رواية (عالم زي… زو) للأديب مهدي علي ازبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإنسان، بمعنى آخر هو عالم قتل الروح اللاإنسانية، وتحول دماغ الإنسان إلى مجرد آلة من دون إحساس وشعور..
حيث يحضر الروبوت (أكس) كشخصية محورية في العالم الرقمي لحلّ الشفرات وترجمة الأحاسيس والإشارات المتبادلة بين الذكر (زي) المسؤول عن نشاطات الكائنات الحية، و(زو) الانثى المسؤولة عن الارض برمز الانثى والذكر المشفر… تبدأ الرواية من حيث تنتهي، إذ يتمكن (زي)، و(زو) لإعادة التوازن الى كوكب الأرض، في الحفاظ على البيئة، ووضع الحلول الممكنة للمشاكل الاجتماعية القائمة مثل تهميش المرأة، وهيمنة الرجل المطلقة في المجتمع ترشيد الاستهلاك وعقلانية التدخل البشري في تحوير وتطوير النبات والحيوان من خلال اللعب في الكروموسومات والجينات الوراثية للإنسان والحيوان، والنبات، تخليق الفايروسات
والأمراض الفتاكة، وأسلحة الدمار الشامل، والحروب المدمرة بين البشر، مما أصبح الخطر داهماً لموت الكوكب وفناء البشر واندثارهم، هذه حقيقة مخيفة مرعبة تقف شاخصة أمام البشر في عصرهم الراهن، ومنذ الثورة التكنلوجية المتسارعة بلا حدود ولا قيود وآخرها الروبوتات المتطورة، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية والطاقة النووية والهيدروجينية، والأسلحة الجرثومية… هذا الواقع المخيف أثار الكثير من التساؤلات الفكرية، والفلسفية، حول مستقبل الإنسان في هذا العالم المنفلت، الذي يقوده الرأسمال العالمي الذي لا يرحم ولا يقف أمامه أي مانع ورادع، مقابل شعاره المقدس الربح ثم الربح ثم الربح، ولا يبالي مهما كانت النتائج سيئة ومضرة للطبيعة والبشر، هذا الواقع أثار اهتمام الأدباء، فتم تجسيد هذا الخوف عبر روايات خيال علمي، يرسل منبهات الخطر الداهم لتدمير الطبيعة، وتدمير الكوكب، وفناء الإنسان واندثاره، كما في رواية (فرنكشتاين) للروائية الانكليزية ماري شلي، ورواية (فرنكشتاين في بغداد) للروائي أحمد سعداوي، ورواية (الزمن الحديدي) لعبد الهادي الفرطوسي في العراق، وغيرها من الروايات والإبداعات الأدبية في الشرق، والغرب التي تدعو إلى التوازن، والعقلانية في التعامل مع الطبيعة، وحدود التطور التقني وتقييده بخدمة الإنسان لا مسخه، وليس في تدمير الحياة.
مما يتميز به السرد الروائي لدى الروائي مهدي علي ازبين، هو عدم الإسهاب، والتكثيف، جمال المفردة وشعريته الجذابة على وفق المقولة الجرجانية (جوع اللفظ ، وأشبع المعنى)، فمهدي يمتلك ثراءً لغوياً مبهراً، مما مكنه من كتابة (ما قل ودل)، و(أجاع اللفظ وأشبع المعنى)، وترك للمتلقي حيزاً مميزاً للتفكر والخيال والتصور لبناء نصٍّ ثانٍ يسدّ فراغات التكثيف والاختزال، والتحليل والتأويل، مما ينشط مخيلة المتلقي، ويحظى باحترامه، فرواياته وامضة وليس قابضة، من جميل ما تميزت به الرواية أنَّها أعطت مثالاً لجمال المشاعر والأحاسيس الإنسانية في عصر التوازن، عبر مثال (المناهدة) بين حبيب وحبيبته الموثقة على ميموري فلاش الكتروني، يقدم منه فقرات خلال السرد الروائي، وخلال تبادل الآراء بين (زي) ، (وزو) ولا أدري ما دلالة هذين الاسمين، فهل هو اختيار عشوائي أو دال على معنى؟
هذه الحوارية بين الحبيبين أتت لغرض المقارنة بين الحالتين، حالة الخصب والجمال في عصر التوازن، وعصر التصحر التقني الموحش، عصر التوحش والتصحر التقني حيث لا يعرف إنسان هذا العصر معنى (المناهدة – الغزل) بين حبيبين، لا يعرف معنى (البكاء)، ولا معنى (الدموع)، ولا معنى (القهقهة الضحك)، ويصيبه العجب كيف يعطف الإنسان على الطيور فيقدم لها الطعام بحب، ويتألم لعدم إطعامها، وما معنى (الشعر)، حيث لاشعور.. الرواية رسالة بالغة المعنى، غنية الدلالة وإنذار للإنسان كي يتدارك الوضع الذي يعيشه، والذي يهدد كل شيء بالفناء والاندثار وأولهم الإنسان ذاته.
