امنيات لاتهزم

صورة الكاتب
بقلم: حمد حسون القيسي
التاريخ: 9 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2781
امنيات لاتهزم

فِي لَيْلَةِ شِتَاءٍ قَارِسَةٍ، كَانَتِ السَّمَاءُ مُتَرَانِمَةً بِالغُيُومِ السُّودِ، وَالرِّيحُ تَعْوِي كَذِئْبٍ جَائِعٍ. وَقَفْتُ أَمَامَ نَافِذَةِ غُرْفَتِي الضَّيِّقَةِ، يَلْسَعُ البَرْدُ وَجْهِي كَسِكِّينٍ، وَيَنْزِلُ الصَّمْتُ عَلَى الشَّارِعِ الفَارِغِ كَغِطَاءٍ ثَقِيلٍ. كَانَ قَلْبِي مَمْتلِئًا بِالوَحْدَةِ، وَالعَقْلُ غَارِقًا فِي حِسَابَاتٍ لَا تَنْتَهِي.
فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ، كَانَتِ ابْنَتِي “رِيمُ” تَغُطُّ فِي نَوْمٍ بَرِيءٍ، مُحَاطَةً بِلُعَبِهَا البَالِيَةِ وَكُتُبِهَا المَدْرَسِيَّةِ المُتَهَالِكَةِ. كَانَتْ تَحْلُمُ بِمِعْطَفٍ أَبْيَضَ وَسَمَاعَةٍ حَوْلَ عُنُقِهَا، تَحْلُمُ بِأَنْ تَكُونَ طَبِيبَةً تَمْسَحُ الدَّمْعَ وَتُعِيدُ البَسْمَةَ.
وَفِي المَطْبَخِ، كَانَتْ زَوْجَتِي تُرَتِّبُ الأَطْبَاقَ بِصَمْتٍ. كُنْتُ أَرَى فِي عَيْنَيْهَا تَعَبَ سِنِينَ، وَصَبْرًا لَا يَشْكُو. كُنَّا نَتَهَامَسُ بِالأَحْلَامِ لَيْلًا، ثُمَّ نَسْتَيْقِظُ لِنَجِدَهَا قَدْ تَبَخَّرَتْ كَالدُّخَانِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَحْسَسْتُ أَنِّي تَائِهٌ. سَأَلْتُ نَفْسِي: أَيَّ غَدٍ أَعِدُّ لَهُمْ؟ وَبِأَيِّ يَدٍ أَبْنِي لَهُمْ بَيْتًا مِنَ الكَرَامَةِ؟ كَادَ اليَأْسُ أَنْ يَأْكُلَنِي، لَوْلَا صَوْتٌ دَاخِلِي يَهْمِسُ: “قُمْ، فَالحَيَاةُ لَا تَهَبُ المُنْهَزِمِينَ شَيْئًا”.
وَفِي الصَّبَاحِ، خَرَجْتُ أَجُرُّ خُطَايَ وَهَمِّي. تَرَكْتُ خَلْفِي بَيْتًا صَغِيرًا، فِيهِ امْرَأَةٌ تُقَاتِلُ الفَقْرَ بِابْتِسَامَةٍ، وَطِفْلَةٌ تُقَاتِلُ الحِرْمَانَ بِحُلْمٍ.
“سَامِرٌ”. رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ، خَطَّ الشَّيْبُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ. فِي الدَّائِرَةِ يجْلِسُ بَعِيدًا عَنِ الضَّجِيجِ، يكْمِلُ أَوْرَاقه بِصَمْتٍ. يَخْرُجُ زملاؤه الى بهو الطعام، وَربما في بعض الاحيان يبقى وحيدا.
وهو يقول لَسْتُ أَكْرَهُ النَّاسَ، ولكن هذا طبعي.
عِنْدَ المَسَاءِ، وَأَنَا عَائِدٌ، اسْتَوْقَفَنِي العَمُّ “وَدِيعٌ”. رَجُلٌ سَبْعِينِيٌّ، وَجْهُهُ خَرِيطَةُ تَجَارِبَ، وَعَيْنَاهُ تَقْرَآنِكَ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي وَقَالَ:
“.. الشِّتَاءُ لَا يَدُومُ. وَمَنْ زَرَعَ الصَّبْرَ، لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُدَ فَرَجًا، وَلَوْ كَانَ الفَرَجُ كَلِمَةً”.
جَلَسْتُ بَعْدَهَا عَلَى رَصِيفِ بَائِعِ الشَّايِ. بُخَارُ الكَأْسِ يَتَصَاعَدُ، وَفِي يَدِي دَفْتَرٌ مُمَزَّقُ الأَطْرَافِ. هُنَاكَ أَكْتُبُ رِوَايَتِي. لَيْسَتْ رِوَايَةً، إِنَّهَا اعْتِرَافٌ. اعْتِرَافُ رَجُلٍ أَنْهَكَتْهُ الحَيَاةُ وَلَمْ تَكْسِرْهُ.
كُنْتُ أَحْلُمُ أَنْ تُطْبَعَ، وَتُبَاعَ بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، فَتَسُدَّ ثُقْبًا فِي جِدَارِ الدَّيْنِ. وَكَانَتْ “رِيمُ” تَجْلِسُ عَلَى الرَّصِيفِ المُقَابِلِ، تُرَاقِبُنِي وَتَبْتَسِمُ. كَانَتْ ابْتِسَامَتُهَا وَقُودِي.
اكْتَشَفْتُ شَيْئًا مُهِمًّا: مَعَ كُلِّ سَطْرٍ أَخُطُّهُ، أُعِيدُ تَرْتِيبَ فَوْضَى دَاخِلِي. تَتَحَوَّلُ الكَلِمَاتُ إِلَى نَهْرٍ يَغْسِلُ الغُبَارَ عَنِ القَلْبِ. وَأَدْرَكْتُ أَنِّي لَسْتُ وَحْدِي. فَهُنَاكَ العَمُّ وَدِيعٌ، وَهُنَاكَ زَوْجَةٌ لَا تَنَامُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَطْمَئِنَّ عَلَيَّ، وَهُنَاكَ طِفْلَةٌ تَرَانِي بَطَلًا حَتَّى وَأَنَا مَكْسُورٌ.
اليَوْمَ نَهَضْتُ. لَمْ تَتَغَيَّرِ الدنيا، وَلَمْ يَأْتِ النَّاشِرُ بَعْدُ، وَلَكِنِّي تَغَيَّرْتُ أَنَا.
قَرَّرْتُ أَنْ أَكُونَ نُسْخَةً أَفْضَلَ مِنْ أَمْسِي. وَقَرَّرْتُ أَنْ أُؤْمِنَ بِحُلْمِ “رِيمٍ” كَمَا تُؤْمِنُ هِيَ بِي.
ذَهَبَ التَّشَاؤُمُ كَالضَّبَابِ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الأَبْوَابَ المُوْصَدَةَ لَا تُكْسَرُ بِاليَدِ، بَلْ بِالإِصْرَارِ.
وَهَا أَنَا الآنَ جَالِسٌ أَمَامَ البَابِ… لَا أَنْتَظِرُ صَدَقَةً، وَلَا مُعْجِزَةً. أَنَا أَنْتَظِرُ فُرْصَةً، وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ لَهَا.

