قراءة في كتاب طائر الفرات.. الشاعر رشدي العامل / کاتباً

صورة الكاتب
بقلم: د. حاتم عباس بصيلة
التاريخ: 8 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3446
قراءة في كتاب طائر الفرات.. الشاعر رشدي العامل / کاتباً

إنه من الكتب الراقية التي اعدها الكاتب سلام القريني فهو كتاب يسلط الضوء على صفحة أخرى من صفحات الشاعر و المناضل رشدي العامل وهي صفحة الكتابة النثرية او الادب النثري ان صح التعبير ومن خلال ذلك نحصل على معلومات من تاريخ النضال الصحفي والادبي مع ذكر لاسماء مهمة أثناء المقالات النثرية او المذكرات واللقاءات تتضمن الكتاب المعد شكرا وتقديرا إلى الدكتور سعيد عدنان الذي قدم له كما تضمن الاهداء إلى محبي الشاعر الراحل رشدي العامل .وحسنا فعل الدكتور سعيد عدنان في مقدمته الجميلة وحسنا فعل المعد بجمع مقالات رشدي العامل بحسب التسلسل التاريخي في جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة ومجلة الأقلام البغدادية وصحيفة القادسية وملحق اسبوع ثقافية المدى تحت عنوان كتابات طائر الفرات بدأت بنشر ثلاث رسائل َمن يوميات الشاعر تتجسد فيها روح الطرافة ؛ واحدة وجهها ل محمد سعيد الصكار وذكر فيها ريا أبنته في أسلوب ظريف معرجا على الصحافة ورسالة أخرى إلى الأخ عيسى مخلوف وثالثة وجهت إلى سعدي مقدما لها بجملة (لا تكمن المأساة في ان الانسان يحيا بل يفكر) كتب ايضا ليست ايامي كلها حزينة و تضمن الكتاب حوارا مهما مع الشاعر رشدي العامل ومحرر جريدة طريق الشعب كما نشر في مجلة الثقافة الجديدة عن العام ١٩٥٦ عام المظاهرات ضد العدوان الثلاثي على مصر.
في القسم الثاني من الكتاب وتحت عنوان طائر الفرات يحدثنا الشاعر في يومياته عن كتاب قصة الحضارة طالبا من زوجته ان تهدي له هذا الكتاب في عيد ميلاده الذي كان ب ١٥ دينارا آنذاك وهو مبلغ ضخم لتقول: له لماذا لا اشتري لك بدلا منه قمصانا وحذاء.؟ وتستمر اليوميات الجميلة المليئة بالمعلومات الأدبية والفكرية الطريفة والمفارقات
ومن طريف اقواله
ألعن نفسي الف مرة لأنني لم اعن باجادة لغة اجنبية ولن أفعل ذلك ابدا ص٣٧
وفي حكايات طائر الفرات ٣
كان يتحدث عن بغداد الراية وعن المتشرد الذي غزا بغداد وهو يقصد حسين مردان بعد أن سكن بغداد. یتحدث في هذين الموضوعين عن بغداد العظيمة في تاريخها ونكهتها وتميزها وعن المتشرد حسين مردان ومن طريف ما حصل من حديث بين رشدي العامل وحسين
مردان قول الأول :
ابو علي ماذا سأكتب عنك عندما تموت
قال أحدهم لماذا لا تجيب يا ابو علي
تنهد طويلا ورد مرتجفا اسمعوا؛
عندما اموت لا يهمني ماذا سيكتب عني
ابصقوا على قبري بولوا عليه ص٤٥
انما اريد ان تكتبوا الآن… أن أقرأ ما تكتبون
يقول حسين مردان في موضع آخر
الا تريدون لاسمائكم الخلود انجزوا كتابا عني اذا ص٤٦
يصف رشدي العامل حسين مردان بانه أمير شرقي خانته جواريه وتخلى عنه فرسانه كما يصفه بانه سيد النكتة وخالقها الذي لا يضارع. صديق الجميع بلا استثناء صديق نفسه قبل كل كائن الا الأطفال ملك الدهشة والانبهار الطفولي بكل شيء ٤٦