الروائي عبر روايته يعطي ضوء أمل لخلاص الكوكب، ومخلوقاته حيث يتمكن (زو)، و(زي) في إعادة التوازن للكوكب، ومخلوقاته، ثم يتلاشيان، لكنه يرسل ومضة إنذار وخطر في الختام وأثناء تلاشيهم بعد إكمال مهمتهما، حيث يقول:
(أرى شبح إنسان ـ أو قردا منتصباً، يخرج من أقصى الغابة، وأسد يتنطّط حوله) ص:91.
هل هو إخبار إلى حتمية الفناء، وإعادة خلق الإنسان البدائي القرد المنتصب، والأسد ممثلاً الحيوان المفترس للقضاء عليه؟
من خلال حجم الرواية، ومحدودية شخصياتها رئيسة وثانوية، والاختزال، والتكثيف السردي، وعدم تعريف المعرف كشكل زي وزو، وتوصيفات الحبيبين المتناهدين، وحيز التفكر وإعادة تخيل النص المتروكة للمتلقي، بمعنى الدلالة الضمنية للنص، حيث لا تزيد صفحات الرواية عن 50-60 صفحة أي بعد إزالة ما هو خارج النص ، وعدد كلماتها على 5000 كلمة، بأننا نستطيع أنْ نجنسها رواية (قصيرة جداً)، ضمن القواعد المتفق عليها للرواية القصيرة جداً، ولذلك نرى أن الأستاذ مهدي يجيد كتابة الرواية القصيرة جداً، فأغلب رواياته تميل إلى التكثيف والاختزال مع جمال المفردة وحركيتها، وهو طبعا لا يميل ولا يجنس رواياته، ولا يوصفها برواية طويلة، ورواية قصيرة، ورواية قصيرة جداً، بل يكتب رواية.
…………..
*عالم (زي.. زو)، رواية، مهدي علي ازبين، دار توليب للطباعة والنشر، 2025م.
من أجل عالم متوازن، إنذار ما قبل الانهيار قراءة في (عالم زي… زو) لمهدي علي ازبين
رواية (عالم زي… زو) للأديب مهدي علي ازبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإنسان، بمعنى آخر هو عالم قتل الروح اللاإنسانية، وتحول دماغ الإنسان إلى مجرد آلة من دون إحساس وشعور..
حيث يحضر الروبوت (أكس) كشخصية محورية في العالم الرقمي لحلّ الشفرات وترجمة الأحاسيس والإشارات المتبادلة بين الذكر (زي) المسؤول عن نشاطات الكائنات الحية، و(زو) الانثى المسؤولة عن الارض برمز الانثى والذكر المشفر… تبدأ الرواية من حيث تنتهي، إذ يتمكن (زي)، و(زو) لإعادة التوازن الى كوكب الأرض، في الحفاظ على البيئة، ووضع الحلول الممكنة للمشاكل الاجتماعية القائمة مثل تهميش المرأة، وهيمنة الرجل المطلقة في المجتمع ترشيد الاستهلاك وعقلانية التدخل البشري في تحوير وتطوير النبات والحيوان من خلال اللعب في الكروموسومات والجينات الوراثية للإنسان والحيوان، والنبات، تخليق الفايروسات
والأمراض الفتاكة، وأسلحة الدمار الشامل، والحروب المدمرة بين البشر، مما أصبح الخطر داهماً لموت الكوكب وفناء البشر واندثارهم، هذه حقيقة مخيفة مرعبة تقف شاخصة أمام البشر في عصرهم الراهن، ومنذ الثورة التكنلوجية المتسارعة بلا حدود ولا قيود وآخرها الروبوتات المتطورة، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية والطاقة النووية والهيدروجينية، والأسلحة الجرثومية… هذا الواقع المخيف أثار الكثير من التساؤلات الفكرية، والفلسفية، حول مستقبل الإنسان في هذا العالم المنفلت، الذي يقوده الرأسمال العالمي الذي لا يرحم ولا يقف أمامه أي مانع ورادع، مقابل شعاره المقدس الربح ثم الربح ثم الربح، ولا يبالي مهما كانت النتائج سيئة ومضرة للطبيعة والبشر، هذا الواقع أثار اهتمام الأدباء، فتم تجسيد هذا الخوف عبر روايات خيال علمي، يرسل منبهات الخطر الداهم لتدمير الطبيعة، وتدمير الكوكب، وفناء الإنسان واندثاره، كما في رواية (فرنكشتاين) للروائية الانكليزية ماري شلي، ورواية (فرنكشتاين في بغداد) للروائي أحمد سعداوي، ورواية (الزمن الحديدي) لعبد الهادي الفرطوسي في العراق، وغيرها من الروايات والإبداعات الأدبية في الشرق، والغرب التي تدعو إلى التوازن، والعقلانية في التعامل مع الطبيعة، وحدود التطور التقني وتقييده بخدمة الإنسان لا مسخه، وليس في تدمير الحياة.
