أبولول جبجاب الماجدي
قسم التاريخ_كلية التربية الأساسية_جامعة ميسان
دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر_جامعة المنصورة جمهورية مصر العربية
ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر_جامعة بنها_جمهورية مصرالعربية
اللقب العلمي:أستاذ مساعد منذ عام 2023
الوظيفة الحالية: تدريسي في قسم التاريخ_كلية التربية_جامعة ميسان.
.
د.عصام المعمورية
التعليقات