كما يذكر ايضا مقدمته الغريبة لكتابه قصائد عارية “أيها القارىء اني لأضحك ببلاهة عجيبة كلما تخيلت وجهك العزيز وقد استحال إلى علامة استفهام ضخمة واني لأضحك ببلاهة أعجب كلما تصورتك وقد استبد بك الغضب فرميت كتابي بحنق واشمئزاز وعلى شفتيك المرتجفتين الف لعنة ولعنة ولكن ثق أيها القاريء المحترم انك لا تفضلني على الرغم من قذارتي وانحطاطي وتفسخي الا بشي واحد وهو اني احيا عاريا بينما تحيا ساترا ذاتك بالف قناع فنصيحة مني أن لا تقدم على قراءة هذا الديوان اذا كنت تخشى حقيقتك وتخاف رؤية الحيوان الذي في داخلك ٤٧
لم يكن يهمني شيء ….. أنام في اي مكان هل تعرف اني نمت في مقبرة الإنكليز الكرنتينة ليالي كثيرة ص٤٨
يواصل حسين قوله : عندما بات في غرفته بلند الحيدري الذي قال له ان الغرفة مليئة بالتراب الذي يسقط من السقف فيجعله يحك جسمه ظللت اضحك سألني بلند عن أي سبب الضحك فاجبته اخي بلند ليس هذا تراب السقف انه القمل كان عبد المجيد الونداوي يهب ابا على كل يوم مائة فلس مبلغ لا بأس به يومذاك كل يوم؟ لأن حسين الح عليه ان يعطيه ثلاثة دنانير شهريا فرفض مجيد لانه سيبدد المبلغ في أول ليلة وهكذا اتفقنا مائة فلس كل يوم ٤٩
يقول رشدي : كنا في البصرة عام ١٩٥٩ قبل ان نلتحق بوفد الادباء العراقيين إلى الكويت لحضور مؤتمر الادباء العرب وشئنا ان نشاهد يخت الملك فيصل الثاني وكان يرسو امام مبنى مديرية الموانيء العامة على ضفاف شط العرب وقد يسر لنا المدير العام اللواء مزهر الشاوي هذه الفرصة بعد أن قدم حسين نفسه كمندوب لجريدة الاهالي وموفد الاستاذ المرحوم كامل الجادرجي الخاص هكذا صعدنا إلى اليخت الذي كان أسطورة يومها افتقدت حسين فتشت عنه وفوجئت به مسترخيا على سرير الملك ضحك عندما رآني وطلب الي ان التقط له الصورة
قال مخاطبا شبحا هل دار في خلدك يا صاحب الجلالة ان حسين مردان .. حسين مردان لا سواه.. ينام على سريرك الملكي ص٥٠
كثيرة هي مشاكسات وتمردات حسين مردان وغرابة سلوكه منها ذهابه إلى فينا بدعوة من( ذو النون أيوب) وكانت تظن جماعته انه سيضيع هناك بين الفاتنات حيث الجنس اللطيف ولكنه ذات مساء خريفي جميل ونحن سمار في اتحاد الادباء متحلقين حول موائدنا وضحكنا وهمومنا الصغيرة اطل علينا بوجهه الأحمر المكتنز وصدره المنتفخ وقف في أعلى الدرجات بين الحدائق والطارمة اجال نظره باستعلاء لمحناه هتفنا بصوت واحد حسين
_تره ماكو شي.. ما كو شي حتى بأوروبا ماكو غير الوطن والضجر ص٥٣
تقافزت اسماء كثيرة سياسية وأدبية عند الحديث عن حسين مردان مثل الشاعر كاظم السماوي والصحفي صالح سلمان يقول رشدي العامل لا أعرف تحديدا عدد النساء اللواتي احبهن هذا الشاعر المتشرد الرائع ذو الأسلوب الموشي خصوصا عندما يكتب نثرا والشخصية الساحرة التي لن يجود بها الزمن نظيرا لها ابدا انما الذي اعرفه عن قرب ان حسين كان مولعا ولعا لا حد له بكل امرأة جميلة عابرة في الشارع او جليسة صدفة ما ٥٦
‘”ربما كان هذا غريبا عن شاعر قدم نفسه للناس لأول مرة على انه شاعر الفحش والمجون والجنس ورجل كان يذرع ازقة المباغي في فترته الأولى في بغداد غير اني ويشهد على ذلك كل من عرفه جيدا كما تتذكر السيدات اللاتي تعرفن عليه فيما بعد أن كلمة نابية واحدة لم تصدر عنه في حضور اية امرأة حتى لكأنه سليل إحدى الاسر النبيلة في عصر الملك لويس الرابع عشر لبق ناعم حتى في ثورته امامهن مجامل متزن يعرف حدوده تماما ٥٦
