الشيخ فارس

صورة الكاتب
بقلم: د. اسماعيل مروة
التاريخ: 25 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3430
الشيخ فارس

 

فنجان القهوة أمامه. تناول منه رشفة، تبعها بأخرى، وحرّك لسانه الجاف الهرِم في جوفه المتّسع كمغارة، الفارغ من كل ما يؤنس، والذي أشبه ما يكون بحيٍّ مهجور منذ مئات السنين. حرّك لسانه بما يظهر أنه لم يتذوّق طعم القهوة التي يشربها؛ لأنها، كما يبدو له، غير طيبة.

في الوقت نفسه، كانت الموظفة الشابة قبالته تحتسي قهوتها بنشوة، وتحادث مستخدم الدائرة:

ـ سلمت يداك يا أبا عادل، قهوتك لا يوجد أطيب منها. أنتظرها من الصباح إلى الصباح، لا أستمتع بقهوة مثل متعتي بقهوتك…

تناولت رشفة أخرى وقالت:

ـ الله، ما أطيبها!

وتوجّهت بحديثها إليه، إلى المستحاثة البشرية التي تقبع أمامها بلا حراك:

ـ أليس كذلك يا دكتور؟

لم يردّ عليها، كأنه لم يسمع. فمنذ مدة غير قليلة وهذا الدكتور جارها في المكتب. هي لا تعرفه، وربما كانت تكرهه؛ فقد جاء مكان زميلها الشاب الأعزب الذي كانت تطبخه على نار هادئة لتجعل منه عريس السعد. وفي ليلة ظلماء جاء هذا الدكتور، هبط ليحلّ مكان صديقها الوسيم الذي لملم أوراقه على عجل وغادر المكتب، ولم تره بعدها إلا لماماً.

وآمنت بأن حظها السيئ هو الذي ساق الدكتور إليها، فقضى بذلك أن تعيش سنوات أخرى دون أن تتمتع بشبابها.

وبما أن هذه السنوات هي قمة نضجها وأنوثتها، فقد أيقنت أنها ستعيش عزباء طول عمرها، ما دام هذا الشاب يتلاشى ويضيع هباءً إلى جوار هذا الركن الجليدي الذي يمتد إلى العصور الحجرية.

لم تجد مفراً، فسلّمت بالأمر الواقع الذي فُرض عليها فرضاً، فألفته مع الأيام، وأصبحت تلاطف حضرة الدكتور…!

ومع ذلك، لم يتبيّن طعم القهوة إلى اليوم. فما يزال يحرّك لسانه في فمه، وكأن لسانه يبحث عن طعم القهوة الذي فرّ منه في أطراف المغارة الواسعة.

فهو منذ غادر ذلك القبو المعتم لا يحسّ بطعم، ولا يشعر بأحد، ولا يستسيغ شكلاً مهما كان جميلاً، وهو قلّما يتحدث، مع أن سيماء الفلسفة بادية على وجهه.

ارتطم وجهي بالأرض.

لقد صفعني.

أجل، صفعني.

ـ مع من تتعاون؟

ـ ماذا أدّيت من المهام؟

ـ معلومات معينة نريد أن نعرفها بالتحديد. كيف استطعت أن تحصل على الدكتوراه، وبمرتبة الشرف، وأنت غير متفرغ للدراسة؟

ـ وكيف تهيّأ لك أن تدرس كل هذه الدراسة وعندك كوم من الأولاد، ونحن أمامك، متفرغون للدراسة تماماً، ولا نقدر على تجاوز الثانوية؟

أحسست في تلك اللحظة أن شيئاً من أسناني قد تحطّم، وشعرت بحرارة الدم ولزوجته في فمي، مع نداء هذا الرجل الثاني:

ـ يا أستاذ، تفضّل، انطق هذه الجوهرة، فإلى الآن لم تقل شيئاً.

ـ لا يا سيدي، لقد قلت كل شيء. فأنا تلميذ في مدرسة المتنبي، أحبه كثيراً. أرجو ألا تخبر أحداً بهذا الحب، فأنا أحبه أكثر من أبي، لذلك امتثلت أقواله وأحببتها. وأنتم تعرفون يا سيدي، وهذا من منسياتكم، أن المتنبي قال:

«إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم.»

لذلك درست، وزوجتي صبرت، واكتفت بأقل القليل، وتقديراً لصبرها أهديتها كتابي الأول، وأظنكم قرأتموه قبل أن يقرأه أحد، وربما قبل أن أكتبه.

ارتطم وجهي بالأرض ثانية، وارتفعت قدماي في الهواء. شيء ما بدأ يهوي عليهما، لست أعرفه، لكنني لم أعد أشعر بما يجري حولي، حتى أفقت من نومي، من غيبوبتي، ولم أعرف إلى الآن في أيّهما كنت. لكن أول شيء بادرني بعد أن أفقت من غيبوبتي قوله:

ـ أنت تتعامل مع أناس معينين، من هم؟

ـ حتى المطعم الفخم الذي افتتح في حارتكم شكا من أنك لم تأكل فيه مرة واحدة، بل لم تشتر منه أي شيء. أنت تتعامل مع أصحاب الدكاكين أمثالك في الحارات الأخرى. فمن هم؟ وبماذا تتعاملون؟

ـ إن مرتبي…

قبل أن أتمّ قال:

ـ لا تتذمر، كلكم تقولون هذا. دخلكم مدروس جيداً.

ـ ليس بمقدوري يا سيدي.

ـ نعم؟ إن لم تأكل أنت، فمن الذي سيأكل فيه إذاً؟

ـ ليس ذنبي.

ـ وما ذنبه هو؟ فتح في حارتكم مثل هذا المطعم ليجعلكم في مصاف الحارات الراقية!

