الردهة الأخيرة … جناح رقم 6

صورة الكاتب
بقلم: سلوان إحسان
التاريخ: 26 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3250
الردهة الأخيرة … جناح رقم 6

الردهة الأخيرة … جناح رقم 6

1
في الأسبوعين الأوليين له داخل الردهة الموحشة، لم يكن المريض قد استتب له أمر سوى مراقبة ميسون تلك الممرضة التي لم تكد تقطُن المكان حتى غادرت بصمت إداري غامض، أو أُعيد توجيه تكليفها بعيداً عنه بعد صدام صامت مع وعيه المتشظي وفظاظة لا تليق بالإنسانية. كانت في ستينياتها، بعينين تضيقان كخيط دخان لتعصرا استخفافاً بارداً وطويلاً قبل كل إجابة، وكأنها تتمتم باحتقار دفين: (ممم… أنت). في منتصف الليل حين يشتد الصداع النصفي ويتحول إلى فيروس متجذر في العنق حيث يلتقي العنق بالجمجمة ليمتد في شبكة شائكة من الاحتراق والالتواء الباطن، كان يترنح خارجاً بحثاً عن مسكنات باهتة ومذلة يمنحها النظام الطبي بحذر شحيح حين يضيء إنذار الإدمان القديم. الشقيقة لم تكن مجرد ألماً عابراً ؛ بل كانت وعياً مريضاً ينحت نصف الرأس بحثاً عن النصف المفقود في عتمة الذاكرة وخارج حدود اللغة.
2
تذكر بمرارة ليلة طوارئ الإفلاس الأولى . حين ألقته زوجته المنهكة في بهو مستشفى الجمهوري التعليمي ككتلة مهملة ، بعد أن فتش منزله المحموم عن بندقية صيد خالية من الذخيرة وكان يتمتم بأسماء الله. جردوه من كل ممتلكاته، ساعته، ملابسه، وكرامته، وألبسوه رداءً ورقياً رقيقاً وبدلة المرضى الزرقاء كأنه سيُساق إلى زنزانة سجنه المؤبد ، ودحرجوه قسراً إلى الجناح الحاد، ردهة رقم 6 ؛ الدائرة السفلى المخصصة للمذهونين ومحاولي الانتحار. هناك، تقاسم ليلته الأولى مع رجل سمين غاضب يلف حنجرته بضمادات سميكة يردد آيات قرآنية بطريقة مبتورة ومدمجة بصوت مزعج. وحين سأله أحدهم يوماً بفضول عن حصيلة قراءته وما تعلمه من آية الكرسي والقرآن، أجاب الرجل السمين بلا مهابة ولا اكتراث من القرآن؟ فصدح صوته بالبسلمة ودموجة بالأستعاذه مع ضحكة عالية مصنعة
فوقع صمت ثقيل أخرس جدران الردهة بأكملها، وجعل الممرضة ميسون تتمتم بغضب مستعر تحت أنفاسها.
3
في أروقة الجناح، كانت أقلام الرصاص قصيرة ومبتورة، لا تتجاوز أربعة بوصات، مبرية بعناية فائقة عند حافة محطة الممرضات لتمنع استخدامها كأداة للطعن. وهناك، علّمه الشاب النحيل الموشوم زيدون حيلة تمديد القلم بمخروط ورقي وشريط لاصق، ليتسنى له مواصلة تدوين مذكراته على الورق. وفي زحمة الأيام، أتاه وائل المريض الغارق في تفاصيل رسوماته الهندسية المعقدة ذات الألوان الزهرية والزرقاء بلوحة ورقية لطائر مزخرف ذي ذيل مروحي، فحملها إلى سريره كأثر مقدس، وغرقت عيناه في عبرة حارقة جفت فوراً قبل أن يغادر إلى باحة التدخين الخارجية. في الخارج، تحت ظل أشجار فتية ومحمومين برائحة السجائر وأدوية الانسحاب، اقتربت منه الممرضة رواء بجمالها المدمر وطلبها اليائس بأن يخبئ لها الحبوب تحت لسانه ولا يبتلعها ليمنحها إياها لاحقاً.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الخارج، بل حين تفرّدت به ميسون مجدداً داخل الممر لتنبش في ملفه الطبي القديم وتذكره بعلاقته الغرامية السابقة، عابثة بحدود المهنة باستعلاء موجع ومتسائلة عما إذا كان لا يشعر بالحرج تجاه زوجته. ترك هذا التدخل في نفسه غصة ثقيلة لا تطاق، الدفق فيها يتماهى مع شفقة بائسة على ضعف البشر وإهاناتهم المتكررة تحت سقف الوجود القاسي.