في الطرف الآخر من علاقاته النسوية عاش ردحا من حياته يتسكع في الملاهي في الليل وربما كانت صلته الشهيرة بعفيفة اسكندر لا تزيد عن انها كانت تستلطفه عندما يذهب مخمورا إلى الملهى الذي كانت تعمل فيه ايام كانت المغنية الشهيرة محور اهتمام فرسان الليل تتدفق شبابا وفتنة غير انه كان يضيف على هذه الصلة شيئا خاصا كما يقول دائما ٥٧
قرأت عن عفيفة اسكندر نفس هذه العلاقة مع عبد المجيد لطفي الكاتب الواقعي المعروف يدخل حسين مردان مع أصحابه مقهى الفارابي فيعشق فريال صدقي التي تعطيه رقمها ولكن لن تجيبه على مكالماته بعد أن قرر البقاء في البصرة من أجلها رافضا مؤتمر الادباء العرب في الكويت ص٥٨
َمن الشخصيات الشهيرة التي كانت صديقة لحسين مردان بعد أن عرفه عليه رشدي العامل وائل زعيتر يذكر رشدي العامل ان المأساة جعلت حسين مردان يموت في نفس اليوم الذي سقط فيه وائل صريعا امام باب شقته في روما بيد الموساد الإسرائيلي المجرم٦٠ .كان حسين مردان يدلل ابن اخته الصغير حيث كان يحب الأطفال وكان يقول لرشدي العامل :الوحيد الذي يستطيع أن يضربني في هذا العالم دون أن امسح فيه الأرض ٦١
يذكر رشدي العامل مشهدا رائعا حين ترك كرسي حسين مردان فارغا بعد أن مات بين ولدي رشدي العامل الذي كان يحضر دائما في عيد ميلاد رشدي يقول
واوقدت شمعة واحدة امامه واتكأت ارقبه من بعيد ضاحكا مبتهجا متهدج الصوت دامع العيون ص٦٣
من الأسماء التي اعتنت بالشاعر حسين مردان عبد اللطيف الشواف حتى انه وفر له غرفة في مكتبه بالسعدون كانت له صلات بالكثيرين منهم الدكتور محمد َ مندور الذي استضافه بالقاهرة عندما سافر اليها وقد كانت فجيعة حسين بوفاة محمد مندور تدور على لسانه باستمرار
ساهم في المؤتمر العالمي للكتاب والفنانين من اجل نزع السلاح الذي انعقد في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٦١ ضمن وفد الكتاب العراقيين والتقى هناك بشخصيات عالمية كبيرة سارتر والبرتو مورافيا وشولوخوف ٦٣
لكن لم تذكر معلومة بخصوص حسين مردان هو انه في الأصل من مدينة طويريج وانتقلت أسرته إلى مدينةديالى وهو في سن السابعة الأمر الذي التبس على الكثيرين بانه مولود في بعقوبة
من أروع ما قرأت لرشدي العامل قصته عن مرض السيد حمدي فقد ذكرتني باسلوب تشيخوف الآخر ولكن بمرارة المأساة
اما مقاله نعم انا شاعر غنائي الذي نشر في مجلة الأقلام البغدادية فهو رد فعل على ما كتبه الصديق ماجد السامرائي عن مجموعته الشعرية هجرة الألوان ولقد لمست ادب رشدي العامل في الرد وابتعاده عن التجريح
كتب رشدي عن العصافير لا تحب الرصاص لعدنان الصائغ واشاد به وبشعره في صحيفة القادسية عام ١٩٨٧ وفي تلك الفترة كان عدنان الصائع قد بدأ بالظهور بسلاسة اسلوب شعره اليومي المبهر ولقد كتبت انا عنه شخصيا وعن ديوانه اغنيات على جسر الكوفة نشر في جريدة العراق. المهم ان رشدي كان حريصا على تسليط الضو ء على المبدعين الشباب والإعجاب بهم وتشجيع .اما ذكرياته مع الفنان يحيى جواد التي كتبها في مجلة أقلام فإنها تعكس روح الوفاء للصداقة والفن والجمال كما أن طريقة وفاة فنان كبير متواضع لا يحب الشهرة مثل يحيى جواد امر لافت للنظر عندما شلت يمينه فاضطر للعمل في يساره من اجل الفن فاذا بها بعد مدة تشل هي ايضا ليموت منزويا