ـ لا أستطيع.

ـ إن لم تستطع أنت، فمن غيرك يقدر على الشراء؟

ـ إن ما عنده لا يناسبني، أسعاره مرتفعة، هو للأكابر. هم يقصدونه من الحارات الأخرى، فماذا يضيره إن أكلت أو اشتريت؟

ـ إنك تسهم في دمار الاقتصاد في حارتك لصالح الحارات الأخرى.

ـ أهذا كله من صحن الفول الذي أشتريه؟!

ـ نعم، فهذه جريمة يعاقب عليها القانون، ويبدو لي أنك خصم عنيد وبحاجة إلى تأديب جيد وجاد.

انهال عليّ ضرباً وشتماً ولعناً…

بكيت أكثر ما بكيت عندما شتم أمي، فقد شتمها حين قال لي:

ـ يا ابن العـ… يا ابن القـ…

كل شيء يهون إلا أن يشتم أمي. أهل الحارة يحلفون باسمها وشرفها، فقد كانت، رحمها الله، تقرأ القرآن كل ثلاث ليالٍ، عدا الأوراد والأدعية التي تتلوها على مسامعنا مساءً منذ وفاة والدنا.

أمي لا تغادر المنزل إلا لحاجة ضرورية، وأنا لا أحتمل أن تُشتم أمي. فليجلدني، ليقتلني، لكن ليس له علاقة بها. يجب ألا يشتمها.

بعد أن رقدت في قبرها، لا حول لها ولا قوة، وأنا أقل من أن أدافع عنها، وهي من هي، من العظمة والرفعة والكبرياء…

لم يشعر الدكتور إلى الآن بطعم القهوة الذي تشعر به هذه الآنسة الفتية، وكأني به يطلب إليها أن تذيقه ما تتذوق بلسانها، لعلّه يشعر بما تشعر، لكنه لم يقل. حرّك لسانه من جديد، وجاشت نفسه، وفاضت دموعه:

تقدّم مني أحد أصحاب الجثث الضخمة، وناولني ورقة.

ـ ما هذا؟

ـ أنا لا أجيد القراءة.

ـ إنها حكم قضائي. لقد رأت زوجتي أنني تأخرت عنها كثيراً، والشوق عصف بها، لذلك حكم القاضي بالطلاق، خاصة أن المدة التي سأغيبها هنا لا يعلمها أحد.

صُعقت، وكدت أُجن. زوجتي تطلب الطلاق مني والانفصال عني!

هل انتهيت في نظرها؟

سامحك الله. رهنت عمري كله لك وللأولاد. كل ما أفعله لأجلكم. كم حلفت لي بأنك لن تنظري إلى غيري، وإن متّ لن تتزوجي بعدي!

أمر فظيع، مخيف. أين يسكن الأولاد؟ ماذا يأكلون؟ هل حلّ مكاني رجل آخر؟

سقطت على وجهي من جديد، ومزيد من أسناني طالها التهشيم…

إنها لا تعرف الدكتور حق المعرفة، بل إنها لا تعرف عنه شيئاً، لكنها خمّنت أن يكون شيئاً مهماً، بل أن يكون مهماً جداً.

يرشف من فنجان قهوته رشفة جديدة، يترك يده تعبث ببعض الشعرات التي ما تزال نابتة في قرص رأسه، وأخذ ينظر إلى مكتبه المعدني الصدئ. عليه بعض الأوراق المبعثرة، وزجاجه مشروخ في أكثر من مكان…

مضى على وجودي هنا عام كامل لا أعرف فيه أخبار أولادي. لو أن بإمكاني أن أرسل من هنا رسالة واحدة إلى صديقي الوحيد، الشيخ فارس، هذا الرجل التقي النقي. التقيته مصادفة، حلّ ضيفاً عليّ، واستطعت بوجاهتي أن أجعله شيخاً في الحيّ، يخطب فينا ويعظنا. لقد أحببته كثيراً، وعلى الرغم من شهاداتي، كنت أجلس أمامه تلميذاً.

وكنت أدرك أن دوره الذي أوكل إليه ليس له، كان كثير الأغلاط، كأنه لم يقرأ القرآن مرة في حياته!

عاملته بأدب أمام الناس، وصححت له أغلاطه في جلساتنا الخاصة، أما بعضها الآخر فيندرج تحت وجهات النظر.

آه من هذا المكان! الشيخ فارس جرّبه قبلي، فقد حُمل ذات يوم إلى مكان مماثل، وعاد بعد يومين، وكأن الله جعل مجيئه دليلاً على مجيئي.

عندما عاد، أقمنا له الأفراح. نساء الحي زغردن لعودته، والرجال اجتمعوا؛ فالشيخ فارس خطيب مفوّه، جريء لا يسكت عن قول كلمة الحق مهما كان الأمر.

فور عودته هرعت إليه، وبعد الاحتفال به، سأله أحد المتطفلين عن غيبته وكيف كانت، فأجاب:

ـ دكتور، لقد سألوني عنك.

ـ ماذا؟

ـ لا تخف. لقد شهدت فيك شهادة طيبة تستحقها. العجيب أنهم يعرفون عنك كل شيء، فقد عرضوا عليّ آخر أبحاثك التي تتحدث فيها عن التصحر وخطر قطع أشجار الحقول وعدم جدوى تشجير الجبال.

ـ ماذا؟

ـ لكنني بيّنت لهم أنك على علم واسع، وأنك تعي ما تقول وتتحمل مسؤولية عملك برجولة…

نزلنا من بيت الشيخ، وعند أسفل الدرج كانت الكارثة. جيء بي إلى هنا، ولم أرَ النور بعد ذلك…

كان الشيخ فارس عند أعلى الدرج. نظرت لأتبيّن علاماته، فلم يظهر منها شيء. لقد أشاح بوجهه، والتفت إلى داخل البيت ودخل بصمت.

