آه… من سيرِ رماد الذكريات،
آه… من لهيب الصمت الطويل،
آه… من أشواك الأحزان حين تستيقظ دفعةً واحدة،
ومن أشواق الطفولة والشباب وهي تعود من بعيد،
كأنها لم تغادرني يوماً.
تتجمع الذكريات في رأسي متزاحمة،
تتدافع كقطيعٍ هارب من شيء لا أعرفه،
تضرب جدران جمجمتي المتعبة من فرط التفكير،
تحاول أن تجد لها منفذاً،
وأحاول أن أمنعها…
لكن كيف يُغلق المرء باباً حين تكون المفاتيح كلها في داخله؟
أجلس أمام ذلك البعد،
أراقبه وهو يلتهم المسافة بيني وبينه ببطء،
ولا أدري:
أأتبع ذلك السراب الذي يلوّح لي من أقصى الذاكرة؟
أم أبقى واقفاً عند هذا الحد،
حيث يأكلني الصمت،
ويتركني الانتظار معلقاً بين احتمالين؟
هناك شيء ما في داخلي…
شيء يشبه بركاناً لم يتعلم كيف يقذف حممه،
فاحتفظ بكل ناره في جوفه،
حتى صار رماده يسري في عروقي.
لا حمم سوداء تندفع إلى الخارج،
ولا صرخة تستطيع أن تشق هذا السكون،
فقط مرجلٌ عتيق في أعماقي،
يغلي بصمت،
ويحمل فوق غليانه سنواتٍ من الكلام الذي لم يُقل،
والأبواب التي أُغلقت قبل أن أطرقها،
والوجوه التي غادرت قبل أن أقول لها: لا تذهبوا.
أشعر بهديره يتصاعد من وسط الأحشاء،
يتسلل إلى القلب،
ثم يصعد إلى الحنجرة،
لكنه يتوقف هناك…
كأن شيئاً ما يخنقه قبل أن يتحول إلى صوت.
فأذوب…
لا كقطعة ثلج،
بل كصخرة أكلتها النار طويلاً،
تتشقق أولاً،
ثم تفقد صلابتها،
ثم لا يبقى منها سوى غبارٍ لا يعرف إلى أين تمضي به الريح.
أشعر أنني أتلاشى ببطء،
ذرةً بعد ذرة،
حتى لا أعود قادراً على الإمساك بملامحي.
وجهي يبتعد عني،
اسمي يبهت،
خطواتي تصبح بلا أثر،
وكل ما كنت أظنه ثابتاً في داخلي
يتحول إلى شظايا معلقة في الهواء.
ثم لا يبقى مني
إلا خيطٌ رفيع من دخان أسود،
يصعد من مكانٍ لا أعرفه،
يلتف حول الذكريات،
ثم ينسحب معها إلى جهةٍ أخرى.
أزداد بعداً…
وأتشتت.
أمد يدي،
فلا ألمس سوى الفراغ.
تقطر عيناي دماً،
لا لأنني أبكي،
بل لأن الدمع نفسه عجز عن حمل هذا الوجع.
وأمضي…
لا ألتفت.
أغادر دون وداع،
كأن الوداع اعترافٌ أخير بأنني كنت هنا.
أمضي،
وخلفي ذاكرةٌ مشتعلة،
وأمامي طريقٌ لا أعرفه.
وربما…
في مكانٍ ما بين اللهيب والرماد،
كان هناك صوتٌ صغير يسألني:
هل كنت تهرب من الماضي…
أم كنت تهرب من نفسك؟
ولم أجب.
فبعض الأسئلة،
حين تأتي متأخرة،
لا تحتاج إلى جواب…
يكفي أن تظل مشتعلة في الداخل.
لهيب الصمت
آه… من سيرِ رماد الذكريات،
آه… من لهيب الصمت الطويل،
آه… من أشواك الأحزان حين تستيقظ دفعةً واحدة،
ومن أشواق الطفولة والشباب وهي تعود من بعيد،
كأنها لم تغادرني يوماً.
تتجمع الذكريات في رأسي متزاحمة،
تتدافع كقطيعٍ هارب من شيء لا أعرفه،
تضرب جدران جمجمتي المتعبة من فرط التفكير،
تحاول أن تجد لها منفذاً،
وأحاول أن أمنعها…
لكن كيف يُغلق المرء باباً حين تكون المفاتيح كلها في داخله؟
أجلس أمام ذلك البعد،
أراقبه وهو يلتهم المسافة بيني وبينه ببطء،
ولا أدري:
أأتبع ذلك السراب الذي يلوّح لي من أقصى الذاكرة؟
أم أبقى واقفاً عند هذا الحد،
حيث يأكلني الصمت،
ويتركني الانتظار معلقاً بين احتمالين؟
هناك شيء ما في داخلي…
شيء يشبه بركاناً لم يتعلم كيف يقذف حممه،
فاحتفظ بكل ناره في جوفه،
حتى صار رماده يسري في عروقي.
لا حمم سوداء تندفع إلى الخارج،
ولا صرخة تستطيع أن تشق هذا السكون،
فقط مرجلٌ عتيق في أعماقي،
يغلي بصمت،
ويحمل فوق غليانه سنواتٍ من الكلام الذي لم يُقل،
والأبواب التي أُغلقت قبل أن أطرقها،
والوجوه التي غادرت قبل أن أقول لها: لا تذهبوا.
أشعر بهديره يتصاعد من وسط الأحشاء،
يتسلل إلى القلب،
ثم يصعد إلى الحنجرة،
لكنه يتوقف هناك…
كأن شيئاً ما يخنقه قبل أن يتحول إلى صوت.
فأذوب…
لا كقطعة ثلج،
بل كصخرة أكلتها النار طويلاً،
تتشقق أولاً،
ثم تفقد صلابتها،
ثم لا يبقى منها سوى غبارٍ لا يعرف إلى أين تمضي به الريح.
أشعر أنني أتلاشى ببطء،
ذرةً بعد ذرة،
حتى لا أعود قادراً على الإمساك بملامحي.
وجهي يبتعد عني،
اسمي يبهت،
خطواتي تصبح بلا أثر،
وكل ما كنت أظنه ثابتاً في داخلي
يتحول إلى شظايا معلقة في الهواء.
ثم لا يبقى مني
إلا خيطٌ رفيع من دخان أسود،
يصعد من مكانٍ لا أعرفه،
يلتف حول الذكريات،
ثم ينسحب معها إلى جهةٍ أخرى.
أزداد بعداً…
وأتشتت.
أمد يدي،
فلا ألمس سوى الفراغ.
تقطر عيناي دماً،
لا لأنني أبكي،
بل لأن الدمع نفسه عجز عن حمل هذا الوجع.
وأمضي…
لا ألتفت.
أغادر دون وداع،
كأن الوداع اعترافٌ أخير بأنني كنت هنا.
أمضي،
وخلفي ذاكرةٌ مشتعلة،
وأمامي طريقٌ لا أعرفه.
وربما…
في مكانٍ ما بين اللهيب والرماد،
كان هناك صوتٌ صغير يسألني:
هل كنت تهرب من الماضي…
أم كنت تهرب من نفسك؟
ولم أجب.
فبعض الأسئلة،
حين تأتي متأخرة،
لا تحتاج إلى جواب…
يكفي أن تظل مشتعلة في الداخل.
التعليقات