ان هؤلاء الناس المتواضعين كانوا مناضلين حقا في الحياة الفنية والسياسية معا وحسنا صور هذا الكتاب تلك الأسماء التي ذابت في نسيان النقد مع الأسف
تناول نثر رشدي العامل حكايته مع اللقاء الأول بكامل الجادرجي وقد ذكر معلومات مهمة عن طبيعة شخصيته وطبيعة النضال في تلك المرحلة ومن نثره تلك الرسائل الاخوانية التي لا تخلو من روح الادب والفكر والجمال باسلوب ذكي. وقد عرج فيما بعد على ذكرياته في المدينة والقرية والمنفى وهي تنقل روح الانسان العراقي الملتزم تجاه شعبه متحدثا عن الرمادي و بغداد
ويذكر في الفقرة ٧ من حكايات طائر الفرات
تلك الكتب الغامضة في ديوان قديم
وعن تلك الارهاصات الأولى في الكتابة
كما تناول مقبرة الأحياء في قاعة الملك فيصل وهي كلها تدخل في باب المذكرات الأدبية الراقية ببساطتها
في الفقرة الثامنة يتذكر انتفاضة تشرين عام ١٩٥٢ ومعاناة النضال في وجه الطغمة الحاكمة العميلة ويبدو لي ان تشرين يتكرر دوما في انتفاضاته وثوراته ضد الظالمين ان هذا الكتاب مهم جدا من حيث تسليط الضوء على الجانب النثري عند رشدي العامل وهو يكشف لنا عن علاقات واسماء ثقافية واحداث سياسية تاريخية للعراق وأسرار وأشياء كثيرة بعفوية الأسلوب
ويحسب هذا الكتاب إضافة ممتازة اعدها الكاتب سلام القرين الا انني وبدافع الوفاء والصدق اقول ان هناك أخطاء كثيرة مطبعية ونحوية يجب الانتباه لها كما يجب تحديدا ان تنتبه دار توليب لهذا الأمر المتكرر في اصداراتها.

عن الکاتب / الکاتبة

د. حاتم عباس بصيلة
د. حاتم عباس بصيلة
فنان . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة في كتاب طائر الفرات.. الشاعر رشدي العامل / کاتباً

بقلم: د. حاتم عباس بصيلة | التاريخ: 8 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

إنه من الكتب الراقية التي اعدها الكاتب سلام القريني فهو كتاب يسلط الضوء على صفحة أخرى من صفحات الشاعر و المناضل رشدي العامل وهي صفحة الكتابة النثرية او الادب النثري ان صح التعبير ومن خلال ذلك نحصل على معلومات من تاريخ النضال الصحفي والادبي مع ذكر لاسماء مهمة أثناء المقالات النثرية او المذكرات واللقاءات تتضمن الكتاب المعد شكرا وتقديرا إلى الدكتور سعيد عدنان الذي قدم له كما تضمن الاهداء إلى محبي الشاعر الراحل رشدي العامل .وحسنا فعل الدكتور سعيد عدنان في مقدمته الجميلة وحسنا فعل المعد بجمع مقالات رشدي العامل بحسب التسلسل التاريخي في جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة ومجلة الأقلام البغدادية وصحيفة القادسية وملحق اسبوع ثقافية المدى تحت عنوان كتابات طائر الفرات بدأت بنشر ثلاث رسائل َمن يوميات الشاعر تتجسد فيها روح الطرافة ؛ واحدة وجهها ل محمد سعيد الصكار وذكر فيها ريا أبنته في أسلوب ظريف معرجا على الصحافة ورسالة أخرى إلى الأخ عيسى مخلوف وثالثة وجهت إلى سعدي مقدما لها بجملة (لا تكمن المأساة في ان الانسان يحيا بل يفكر) كتب ايضا ليست ايامي كلها حزينة و تضمن الكتاب حوارا مهما مع الشاعر رشدي العامل ومحرر جريدة طريق الشعب كما نشر في مجلة الثقافة الجديدة عن العام ١٩٥٦ عام المظاهرات ضد العدوان الثلاثي على مصر.