صرخ في وجهي:

ـ إذاً أنت من قال هذا الكلام؟

ـ قلته؟ لم أقله. قلت مثله. قلته للشيخ فارس، كنت معه، لم يسمعنا أحد…

ـ دعنا منك ومن هذا الشيخ، نحن لا نعرفه. أنا أناقش معك موضوعاً محدداً، هو أنت. لماذا قلت ما قلت؟ هل فهمت؟

اختلطت الأمور في ذهني. كيف وصلتهم إن لم يكن هو من قال لهم؟! ولمّا انتابتني فترة السكون هذه، تهيأ لمن يسألني أنني أملك معلومات لا أريد البوح بها، فدفعني بعنف…

سقطت على وجهي، وتكسّر المزيد من أسناني. أحسست بورم في شفتي، وتوقف الإحساس فيّ مدة لا يعلمها إلا الله وهؤلاء الذين يحيطونني بالرعاية والحماية منذ دخلت هذا المكان.

لقد دار بيني وبين الشيخ فارس حديث طويل، قلت فيه:

ـ إن الأشجار التي في حقولنا تصلح لصنع البواريد، وهذه المعلومة عرفتها من دراستي. فأنا أفهم في الأخشاب وأنواعها وصلابتها وخواصها. ولما نُقل الحديث إليهم، فهموا أنني أمدّ أحد مصانع البواريد بهذا الخشب.

قلت لهم عندما سألوني:

ـ انظروا إلى أشجار وادينا، هل قُطع منها أي شيء؟ إن وجدتم شجرة واحدة مقطوعة، وإن كان من قطعها إبليس، فإنني أتحمل وزرها. فما رأيكم؟

جاءني أحدهم وقال:

ـ هذه البارودة أخمصها من نوعية الشجر الذي تعرفه. لا بد أنك المزوّد لهذا النوع من الخشب.

سقطت على وجهي من جديد. لم يحدث أي شيء هذه المرة.

أيقنت أن أمر أسناني انتهى، وليس هناك من داعٍ للقلق والخوف. إن الرغيف كله يستطيع أن يركض في فمي بسهولة بعد أن زالت السدود أمامه، لكن أين مني ذلك الرغيف؟!

منذ مدة يقبع الدكتور في هذا المكتب، لا يراه أحد ولا يرى أحداً. كل ما يفعله تدقيق بعض الأوراق المبعثرة التي لا قيمة لها، تنحصر في كميات الصابون اللازمة للاستخدام والتنظيف في مبنى الوزارة التي كان يطمح أن يكون وزيراً لها لو أن الأمور تسير بشكل صحيح، كما يدّعي…

ويشرف أيضاً على غيرها من القضايا التافهة التي تتعلق بالشطف والكنس والمستخدمين، ويقوم بهذا العمل بهمة عالية، وكأن الأمر عادي للغاية.

فهو مؤمن، أي الدكتور، بأن الإنسان يجب أن يؤدي واجبه في أي مكان كان، وفي أي ظرف كان. ولولا هذه النفسية الطيبة التي يحملها، ما استطاع أن يتحمّل ما هو فيه من مذلّة ومهانة.

الباب يُفتح فجأة. يبدو الرجل الجسيم، ويدفع رجلاً آخر داخل القضبان، فيصطدم بي. يرفع وجهه، يتأكد مني، ثم يعانقني:

ـ دكتور! منذ متى أنت هنا؟

ـ أبو فهد؟ من أتى بك إلى هذا المكان؟

ـ والله يا دكتور، القصة طويلة، لكن باختصار:

جاءني الشيخ فارس منذ شهر، أخذ مني مبلغاً ليوزعه على الفقراء بمعرفته، كما هي العادة التي تعرفها منذ أتيت بالشيخ فارس إلى الحيّ. أعطيته المبلغ وحصته فوقها، لكن حدث له ما حدث قبل مجيئك بيوم… أخذوه، شنّطوه، يا حرام، أهانوه وضربوه، لكنه كان شهماً، لم يتجنّ علينا. لقد قال ما يعرفه فقط. لقد شهد بي شهادة جيدة، ولم يأخذوا شهادته بعين الاعتبار، فأتوا بي إلى هنا…

لقد حاول الشيخ فارس جهده في أن يصلح الأمور، فلم يقدر…

تصور يا دكتور، الشيخ فارس ضحّى وتزوج زوجتك بعد أن أصبحت وحيدة…

ـ ماذا؟! امرأتي تزوجت؟

ـ نعم.

ـ ظننت أنها طلبت الطلاق لتعمل من أجل الأولاد!

ـ أي عمل؟ لولا وجود الشيخ ما استطاعت أن تحيا شهراً.

ـ هكذا إذاً! جزاه الله خير الجزاء… الأولاد، خبّرني يا أبا فهد، ما هي أحوالهم؟

تلكأ أبو فهد وقال:

ـ الحقيقة يا دكتور، إن الشيخ لم يحتمل الأولاد، وكما تعلم معه حق. فهو رجل نذر نفسه للعلم والدراسة، يعيش على ما يبذله أهل الخير، وليس بإمكانه أن يقوم بالصرف على أولادك. وكذلك هو يجب أن يكون بيته هادئاً، وأولادك، ما شاء الله، كبروا…

ـ يكفي… يكفي…

وضع الدكتور أصابعه في أذنيه وهو يهذي:

ـ حلفت لي أنها لن تتزوج بعدي إن متّ، وتزوجت وأنا حي. قلت لعلّه من أجل الأولاد… لكن الأولاد ليسوا معها. أخشى ما أخشاه أن تنام هي في غرفة والشيخ في أخرى. ليس غريباً، فقد يملك حججاً مقنعة…

انتبه من غفلته وخاطب أبا فهد:

ـ لكن لم تقل لي كيف تم استدعاء الشيخ فارس.