4
وللهروب من هذا الحصار الذهني والنفسي المرير، استرجع طفولته البعيدة في قرية ريفية جنوبية تبتل بمطر الشتاء حين يعلو الطين الجدران الرمادية والمقطورات المخفية. تذكر جدول الماء القديم وسمكة ميتة علقت في سياج حديدي غمرته مياه الفيضان الليلي وتجمدت في الهواء تطير ميتة دون أن يصدقه أحد. توقف فجأة عن الكتابة وسط ذهول الملاحظة. ضغط بقلمه ذي المخروط الورقي على الورقة بقوة خاوية من أي ممحاة. فالأقلام هنا وُلدت مجردة من الممحات لتسجيل الجرح دون القدرة على محوه، فيما كان عقله ينساق ببطء وبلا هوادة نحو تأمل الأسطوانة المعدنية الصغيرة المختبئة في خلفية الرفات… كطريق بديل ومحتمل للنجاة.

 

عن الکاتب / الکاتبة

سلوان إحسان
سلوان إحسان
قاص . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قصتان

قصتان

1- غياب لثلاثة أيام متواصلة، أُسقِطَت ميساء من جغرافية المكان. لم أجرؤ على سؤال أحد؛…

صورة الكاتب سلوان إحسان
1 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
 مطر

 مطر

 مطر الكافتيريا ضيقةٌ كحُجرةِ انتظارٍ قديمة، تُحاصرنا بجدرانها وتلفظُ الزحامَ إلى الخارج ، حيث يتراكضُ…

صورة الكاتب سلوان إحسان
24 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الردهة الأخيرة … جناح رقم 6

بقلم: سلوان إحسان | التاريخ: 26 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