في القسم الثاني من الكتاب وتحت عنوان طائر الفرات يحدثنا الشاعر في يومياته عن كتاب قصة الحضارة طالبا من زوجته ان تهدي له هذا الكتاب في عيد ميلاده الذي كان ب ١٥ دينارا آنذاك وهو مبلغ ضخم لتقول: له لماذا لا اشتري لك بدلا منه قمصانا وحذاء.؟ وتستمر اليوميات الجميلة المليئة بالمعلومات الأدبية والفكرية الطريفة والمفارقات
ومن طريف اقواله
ألعن نفسي الف مرة لأنني لم اعن باجادة لغة اجنبية ولن أفعل ذلك ابدا ص٣٧
وفي حكايات طائر الفرات ٣
كان يتحدث عن بغداد الراية وعن المتشرد الذي غزا بغداد وهو يقصد حسين مردان بعد أن سكن بغداد. یتحدث في هذين الموضوعين عن بغداد العظيمة في تاريخها ونكهتها وتميزها وعن المتشرد حسين مردان ومن طريف ما حصل من حديث بين رشدي العامل وحسين
مردان قول الأول :
ابو علي ماذا سأكتب عنك عندما تموت
قال أحدهم لماذا لا تجيب يا ابو علي
تنهد طويلا ورد مرتجفا اسمعوا؛
عندما اموت لا يهمني ماذا سيكتب عني
ابصقوا على قبري بولوا عليه ص٤٥
انما اريد ان تكتبوا الآن… أن أقرأ ما تكتبون
يقول حسين مردان في موضع آخر
الا تريدون لاسمائكم الخلود انجزوا كتابا عني اذا ص٤٦
يصف رشدي العامل حسين مردان بانه أمير شرقي خانته جواريه وتخلى عنه فرسانه كما يصفه بانه سيد النكتة وخالقها الذي لا يضارع. صديق الجميع بلا استثناء صديق نفسه قبل كل كائن الا الأطفال ملك الدهشة والانبهار الطفولي بكل شيء ٤٦
كما يذكر ايضا مقدمته الغريبة لكتابه قصائد عارية “أيها القارىء اني لأضحك ببلاهة عجيبة كلما تخيلت وجهك العزيز وقد استحال إلى علامة استفهام ضخمة واني لأضحك ببلاهة أعجب كلما تصورتك وقد استبد بك الغضب فرميت كتابي بحنق واشمئزاز وعلى شفتيك المرتجفتين الف لعنة ولعنة ولكن ثق أيها القاريء المحترم انك لا تفضلني على الرغم من قذارتي وانحطاطي وتفسخي الا بشي واحد وهو اني احيا عاريا بينما تحيا ساترا ذاتك بالف قناع فنصيحة مني أن لا تقدم على قراءة هذا الديوان اذا كنت تخشى حقيقتك وتخاف رؤية الحيوان الذي في داخلك ٤٧
لم يكن يهمني شيء ….. أنام في اي مكان هل تعرف اني نمت في مقبرة الإنكليز الكرنتينة ليالي كثيرة ص٤٨
يواصل حسين قوله : عندما بات في غرفته بلند الحيدري الذي قال له ان الغرفة مليئة بالتراب الذي يسقط من السقف فيجعله يحك جسمه ظللت اضحك سألني بلند عن أي سبب الضحك فاجبته اخي بلند ليس هذا تراب السقف انه القمل كان عبد المجيد الونداوي يهب ابا على كل يوم مائة فلس مبلغ لا بأس به يومذاك كل يوم؟ لأن حسين الح عليه ان يعطيه ثلاثة دنانير شهريا فرفض مجيد لانه سيبدد المبلغ في أول ليلة وهكذا اتفقنا مائة فلس كل يوم ٤٩
يقول رشدي : كنا في البصرة عام ١٩٥٩ قبل ان نلتحق بوفد الادباء العراقيين إلى الكويت لحضور مؤتمر الادباء العرب وشئنا ان نشاهد يخت الملك فيصل الثاني وكان يرسو امام مبنى مديرية الموانيء العامة على ضفاف شط العرب وقد يسر لنا المدير العام اللواء مزهر الشاوي هذه الفرصة بعد أن قدم حسين نفسه كمندوب لجريدة الاهالي وموفد الاستاذ المرحوم كامل الجادرجي الخاص هكذا صعدنا إلى اليخت الذي كان أسطورة يومها افتقدت حسين فتشت عنه وفوجئت به مسترخيا على سرير الملك ضحك عندما رآني وطلب الي ان التقط له الصورة