ـ جاؤوا إليه عند منتصف الليل، لبس رداءه وذهب معهم…

ـ وانتظروه حتى لبس؟!

ـ نعم.

ـ كيف؟

ـ إن لم يفعلوا، سيقرأ عليهم ويثبتهم في أماكنهم.

ـ معك حق، إنه من رجال الله…

سمعه يقول لزوجتك، عفواً، لزوجته:

ـ لا تخافي، سأعود بعد قليل.

ـ لقد كان واثقاً من عودته، يعرف أنهم غير قادرين على احتباسه. إنه كان يخمّن المدة التي سيغيبها… إنه قادر على تحديد ساعات احتجازه… إنه من رجال الله، وهؤلاء «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، أليس كذلك؟

ـ نعم يا دكتور، نعم، ولم تمضِ ساعات حتى عاد.

ـ لكن قل لي، كيف كان أهل الحي؟

ـ أصلاء كما تعرفهم. تجمهروا أمام منزل الشيخ فارس، رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً، وضعوا أرواحهم فداءً للشيخ ومبادئه. ولا تسأل يا دكتور عن أنواع الطعام والشراب والمال، وكيف انهالت العطايا على بيته في ساعات غيابه القليلة…!

النسوة أخذن يترنّحن…

رشفت القناة التي قاربت أن تيأس من الزواج رشفة أخرى، وتوجهت بنظرها إلى الدكتور الجالس أمامها، دون أن تقول كلمة واحدة تظهر ما يعتلج بداخله…

من المؤكد أنها لن تطلب منه أن يحبّها. فهو مثقف، حنون ورائع وصموت. إنها لا تطمع في حبّه ولا تريده… أهانته ولم ترَ منه إلا دمعاته كل مرة.

مضت الأعوام بطيئة.

خرج الدكتور من ذلك القبو، وتبيّن أن كل ما قيل فيه ليس حقيقة، فليس هناك مصنع بواريد أصلاً. وتعجّب القاضي العادل من الذين تركوا الدكتور هذه المدة دون النظر في قضيته.

وتقديراً لسلوكه الحسن، لم يُطرد من العمل الوظيفي، إنما أُحيل إلى عمل إداري في الدائرة التابعة لوزارة كان أقوى المرشحين لها قبل كذا من الأعوام.

نظر الدكتور إلى الفتاة التي أمامه بإشفاق، كأنه يعطيها خلاصة شريطه الذي يسترجعه.

عدت إلى الحيّ. كنت أتمنى أبا فهد إلى جواري لنتأكد من كل شيء بأنفسنا. رأيت أولادي وأولاد أبي فهد.

كانت زوجتي متسوّلة بعد أن ضاع الشيخ فارس، وأم فهد تخدم في البيوت بعد أن طالت غيبة الشيخ.

رأيت بعض النسوة يلبسن السواد حزناً على الشيخ.

أهل الحي يرددون الحكاية:

«جاءت سيارة صغيرة، جثمت أمام منزل الشيخ فارس. ترجّل منها شخصان، وبعد مدة خرجا من المنزل والشيخ معهم. لقد أخذوه بعد أن حلقوا لحيته الكثّة، والنسوة يقلن: لم يبدُ الشيخ وسيماً في يوم مثل هذا اليوم.

ومنذ ذلك اليوم لم يعد الشيخ فارس إلى الحيّ، وما زال الحيّ بلا واعظ.

ولما جلست إلى أهلي وأصدقائي وأبناء حيي في المقهى المجاور للمسجد، كان حديثهم الوحيد هو الترحم على الشيخ فارس، الذي، كما ترجّح روايات أهل الحي، مات من أجل كلمة الحق التي آمن بها ونادى لها.

إنهم، أي أبناء الحي، يتحسرون لأنهم لا يعرفون قبراً للشيخ لزيارته والتبرك بترابه، وهو واحد من أولياء الله!..»

في إحدى الأمسيات الشتائية، كنت قادماً لأخبرهم أنني رأيت الشيخ فارساً. رأيته وقد ارتدى جُبّة سوداء ولحية جديدة، فقد صار رجل دين في قرية مجاورة، لكن اسمه قد تغيّر. فهم ينادونه:

ـ أبونا حنّا.

لكن حسرة أهل الحيّ على الشيخ جعلتني أخاف. إن أنا قلت كلمة من البركان الذي اختزنته في عمري الطويل، والذي تأكدت منه البارحة، خفت أن ينالني عقاب يكون أشد وأقوى من العقاب الذي نالني في السنوات التي قضيتها بعيداً عن الحيّ.

رشفت الحسناء التي بدأت شمسها بالغروب رشفة من فنجان قهوتها، ومدّت يدها لتمسح دمعات الدكتور المتحدرة على وجنتيه، وقالت:

ـ نعم يا دكتور، والله إن القهوة مرّة، وأبو عادل لا يحسن صنعها. ما رأيك أن أصنع فنجانين لك ولي، ونشربهما قبل أن ينتهي الدوام؟!

كان يريد أن يطريها بكلماته، لكنها غابت عن ناظريه.