مما يتميز به السرد الروائي لدى الروائي مهدي علي ازبين، هو عدم الإسهاب، والتكثيف، جمال المفردة وشعريته الجذابة على وفق المقولة الجرجانية (جوع اللفظ ، وأشبع المعنى)، فمهدي يمتلك ثراءً لغوياً مبهراً، مما مكنه من كتابة (ما قل ودل)، و(أجاع اللفظ وأشبع المعنى)، وترك للمتلقي حيزاً مميزاً للتفكر والخيال والتصور لبناء نصٍّ ثانٍ يسدّ فراغات التكثيف والاختزال، والتحليل والتأويل، مما ينشط مخيلة المتلقي، ويحظى باحترامه، فرواياته وامضة وليس قابضة، من جميل ما تميزت به الرواية أنَّها أعطت مثالاً لجمال المشاعر والأحاسيس الإنسانية في عصر التوازن، عبر مثال (المناهدة) بين حبيب وحبيبته الموثقة على ميموري فلاش الكتروني، يقدم منه فقرات خلال السرد الروائي، وخلال تبادل الآراء بين (زي) ، (وزو) ولا أدري ما دلالة هذين الاسمين، فهل هو اختيار عشوائي أو دال على معنى؟
هذه الحوارية بين الحبيبين أتت لغرض المقارنة بين الحالتين، حالة الخصب والجمال في عصر التوازن، وعصر التصحر التقني الموحش، عصر التوحش والتصحر التقني حيث لا يعرف إنسان هذا العصر معنى (المناهدة – الغزل) بين حبيبين، لا يعرف معنى (البكاء)، ولا معنى (الدموع)، ولا معنى (القهقهة الضحك)، ويصيبه العجب كيف يعطف الإنسان على الطيور فيقدم لها الطعام بحب، ويتألم لعدم إطعامها، وما معنى (الشعر)، حيث لاشعور.. الرواية رسالة بالغة المعنى، غنية الدلالة وإنذار للإنسان كي يتدارك الوضع الذي يعيشه، والذي يهدد كل شيء بالفناء والاندثار وأولهم الإنسان ذاته.
الروائي عبر روايته يعطي ضوء أمل لخلاص الكوكب، ومخلوقاته حيث يتمكن (زو)، و(زي) في إعادة التوازن للكوكب، ومخلوقاته، ثم يتلاشيان، لكنه يرسل ومضة إنذار وخطر في الختام وأثناء تلاشيهم بعد إكمال مهمتهما، حيث يقول:
(أرى شبح إنسان ـ أو قردا منتصباً، يخرج من أقصى الغابة، وأسد يتنطّط حوله) ص:91.
هل هو إخبار إلى حتمية الفناء، وإعادة خلق الإنسان البدائي القرد المنتصب، والأسد ممثلاً الحيوان المفترس للقضاء عليه؟
من خلال حجم الرواية، ومحدودية شخصياتها رئيسة وثانوية، والاختزال، والتكثيف السردي، وعدم تعريف المعرف كشكل زي وزو، وتوصيفات الحبيبين المتناهدين، وحيز التفكر وإعادة تخيل النص المتروكة للمتلقي، بمعنى الدلالة الضمنية للنص، حيث لا تزيد صفحات الرواية عن 50-60 صفحة أي بعد إزالة ما هو خارج النص ، وعدد كلماتها على 5000 كلمة، بأننا نستطيع أنْ نجنسها رواية (قصيرة جداً)، ضمن القواعد المتفق عليها للرواية القصيرة جداً، ولذلك نرى أن الأستاذ مهدي يجيد كتابة الرواية القصيرة جداً، فأغلب رواياته تميل إلى التكثيف والاختزال مع جمال المفردة وحركيتها، وهو طبعا لا يميل ولا يجنس رواياته، ولا يوصفها برواية طويلة، ورواية قصيرة، ورواية قصيرة جداً، بل يكتب رواية.
…………..
*عالم (زي.. زو)، رواية، مهدي علي ازبين، دار توليب للطباعة والنشر، 2025م.
التعليقات