قال مخاطبا شبحا هل دار في خلدك يا صاحب الجلالة ان حسين مردان .. حسين مردان لا سواه.. ينام على سريرك الملكي ص٥٠
كثيرة هي مشاكسات وتمردات حسين مردان وغرابة سلوكه منها ذهابه إلى فينا بدعوة من( ذو النون أيوب) وكانت تظن جماعته انه سيضيع هناك بين الفاتنات حيث الجنس اللطيف ولكنه ذات مساء خريفي جميل ونحن سمار في اتحاد الادباء متحلقين حول موائدنا وضحكنا وهمومنا الصغيرة اطل علينا بوجهه الأحمر المكتنز وصدره المنتفخ وقف في أعلى الدرجات بين الحدائق والطارمة اجال نظره باستعلاء لمحناه هتفنا بصوت واحد حسين
_تره ماكو شي.. ما كو شي حتى بأوروبا ماكو غير الوطن والضجر ص٥٣
تقافزت اسماء كثيرة سياسية وأدبية عند الحديث عن حسين مردان مثل الشاعر كاظم السماوي والصحفي صالح سلمان يقول رشدي العامل لا أعرف تحديدا عدد النساء اللواتي احبهن هذا الشاعر المتشرد الرائع ذو الأسلوب الموشي خصوصا عندما يكتب نثرا والشخصية الساحرة التي لن يجود بها الزمن نظيرا لها ابدا انما الذي اعرفه عن قرب ان حسين كان مولعا ولعا لا حد له بكل امرأة جميلة عابرة في الشارع او جليسة صدفة ما ٥٦
‘”ربما كان هذا غريبا عن شاعر قدم نفسه للناس لأول مرة على انه شاعر الفحش والمجون والجنس ورجل كان يذرع ازقة المباغي في فترته الأولى في بغداد غير اني ويشهد على ذلك كل من عرفه جيدا كما تتذكر السيدات اللاتي تعرفن عليه فيما بعد أن كلمة نابية واحدة لم تصدر عنه في حضور اية امرأة حتى لكأنه سليل إحدى الاسر النبيلة في عصر الملك لويس الرابع عشر لبق ناعم حتى في ثورته امامهن مجامل متزن يعرف حدوده تماما ٥٦
في الطرف الآخر من علاقاته النسوية عاش ردحا من حياته يتسكع في الملاهي في الليل وربما كانت صلته الشهيرة بعفيفة اسكندر لا تزيد عن انها كانت تستلطفه عندما يذهب مخمورا إلى الملهى الذي كانت تعمل فيه ايام كانت المغنية الشهيرة محور اهتمام فرسان الليل تتدفق شبابا وفتنة غير انه كان يضيف على هذه الصلة شيئا خاصا كما يقول دائما ٥٧
قرأت عن عفيفة اسكندر نفس هذه العلاقة مع عبد المجيد لطفي الكاتب الواقعي المعروف يدخل حسين مردان مع أصحابه مقهى الفارابي فيعشق فريال صدقي التي تعطيه رقمها ولكن لن تجيبه على مكالماته بعد أن قرر البقاء في البصرة من أجلها رافضا مؤتمر الادباء العرب في الكويت ص٥٨
َمن الشخصيات الشهيرة التي كانت صديقة لحسين مردان بعد أن عرفه عليه رشدي العامل وائل زعيتر يذكر رشدي العامل ان المأساة جعلت حسين مردان يموت في نفس اليوم الذي سقط فيه وائل صريعا امام باب شقته في روما بيد الموساد الإسرائيلي المجرم٦٠ .كان حسين مردان يدلل ابن اخته الصغير حيث كان يحب الأطفال وكان يقول لرشدي العامل :الوحيد الذي يستطيع أن يضربني في هذا العالم دون أن امسح فيه الأرض ٦١
يذكر رشدي العامل مشهدا رائعا حين ترك كرسي حسين مردان فارغا بعد أن مات بين ولدي رشدي العامل الذي كان يحضر دائما في عيد ميلاد رشدي يقول
واوقدت شمعة واحدة امامه واتكأت ارقبه من بعيد ضاحكا مبتهجا متهدج الصوت دامع العيون ص٦٣