إسماعيل مروة

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. اسماعيل مروة
د. اسماعيل مروة
كاتب وناقد/ سوریا

مقالات أخرى للكاتب

الفحولة بشكلها المستدير

الفحولة بشكلها المستدير

الفحولة بشكلها المستدير بقامة لا تتجاوز المتر ونصف المتر تمددت أم أحمد ،وأسندت ظهرها إلى…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
27 يوليو 2026
اقرأ المزيد
غرام الربيعي امتزاج الحرف بدهشة اللون

غرام الربيعي امتزاج الحرف بدهشة اللون

غرام الربيعي امتزاج الحرف بدهشة اللون حين يقف القارئ أمام شاعر مجيد فإنه يبهر بصوره…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
18 يوليو 2026
اقرأ المزيد
عصافير

عصافير

عصافير صديقي: أكتب لك من قريتي التي أحببتها كثيراً ،من قريتي التي كثيراً ما حضرت…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
12 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الشيخ فارس

بقلم: د. اسماعيل مروة | التاريخ: 25 أغسطس 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

فنجان القهوة أمامه. تناول منه رشفة، تبعها بأخرى، وحرّك لسانه الجاف الهرِم في جوفه المتّسع كمغارة، الفارغ من كل ما يؤنس، والذي أشبه ما يكون بحيٍّ مهجور منذ مئات السنين. حرّك لسانه بما يظهر أنه لم يتذوّق طعم القهوة التي يشربها؛ لأنها، كما يبدو له، غير طيبة.

في الوقت نفسه، كانت الموظفة الشابة قبالته تحتسي قهوتها بنشوة، وتحادث مستخدم الدائرة:

ـ سلمت يداك يا أبا عادل، قهوتك لا يوجد أطيب منها. أنتظرها من الصباح إلى الصباح، لا أستمتع بقهوة مثل متعتي بقهوتك…

تناولت رشفة أخرى وقالت:

ـ الله، ما أطيبها!

وتوجّهت بحديثها إليه، إلى المستحاثة البشرية التي تقبع أمامها بلا حراك:

ـ أليس كذلك يا دكتور؟

لم يردّ عليها، كأنه لم يسمع. فمنذ مدة غير قليلة وهذا الدكتور جارها في المكتب. هي لا تعرفه، وربما كانت تكرهه؛ فقد جاء مكان زميلها الشاب الأعزب الذي كانت تطبخه على نار هادئة لتجعل منه عريس السعد. وفي ليلة ظلماء جاء هذا الدكتور، هبط ليحلّ مكان صديقها الوسيم الذي لملم أوراقه على عجل وغادر المكتب، ولم تره بعدها إلا لماماً.

وآمنت بأن حظها السيئ هو الذي ساق الدكتور إليها، فقضى بذلك أن تعيش سنوات أخرى دون أن تتمتع بشبابها.

وبما أن هذه السنوات هي قمة نضجها وأنوثتها، فقد أيقنت أنها ستعيش عزباء طول عمرها، ما دام هذا الشاب يتلاشى ويضيع هباءً إلى جوار هذا الركن الجليدي الذي يمتد إلى العصور الحجرية.

لم تجد مفراً، فسلّمت بالأمر الواقع الذي فُرض عليها فرضاً، فألفته مع الأيام، وأصبحت تلاطف حضرة الدكتور…!

ومع ذلك، لم يتبيّن طعم القهوة إلى اليوم. فما يزال يحرّك لسانه في فمه، وكأن لسانه يبحث عن طعم القهوة الذي فرّ منه في أطراف المغارة الواسعة.

فهو منذ غادر ذلك القبو المعتم لا يحسّ بطعم، ولا يشعر بأحد، ولا يستسيغ شكلاً مهما كان جميلاً، وهو قلّما يتحدث، مع أن سيماء الفلسفة بادية على وجهه.

ارتطم وجهي بالأرض.

لقد صفعني.

أجل، صفعني.

ـ مع من تتعاون؟

ـ ماذا أدّيت من المهام؟

ـ معلومات معينة نريد أن نعرفها بالتحديد. كيف استطعت أن تحصل على الدكتوراه، وبمرتبة الشرف، وأنت غير متفرغ للدراسة؟

ـ وكيف تهيّأ لك أن تدرس كل هذه الدراسة وعندك كوم من الأولاد، ونحن أمامك، متفرغون للدراسة تماماً، ولا نقدر على تجاوز الثانوية؟

أحسست في تلك اللحظة أن شيئاً من أسناني قد تحطّم، وشعرت بحرارة الدم ولزوجته في فمي، مع نداء هذا الرجل الثاني:

ـ يا أستاذ، تفضّل، انطق هذه الجوهرة، فإلى الآن لم تقل شيئاً.

ـ لا يا سيدي، لقد قلت كل شيء. فأنا تلميذ في مدرسة المتنبي، أحبه كثيراً. أرجو ألا تخبر أحداً بهذا الحب، فأنا أحبه أكثر من أبي، لذلك امتثلت أقواله وأحببتها. وأنتم تعرفون يا سيدي، وهذا من منسياتكم، أن المتنبي قال:

«إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم.»

لذلك درست، وزوجتي صبرت، واكتفت بأقل القليل، وتقديراً لصبرها أهديتها كتابي الأول، وأظنكم قرأتموه قبل أن يقرأه أحد، وربما قبل أن أكتبه.

ارتطم وجهي بالأرض ثانية، وارتفعت قدماي في الهواء. شيء ما بدأ يهوي عليهما، لست أعرفه، لكنني لم أعد أشعر بما يجري حولي، حتى أفقت من نومي، من غيبوبتي، ولم أعرف إلى الآن في أيّهما كنت. لكن أول شيء بادرني بعد أن أفقت من غيبوبتي قوله:

ـ أنت تتعامل مع أناس معينين، من هم؟

ـ حتى المطعم الفخم الذي افتتح في حارتكم شكا من أنك لم تأكل فيه مرة واحدة، بل لم تشتر منه أي شيء. أنت تتعامل مع أصحاب الدكاكين أمثالك في الحارات الأخرى. فمن هم؟ وبماذا تتعاملون؟

ـ إن مرتبي…

قبل أن أتمّ قال:

ـ لا تتذمر، كلكم تقولون هذا. دخلكم مدروس جيداً.