الردهة الأخيرة … جناح رقم 6

1
في الأسبوعين الأوليين له داخل الردهة الموحشة، لم يكن المريض قد استتب له أمر سوى مراقبة ميسون تلك الممرضة التي لم تكد تقطُن المكان حتى غادرت بصمت إداري غامض، أو أُعيد توجيه تكليفها بعيداً عنه بعد صدام صامت مع وعيه المتشظي وفظاظة لا تليق بالإنسانية. كانت في ستينياتها، بعينين تضيقان كخيط دخان لتعصرا استخفافاً بارداً وطويلاً قبل كل إجابة، وكأنها تتمتم باحتقار دفين: (ممم… أنت). في منتصف الليل حين يشتد الصداع النصفي ويتحول إلى فيروس متجذر في العنق حيث يلتقي العنق بالجمجمة ليمتد في شبكة شائكة من الاحتراق والالتواء الباطن، كان يترنح خارجاً بحثاً عن مسكنات باهتة ومذلة يمنحها النظام الطبي بحذر شحيح حين يضيء إنذار الإدمان القديم. الشقيقة لم تكن مجرد ألماً عابراً ؛ بل كانت وعياً مريضاً ينحت نصف الرأس بحثاً عن النصف المفقود في عتمة الذاكرة وخارج حدود اللغة.
2
تذكر بمرارة ليلة طوارئ الإفلاس الأولى . حين ألقته زوجته المنهكة في بهو مستشفى الجمهوري التعليمي ككتلة مهملة ، بعد أن فتش منزله المحموم عن بندقية صيد خالية من الذخيرة وكان يتمتم بأسماء الله. جردوه من كل ممتلكاته، ساعته، ملابسه، وكرامته، وألبسوه رداءً ورقياً رقيقاً وبدلة المرضى الزرقاء كأنه سيُساق إلى زنزانة سجنه المؤبد ، ودحرجوه قسراً إلى الجناح الحاد، ردهة رقم 6 ؛ الدائرة السفلى المخصصة للمذهونين ومحاولي الانتحار. هناك، تقاسم ليلته الأولى مع رجل سمين غاضب يلف حنجرته بضمادات سميكة يردد آيات قرآنية بطريقة مبتورة ومدمجة بصوت مزعج. وحين سأله أحدهم يوماً بفضول عن حصيلة قراءته وما تعلمه من آية الكرسي والقرآن، أجاب الرجل السمين بلا مهابة ولا اكتراث من القرآن؟ فصدح صوته بالبسلمة ودموجة بالأستعاذه مع ضحكة عالية مصنعة
فوقع صمت ثقيل أخرس جدران الردهة بأكملها، وجعل الممرضة ميسون تتمتم بغضب مستعر تحت أنفاسها.
3
في أروقة الجناح، كانت أقلام الرصاص قصيرة ومبتورة، لا تتجاوز أربعة بوصات، مبرية بعناية فائقة عند حافة محطة الممرضات لتمنع استخدامها كأداة للطعن. وهناك، علّمه الشاب النحيل الموشوم زيدون حيلة تمديد القلم بمخروط ورقي وشريط لاصق، ليتسنى له مواصلة تدوين مذكراته على الورق. وفي زحمة الأيام، أتاه وائل المريض الغارق في تفاصيل رسوماته الهندسية المعقدة ذات الألوان الزهرية والزرقاء بلوحة ورقية لطائر مزخرف ذي ذيل مروحي، فحملها إلى سريره كأثر مقدس، وغرقت عيناه في عبرة حارقة جفت فوراً قبل أن يغادر إلى باحة التدخين الخارجية. في الخارج، تحت ظل أشجار فتية ومحمومين برائحة السجائر وأدوية الانسحاب، اقتربت منه الممرضة رواء بجمالها المدمر وطلبها اليائس بأن يخبئ لها الحبوب تحت لسانه ولا يبتلعها ليمنحها إياها لاحقاً.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الخارج، بل حين تفرّدت به ميسون مجدداً داخل الممر لتنبش في ملفه الطبي القديم وتذكره بعلاقته الغرامية السابقة، عابثة بحدود المهنة باستعلاء موجع ومتسائلة عما إذا كان لا يشعر بالحرج تجاه زوجته. ترك هذا التدخل في نفسه غصة ثقيلة لا تطاق، الدفق فيها يتماهى مع شفقة بائسة على ضعف البشر وإهاناتهم المتكررة تحت سقف الوجود القاسي.

4
وللهروب من هذا الحصار الذهني والنفسي المرير، استرجع طفولته البعيدة في قرية ريفية جنوبية تبتل بمطر الشتاء حين يعلو الطين الجدران الرمادية والمقطورات المخفية. تذكر جدول الماء القديم وسمكة ميتة علقت في سياج حديدي غمرته مياه الفيضان الليلي وتجمدت في الهواء تطير ميتة دون أن يصدقه أحد. توقف فجأة عن الكتابة وسط ذهول الملاحظة. ضغط بقلمه ذي المخروط الورقي على الورقة بقوة خاوية من أي ممحاة. فالأقلام هنا وُلدت مجردة من الممحات لتسجيل الجرح دون القدرة على محوه، فيما كان عقله ينساق ببطء وبلا هوادة نحو تأمل الأسطوانة المعدنية الصغيرة المختبئة في خلفية الرفات… كطريق بديل ومحتمل للنجاة.