عن الکاتب / الکاتبة

حمد حسون القيسي
حمد حسون القيسي
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الهروب المؤقت

الهروب المؤقت

الهروب المؤقت كنت في أحد الأيام من العام الماضي في يوم شتاءا قارص ذاهبا إلى…

صورة الكاتب حمد حسون القيسي
11 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


امنيات لاتهزم

بقلم: حمد حسون القيسي | التاريخ: 9 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

فِي لَيْلَةِ شِتَاءٍ قَارِسَةٍ، كَانَتِ السَّمَاءُ مُتَرَانِمَةً بِالغُيُومِ السُّودِ، وَالرِّيحُ تَعْوِي كَذِئْبٍ جَائِعٍ. وَقَفْتُ أَمَامَ نَافِذَةِ غُرْفَتِي الضَّيِّقَةِ، يَلْسَعُ البَرْدُ وَجْهِي كَسِكِّينٍ، وَيَنْزِلُ الصَّمْتُ عَلَى الشَّارِعِ الفَارِغِ كَغِطَاءٍ ثَقِيلٍ. كَانَ قَلْبِي مَمْتلِئًا بِالوَحْدَةِ، وَالعَقْلُ غَارِقًا فِي حِسَابَاتٍ لَا تَنْتَهِي.
فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ، كَانَتِ ابْنَتِي “رِيمُ” تَغُطُّ فِي نَوْمٍ بَرِيءٍ، مُحَاطَةً بِلُعَبِهَا البَالِيَةِ وَكُتُبِهَا المَدْرَسِيَّةِ المُتَهَالِكَةِ. كَانَتْ تَحْلُمُ بِمِعْطَفٍ أَبْيَضَ وَسَمَاعَةٍ حَوْلَ عُنُقِهَا، تَحْلُمُ بِأَنْ تَكُونَ طَبِيبَةً تَمْسَحُ الدَّمْعَ وَتُعِيدُ البَسْمَةَ.
وَفِي المَطْبَخِ، كَانَتْ زَوْجَتِي تُرَتِّبُ الأَطْبَاقَ بِصَمْتٍ. كُنْتُ أَرَى فِي عَيْنَيْهَا تَعَبَ سِنِينَ، وَصَبْرًا لَا يَشْكُو. كُنَّا نَتَهَامَسُ بِالأَحْلَامِ لَيْلًا، ثُمَّ نَسْتَيْقِظُ لِنَجِدَهَا قَدْ تَبَخَّرَتْ كَالدُّخَانِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَحْسَسْتُ أَنِّي تَائِهٌ. سَأَلْتُ نَفْسِي: أَيَّ غَدٍ أَعِدُّ لَهُمْ؟ وَبِأَيِّ يَدٍ أَبْنِي لَهُمْ بَيْتًا مِنَ الكَرَامَةِ؟ كَادَ اليَأْسُ أَنْ يَأْكُلَنِي، لَوْلَا صَوْتٌ دَاخِلِي يَهْمِسُ: “قُمْ، فَالحَيَاةُ لَا تَهَبُ المُنْهَزِمِينَ شَيْئًا”.
وَفِي الصَّبَاحِ، خَرَجْتُ أَجُرُّ خُطَايَ وَهَمِّي. تَرَكْتُ خَلْفِي بَيْتًا صَغِيرًا، فِيهِ امْرَأَةٌ تُقَاتِلُ الفَقْرَ بِابْتِسَامَةٍ، وَطِفْلَةٌ تُقَاتِلُ الحِرْمَانَ بِحُلْمٍ.
“سَامِرٌ”. رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ، خَطَّ الشَّيْبُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ. فِي الدَّائِرَةِ يجْلِسُ بَعِيدًا عَنِ الضَّجِيجِ، يكْمِلُ أَوْرَاقه بِصَمْتٍ. يَخْرُجُ زملاؤه الى بهو الطعام، وَربما في بعض الاحيان يبقى وحيدا.