ـ ليس بمقدوري يا سيدي.

ـ نعم؟ إن لم تأكل أنت، فمن الذي سيأكل فيه إذاً؟

ـ ليس ذنبي.

ـ وما ذنبه هو؟ فتح في حارتكم مثل هذا المطعم ليجعلكم في مصاف الحارات الراقية!

ـ لا أستطيع.

ـ إن لم تستطع أنت، فمن غيرك يقدر على الشراء؟

ـ إن ما عنده لا يناسبني، أسعاره مرتفعة، هو للأكابر. هم يقصدونه من الحارات الأخرى، فماذا يضيره إن أكلت أو اشتريت؟

ـ إنك تسهم في دمار الاقتصاد في حارتك لصالح الحارات الأخرى.

ـ أهذا كله من صحن الفول الذي أشتريه؟!

ـ نعم، فهذه جريمة يعاقب عليها القانون، ويبدو لي أنك خصم عنيد وبحاجة إلى تأديب جيد وجاد.

انهال عليّ ضرباً وشتماً ولعناً…

بكيت أكثر ما بكيت عندما شتم أمي، فقد شتمها حين قال لي:

ـ يا ابن العـ… يا ابن القـ…

كل شيء يهون إلا أن يشتم أمي. أهل الحارة يحلفون باسمها وشرفها، فقد كانت، رحمها الله، تقرأ القرآن كل ثلاث ليالٍ، عدا الأوراد والأدعية التي تتلوها على مسامعنا مساءً منذ وفاة والدنا.

أمي لا تغادر المنزل إلا لحاجة ضرورية، وأنا لا أحتمل أن تُشتم أمي. فليجلدني، ليقتلني، لكن ليس له علاقة بها. يجب ألا يشتمها.

بعد أن رقدت في قبرها، لا حول لها ولا قوة، وأنا أقل من أن أدافع عنها، وهي من هي، من العظمة والرفعة والكبرياء…

لم يشعر الدكتور إلى الآن بطعم القهوة الذي تشعر به هذه الآنسة الفتية، وكأني به يطلب إليها أن تذيقه ما تتذوق بلسانها، لعلّه يشعر بما تشعر، لكنه لم يقل. حرّك لسانه من جديد، وجاشت نفسه، وفاضت دموعه:

تقدّم مني أحد أصحاب الجثث الضخمة، وناولني ورقة.

ـ ما هذا؟

ـ أنا لا أجيد القراءة.

ـ إنها حكم قضائي. لقد رأت زوجتي أنني تأخرت عنها كثيراً، والشوق عصف بها، لذلك حكم القاضي بالطلاق، خاصة أن المدة التي سأغيبها هنا لا يعلمها أحد.

صُعقت، وكدت أُجن. زوجتي تطلب الطلاق مني والانفصال عني!

هل انتهيت في نظرها؟

سامحك الله. رهنت عمري كله لك وللأولاد. كل ما أفعله لأجلكم. كم حلفت لي بأنك لن تنظري إلى غيري، وإن متّ لن تتزوجي بعدي!

أمر فظيع، مخيف. أين يسكن الأولاد؟ ماذا يأكلون؟ هل حلّ مكاني رجل آخر؟

سقطت على وجهي من جديد، ومزيد من أسناني طالها التهشيم…

إنها لا تعرف الدكتور حق المعرفة، بل إنها لا تعرف عنه شيئاً، لكنها خمّنت أن يكون شيئاً مهماً، بل أن يكون مهماً جداً.

يرشف من فنجان قهوته رشفة جديدة، يترك يده تعبث ببعض الشعرات التي ما تزال نابتة في قرص رأسه، وأخذ ينظر إلى مكتبه المعدني الصدئ. عليه بعض الأوراق المبعثرة، وزجاجه مشروخ في أكثر من مكان…

مضى على وجودي هنا عام كامل لا أعرف فيه أخبار أولادي. لو أن بإمكاني أن أرسل من هنا رسالة واحدة إلى صديقي الوحيد، الشيخ فارس، هذا الرجل التقي النقي. التقيته مصادفة، حلّ ضيفاً عليّ، واستطعت بوجاهتي أن أجعله شيخاً في الحيّ، يخطب فينا ويعظنا. لقد أحببته كثيراً، وعلى الرغم من شهاداتي، كنت أجلس أمامه تلميذاً.

وكنت أدرك أن دوره الذي أوكل إليه ليس له، كان كثير الأغلاط، كأنه لم يقرأ القرآن مرة في حياته!

عاملته بأدب أمام الناس، وصححت له أغلاطه في جلساتنا الخاصة، أما بعضها الآخر فيندرج تحت وجهات النظر.

آه من هذا المكان! الشيخ فارس جرّبه قبلي، فقد حُمل ذات يوم إلى مكان مماثل، وعاد بعد يومين، وكأن الله جعل مجيئه دليلاً على مجيئي.

عندما عاد، أقمنا له الأفراح. نساء الحي زغردن لعودته، والرجال اجتمعوا؛ فالشيخ فارس خطيب مفوّه، جريء لا يسكت عن قول كلمة الحق مهما كان الأمر.

فور عودته هرعت إليه، وبعد الاحتفال به، سأله أحد المتطفلين عن غيبته وكيف كانت، فأجاب:

ـ دكتور، لقد سألوني عنك.

ـ ماذا؟

ـ لا تخف. لقد شهدت فيك شهادة طيبة تستحقها. العجيب أنهم يعرفون عنك كل شيء، فقد عرضوا عليّ آخر أبحاثك التي تتحدث فيها عن التصحر وخطر قطع أشجار الحقول وعدم جدوى تشجير الجبال.