من الأسماء التي اعتنت بالشاعر حسين مردان عبد اللطيف الشواف حتى انه وفر له غرفة في مكتبه بالسعدون كانت له صلات بالكثيرين منهم الدكتور محمد َ مندور الذي استضافه بالقاهرة عندما سافر اليها وقد كانت فجيعة حسين بوفاة محمد مندور تدور على لسانه باستمرار
ساهم في المؤتمر العالمي للكتاب والفنانين من اجل نزع السلاح الذي انعقد في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٦١ ضمن وفد الكتاب العراقيين والتقى هناك بشخصيات عالمية كبيرة سارتر والبرتو مورافيا وشولوخوف ٦٣
لكن لم تذكر معلومة بخصوص حسين مردان هو انه في الأصل من مدينة طويريج وانتقلت أسرته إلى مدينةديالى وهو في سن السابعة الأمر الذي التبس على الكثيرين بانه مولود في بعقوبة
من أروع ما قرأت لرشدي العامل قصته عن مرض السيد حمدي فقد ذكرتني باسلوب تشيخوف الآخر ولكن بمرارة المأساة
اما مقاله نعم انا شاعر غنائي الذي نشر في مجلة الأقلام البغدادية فهو رد فعل على ما كتبه الصديق ماجد السامرائي عن مجموعته الشعرية هجرة الألوان ولقد لمست ادب رشدي العامل في الرد وابتعاده عن التجريح
كتب رشدي عن العصافير لا تحب الرصاص لعدنان الصائغ واشاد به وبشعره في صحيفة القادسية عام ١٩٨٧ وفي تلك الفترة كان عدنان الصائع قد بدأ بالظهور بسلاسة اسلوب شعره اليومي المبهر ولقد كتبت انا عنه شخصيا وعن ديوانه اغنيات على جسر الكوفة نشر في جريدة العراق. المهم ان رشدي كان حريصا على تسليط الضو ء على المبدعين الشباب والإعجاب بهم وتشجيع .اما ذكرياته مع الفنان يحيى جواد التي كتبها في مجلة أقلام فإنها تعكس روح الوفاء للصداقة والفن والجمال كما أن طريقة وفاة فنان كبير متواضع لا يحب الشهرة مثل يحيى جواد امر لافت للنظر عندما شلت يمينه فاضطر للعمل في يساره من اجل الفن فاذا بها بعد مدة تشل هي ايضا ليموت منزويا
ان هؤلاء الناس المتواضعين كانوا مناضلين حقا في الحياة الفنية والسياسية معا وحسنا صور هذا الكتاب تلك الأسماء التي ذابت في نسيان النقد مع الأسف
تناول نثر رشدي العامل حكايته مع اللقاء الأول بكامل الجادرجي وقد ذكر معلومات مهمة عن طبيعة شخصيته وطبيعة النضال في تلك المرحلة ومن نثره تلك الرسائل الاخوانية التي لا تخلو من روح الادب والفكر والجمال باسلوب ذكي. وقد عرج فيما بعد على ذكرياته في المدينة والقرية والمنفى وهي تنقل روح الانسان العراقي الملتزم تجاه شعبه متحدثا عن الرمادي و بغداد
ويذكر في الفقرة ٧ من حكايات طائر الفرات
تلك الكتب الغامضة في ديوان قديم
وعن تلك الارهاصات الأولى في الكتابة
كما تناول مقبرة الأحياء في قاعة الملك فيصل وهي كلها تدخل في باب المذكرات الأدبية الراقية ببساطتها
في الفقرة الثامنة يتذكر انتفاضة تشرين عام ١٩٥٢ ومعاناة النضال في وجه الطغمة الحاكمة العميلة ويبدو لي ان تشرين يتكرر دوما في انتفاضاته وثوراته ضد الظالمين ان هذا الكتاب مهم جدا من حيث تسليط الضوء على الجانب النثري عند رشدي العامل وهو يكشف لنا عن علاقات واسماء ثقافية واحداث سياسية تاريخية للعراق وأسرار وأشياء كثيرة بعفوية الأسلوب
ويحسب هذا الكتاب إضافة ممتازة اعدها الكاتب سلام القرين الا انني وبدافع الوفاء والصدق اقول ان هناك أخطاء كثيرة مطبعية ونحوية يجب الانتباه لها كما يجب تحديدا ان تنتبه دار توليب لهذا الأمر المتكرر في اصداراتها.