وهو يقول لَسْتُ أَكْرَهُ النَّاسَ، ولكن هذا طبعي.
عِنْدَ المَسَاءِ، وَأَنَا عَائِدٌ، اسْتَوْقَفَنِي العَمُّ “وَدِيعٌ”. رَجُلٌ سَبْعِينِيٌّ، وَجْهُهُ خَرِيطَةُ تَجَارِبَ، وَعَيْنَاهُ تَقْرَآنِكَ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي وَقَالَ:
“.. الشِّتَاءُ لَا يَدُومُ. وَمَنْ زَرَعَ الصَّبْرَ، لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُدَ فَرَجًا، وَلَوْ كَانَ الفَرَجُ كَلِمَةً”.
جَلَسْتُ بَعْدَهَا عَلَى رَصِيفِ بَائِعِ الشَّايِ. بُخَارُ الكَأْسِ يَتَصَاعَدُ، وَفِي يَدِي دَفْتَرٌ مُمَزَّقُ الأَطْرَافِ. هُنَاكَ أَكْتُبُ رِوَايَتِي. لَيْسَتْ رِوَايَةً، إِنَّهَا اعْتِرَافٌ. اعْتِرَافُ رَجُلٍ أَنْهَكَتْهُ الحَيَاةُ وَلَمْ تَكْسِرْهُ.
كُنْتُ أَحْلُمُ أَنْ تُطْبَعَ، وَتُبَاعَ بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، فَتَسُدَّ ثُقْبًا فِي جِدَارِ الدَّيْنِ. وَكَانَتْ “رِيمُ” تَجْلِسُ عَلَى الرَّصِيفِ المُقَابِلِ، تُرَاقِبُنِي وَتَبْتَسِمُ. كَانَتْ ابْتِسَامَتُهَا وَقُودِي.
اكْتَشَفْتُ شَيْئًا مُهِمًّا: مَعَ كُلِّ سَطْرٍ أَخُطُّهُ، أُعِيدُ تَرْتِيبَ فَوْضَى دَاخِلِي. تَتَحَوَّلُ الكَلِمَاتُ إِلَى نَهْرٍ يَغْسِلُ الغُبَارَ عَنِ القَلْبِ. وَأَدْرَكْتُ أَنِّي لَسْتُ وَحْدِي. فَهُنَاكَ العَمُّ وَدِيعٌ، وَهُنَاكَ زَوْجَةٌ لَا تَنَامُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَطْمَئِنَّ عَلَيَّ، وَهُنَاكَ طِفْلَةٌ تَرَانِي بَطَلًا حَتَّى وَأَنَا مَكْسُورٌ.
اليَوْمَ نَهَضْتُ. لَمْ تَتَغَيَّرِ الدنيا، وَلَمْ يَأْتِ النَّاشِرُ بَعْدُ، وَلَكِنِّي تَغَيَّرْتُ أَنَا.
قَرَّرْتُ أَنْ أَكُونَ نُسْخَةً أَفْضَلَ مِنْ أَمْسِي. وَقَرَّرْتُ أَنْ أُؤْمِنَ بِحُلْمِ “رِيمٍ” كَمَا تُؤْمِنُ هِيَ بِي.
ذَهَبَ التَّشَاؤُمُ كَالضَّبَابِ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الأَبْوَابَ المُوْصَدَةَ لَا تُكْسَرُ بِاليَدِ، بَلْ بِالإِصْرَارِ.
وَهَا أَنَا الآنَ جَالِسٌ أَمَامَ البَابِ… لَا أَنْتَظِرُ صَدَقَةً، وَلَا مُعْجِزَةً. أَنَا أَنْتَظِرُ فُرْصَةً، وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ لَهَا.