ـ ماذا؟

ـ لكنني بيّنت لهم أنك على علم واسع، وأنك تعي ما تقول وتتحمل مسؤولية عملك برجولة…

نزلنا من بيت الشيخ، وعند أسفل الدرج كانت الكارثة. جيء بي إلى هنا، ولم أرَ النور بعد ذلك…

كان الشيخ فارس عند أعلى الدرج. نظرت لأتبيّن علاماته، فلم يظهر منها شيء. لقد أشاح بوجهه، والتفت إلى داخل البيت ودخل بصمت.

صرخ في وجهي:

ـ إذاً أنت من قال هذا الكلام؟

ـ قلته؟ لم أقله. قلت مثله. قلته للشيخ فارس، كنت معه، لم يسمعنا أحد…

ـ دعنا منك ومن هذا الشيخ، نحن لا نعرفه. أنا أناقش معك موضوعاً محدداً، هو أنت. لماذا قلت ما قلت؟ هل فهمت؟

اختلطت الأمور في ذهني. كيف وصلتهم إن لم يكن هو من قال لهم؟! ولمّا انتابتني فترة السكون هذه، تهيأ لمن يسألني أنني أملك معلومات لا أريد البوح بها، فدفعني بعنف…

سقطت على وجهي، وتكسّر المزيد من أسناني. أحسست بورم في شفتي، وتوقف الإحساس فيّ مدة لا يعلمها إلا الله وهؤلاء الذين يحيطونني بالرعاية والحماية منذ دخلت هذا المكان.

لقد دار بيني وبين الشيخ فارس حديث طويل، قلت فيه:

ـ إن الأشجار التي في حقولنا تصلح لصنع البواريد، وهذه المعلومة عرفتها من دراستي. فأنا أفهم في الأخشاب وأنواعها وصلابتها وخواصها. ولما نُقل الحديث إليهم، فهموا أنني أمدّ أحد مصانع البواريد بهذا الخشب.

قلت لهم عندما سألوني:

ـ انظروا إلى أشجار وادينا، هل قُطع منها أي شيء؟ إن وجدتم شجرة واحدة مقطوعة، وإن كان من قطعها إبليس، فإنني أتحمل وزرها. فما رأيكم؟

جاءني أحدهم وقال:

ـ هذه البارودة أخمصها من نوعية الشجر الذي تعرفه. لا بد أنك المزوّد لهذا النوع من الخشب.

سقطت على وجهي من جديد. لم يحدث أي شيء هذه المرة.

أيقنت أن أمر أسناني انتهى، وليس هناك من داعٍ للقلق والخوف. إن الرغيف كله يستطيع أن يركض في فمي بسهولة بعد أن زالت السدود أمامه، لكن أين مني ذلك الرغيف؟!

منذ مدة يقبع الدكتور في هذا المكتب، لا يراه أحد ولا يرى أحداً. كل ما يفعله تدقيق بعض الأوراق المبعثرة التي لا قيمة لها، تنحصر في كميات الصابون اللازمة للاستخدام والتنظيف في مبنى الوزارة التي كان يطمح أن يكون وزيراً لها لو أن الأمور تسير بشكل صحيح، كما يدّعي…

ويشرف أيضاً على غيرها من القضايا التافهة التي تتعلق بالشطف والكنس والمستخدمين، ويقوم بهذا العمل بهمة عالية، وكأن الأمر عادي للغاية.

فهو مؤمن، أي الدكتور، بأن الإنسان يجب أن يؤدي واجبه في أي مكان كان، وفي أي ظرف كان. ولولا هذه النفسية الطيبة التي يحملها، ما استطاع أن يتحمّل ما هو فيه من مذلّة ومهانة.

الباب يُفتح فجأة. يبدو الرجل الجسيم، ويدفع رجلاً آخر داخل القضبان، فيصطدم بي. يرفع وجهه، يتأكد مني، ثم يعانقني:

ـ دكتور! منذ متى أنت هنا؟

ـ أبو فهد؟ من أتى بك إلى هذا المكان؟

ـ والله يا دكتور، القصة طويلة، لكن باختصار:

جاءني الشيخ فارس منذ شهر، أخذ مني مبلغاً ليوزعه على الفقراء بمعرفته، كما هي العادة التي تعرفها منذ أتيت بالشيخ فارس إلى الحيّ. أعطيته المبلغ وحصته فوقها، لكن حدث له ما حدث قبل مجيئك بيوم… أخذوه، شنّطوه، يا حرام، أهانوه وضربوه، لكنه كان شهماً، لم يتجنّ علينا. لقد قال ما يعرفه فقط. لقد شهد بي شهادة جيدة، ولم يأخذوا شهادته بعين الاعتبار، فأتوا بي إلى هنا…

لقد حاول الشيخ فارس جهده في أن يصلح الأمور، فلم يقدر…

تصور يا دكتور، الشيخ فارس ضحّى وتزوج زوجتك بعد أن أصبحت وحيدة…

ـ ماذا؟! امرأتي تزوجت؟

ـ نعم.

ـ ظننت أنها طلبت الطلاق لتعمل من أجل الأولاد!

ـ أي عمل؟ لولا وجود الشيخ ما استطاعت أن تحيا شهراً.

ـ هكذا إذاً! جزاه الله خير الجزاء… الأولاد، خبّرني يا أبا فهد، ما هي أحوالهم؟

تلكأ أبو فهد وقال:

ـ الحقيقة يا دكتور، إن الشيخ لم يحتمل الأولاد، وكما تعلم معه حق. فهو رجل نذر نفسه للعلم والدراسة، يعيش على ما يبذله أهل الخير، وليس بإمكانه أن يقوم بالصرف على أولادك. وكذلك هو يجب أن يكون بيته هادئاً، وأولادك، ما شاء الله، كبروا…

ـ يكفي… يكفي…

وضع الدكتور أصابعه في أذنيه وهو يهذي:

ـ حلفت لي أنها لن تتزوج بعدي إن متّ، وتزوجت وأنا حي. قلت لعلّه من أجل الأولاد… لكن الأولاد ليسوا معها. أخشى ما أخشاه أن تنام هي في غرفة والشيخ في أخرى. ليس غريباً، فقد يملك حججاً مقنعة…

انتبه من غفلته وخاطب أبا فهد:

ـ لكن لم تقل لي كيف تم استدعاء الشيخ فارس.

ـ جاؤوا إليه عند منتصف الليل، لبس رداءه وذهب معهم…

ـ وانتظروه حتى لبس؟!

ـ نعم.

ـ كيف؟

ـ إن لم يفعلوا، سيقرأ عليهم ويثبتهم في أماكنهم.

ـ معك حق، إنه من رجال الله…

سمعه يقول لزوجتك، عفواً، لزوجته:

ـ لا تخافي، سأعود بعد قليل.

ـ لقد كان واثقاً من عودته، يعرف أنهم غير قادرين على احتباسه. إنه كان يخمّن المدة التي سيغيبها… إنه قادر على تحديد ساعات احتجازه… إنه من رجال الله، وهؤلاء «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، أليس كذلك؟

ـ نعم يا دكتور، نعم، ولم تمضِ ساعات حتى عاد.

ـ لكن قل لي، كيف كان أهل الحي؟

ـ أصلاء كما تعرفهم. تجمهروا أمام منزل الشيخ فارس، رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً، وضعوا أرواحهم فداءً للشيخ ومبادئه. ولا تسأل يا دكتور عن أنواع الطعام والشراب والمال، وكيف انهالت العطايا على بيته في ساعات غيابه القليلة…!

النسوة أخذن يترنّحن…

رشفت القناة التي قاربت أن تيأس من الزواج رشفة أخرى، وتوجهت بنظرها إلى الدكتور الجالس أمامها، دون أن تقول كلمة واحدة تظهر ما يعتلج بداخله…

من المؤكد أنها لن تطلب منه أن يحبّها. فهو مثقف، حنون ورائع وصموت. إنها لا تطمع في حبّه ولا تريده… أهانته ولم ترَ منه إلا دمعاته كل مرة.

مضت الأعوام بطيئة.

خرج الدكتور من ذلك القبو، وتبيّن أن كل ما قيل فيه ليس حقيقة، فليس هناك مصنع بواريد أصلاً. وتعجّب القاضي العادل من الذين تركوا الدكتور هذه المدة دون النظر في قضيته.

وتقديراً لسلوكه الحسن، لم يُطرد من العمل الوظيفي، إنما أُحيل إلى عمل إداري في الدائرة التابعة لوزارة كان أقوى المرشحين لها قبل كذا من الأعوام.

نظر الدكتور إلى الفتاة التي أمامه بإشفاق، كأنه يعطيها خلاصة شريطه الذي يسترجعه.

عدت إلى الحيّ. كنت أتمنى أبا فهد إلى جواري لنتأكد من كل شيء بأنفسنا. رأيت أولادي وأولاد أبي فهد.

كانت زوجتي متسوّلة بعد أن ضاع الشيخ فارس، وأم فهد تخدم في البيوت بعد أن طالت غيبة الشيخ.

رأيت بعض النسوة يلبسن السواد حزناً على الشيخ.

أهل الحي يرددون الحكاية:

«جاءت سيارة صغيرة، جثمت أمام منزل الشيخ فارس. ترجّل منها شخصان، وبعد مدة خرجا من المنزل والشيخ معهم. لقد أخذوه بعد أن حلقوا لحيته الكثّة، والنسوة يقلن: لم يبدُ الشيخ وسيماً في يوم مثل هذا اليوم.

ومنذ ذلك اليوم لم يعد الشيخ فارس إلى الحيّ، وما زال الحيّ بلا واعظ.

ولما جلست إلى أهلي وأصدقائي وأبناء حيي في المقهى المجاور للمسجد، كان حديثهم الوحيد هو الترحم على الشيخ فارس، الذي، كما ترجّح روايات أهل الحي، مات من أجل كلمة الحق التي آمن بها ونادى لها.

إنهم، أي أبناء الحي، يتحسرون لأنهم لا يعرفون قبراً للشيخ لزيارته والتبرك بترابه، وهو واحد من أولياء الله!..»

في إحدى الأمسيات الشتائية، كنت قادماً لأخبرهم أنني رأيت الشيخ فارساً. رأيته وقد ارتدى جُبّة سوداء ولحية جديدة، فقد صار رجل دين في قرية مجاورة، لكن اسمه قد تغيّر. فهم ينادونه:

ـ أبونا حنّا.

لكن حسرة أهل الحيّ على الشيخ جعلتني أخاف. إن أنا قلت كلمة من البركان الذي اختزنته في عمري الطويل، والذي تأكدت منه البارحة، خفت أن ينالني عقاب يكون أشد وأقوى من العقاب الذي نالني في السنوات التي قضيتها بعيداً عن الحيّ.

رشفت الحسناء التي بدأت شمسها بالغروب رشفة من فنجان قهوتها، ومدّت يدها لتمسح دمعات الدكتور المتحدرة على وجنتيه، وقالت:

ـ نعم يا دكتور، والله إن القهوة مرّة، وأبو عادل لا يحسن صنعها. ما رأيك أن أصنع فنجانين لك ولي، ونشربهما قبل أن ينتهي الدوام؟!

كان يريد أن يطريها بكلماته، لكنها غابت عن ناظريه.

إسماعيل مروة