قراءة في تجربة الدكتور نضير الخزرجي
ليس كل من يقرأ كتاباً يستطيع أن يقدمه للقارئ وليس كل من يستعرض محتوياته يمتلك أدوات النقد والحكم على قيمته المعرفية والأدبية. فهناك مسافة بين القراءة بوصفها فعلاً معرفياً والعرض بوصفه تعريفاً بالمؤلف، والنقد بوصفه عملية تحليل وتفكيك وتقييم. ومن هذه المسافة يطل علينا كتاب الدكتور نضير الخزرجي “فن قراءة الكتاب ونقده.. جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم”، الصادر عن دار نشر قناديل، في مجلد ضخم يقع في 845 صفحة من القطع الكبير، ويضم قراءات ومقالات نقدية تتناول 154 عنواناً في مجالات معرفية وأدبية وفكرية متنوعة.
*القراءة بوصفها فناً معرفياً
يضع المؤلف في مقدمته تصوراً واسعاً لفن قراءة الكتب فهو لا يحصر القراءة في منهج واحد، بل يتحدث عن القراءة البسيطة والمعمقة والموضوعية والانطباعي والتفسيرية والتوضيحي والفهرسية والنقدية والاستعراضية. ويشبه المحرر الذي يقدم الكتاب للقارئ بالطباخ الماهر الذي يقدم وجبة شهية، في إشارة إلى أهمية الطريقة التي يعرض بها الكتاب وقدرة المحرر على إثارة شهية القارئ للمعرفة.
ويذهب الخزرجي إلى أن المقالة التي تقدم الكتاب قد تغني القارئ أحياناً عن قراءة متنه كاملاً أو قد تحقق النتيجة المعاكسة فتثير فضوله وتدفعه إلى اقتناء الكتاب والغوص في تفاصيله. وهذه رؤية تستحق التوقف عندها لأن المقالة التعريفية الجيدة تختصر الطريق إلى الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً كاملاً عنه. فقراءة الكتاب تجربة متكاملة، بينما المقالة تقدم مفاتيح أولية لفهمه وتكشف بعض ملامحه، وتساعد القارئ على اتخاذ قرار بشأن قراءته.
ويؤكد المؤلف أنه حاول تقديم مضمون الكتب بعيداً عن علاقته الشخصية بأصحابها سواء أكانت علاقة قبول أم رفض قرباً أم بعداً مشيراً إلى أن هذه القراءات امتدت على مدى أربعين عاماً. ويصف نفسه بأنه قارئ ومحرر وناقد معرفي وأدبي وانطباعي وموضوعي.
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات المهمة في الكتاب: هل يستطيع المحرر أن يفصل تماماً بين موقفه الشخصي وبين قراءته للنص؟ وهل يمكن الجمع بين الانطباع والموضوعية من دون أن يتداخل أحدهما مع الآخر؟ أعتقد أن الموضوعية ليست غياب الرأي الشخصي بل القدرة على ضبطه وإسناده إلى شواهد من الكتاب، بحيث لا يتحول الإعجاب أو الاختلاف إلى حكم مسبق. ومن هذه الزاوية يمكن فهم منهج الخزرجي بوصفه محاولة للجمع بين التعريف بالكتاب وإبداء الرأي فيه.
*أربعة أبواب.. وفضاءات معرفية متنوعة
قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أقسام رئيسية، تعكس تنوع الموضوعات التي اشتغل عليها خلال تجربته الطويلة.
جاء القسم الأول بعنوان “الإنسان والمجتمع”، وتناول موضوعات تتصل بالإنسان وقيمته وموقعه في المجتمع، ومنها: الإنسان خليفة الله، والقيمة الإنسانية في الإسلام، والبعد الإنساني في الرسالة الإسلامية، والمرأة الواعية مفتاح المجتمع الإسلامي.
أما القسم الثاني، “الإسلام والدولة”، فقد انتقل إلى العلاقة بين الفكر الديني وبناء الدولة، وتناول الدولة بوصفها ظاهرة اجتماعية تقتضيها ضرورة الحياة، والمرجعية الدينية والدولة، وأهمية السلطة القضائية في نظام الحكم، فضلاً عن تصورات ومبادئ عامة لمشروع عراق الغد.
وفي القسم الثالث، “التغيير الاجتماعي”، نجد موضوعات تتعلق بالعناصر الأساسية في عملية التغيير، والدين والحضارة وإرادة التغيير، والإسلاميين والخيار الديمقراطي، والأصولية بين السلب والإيجاب.
أما القسم الرابع، “حقوق الإنسان”، فقد ركز على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وبناء مجتمعات مدنية تتساوى فيها الأقلية والأكثرية، والعمل والعامل من خلال نهج البلاغة، وحق الاختلاف والتعددية والتعايش مع الآخرين.
ومن خلال هذا التقسيم نلاحظ أن الكتاب لا ينتمي إلى حقل معرفي واحد، بل يتحرك بين الفكر الإسلامي والاجتماعي والسياسي، وقضايا الدولة والمواطنة والتغيير وحقوق الإنسان. وهذا التنوع يمنحه قيمة مرجعية أولية للباحث والقارئ، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن طبيعة الرابط المنهجي الذي يجمع هذه الموضوعات المتباعدة تحت عنوان واحد هو فن قراءة الكتاب ونقده.
*شخصية الطاغوت.. نموذج تطبيقي للقراءة النقدية
من بين المقالات التي تستحق التوقف عندها قراءة المؤلف لكتاب “شخصية الطاغوت.. صدام نموذجاً” للكاتب هادي المدرسي، الصادر عام 1997.
يبدأ الخزرجي مقاله باستعراض عدد من الكتب التي صدرت في تمجيد صدام حسين، والتي حاول مؤلفوها تقديمه بصورة البطل والأسطورة، ويصفها بأنها سير ذاتية مزيفة لا تعكس حقيقة الشخصية التي تتناولها. ثم ينتقل إلى كتاب هادي المدرسي الذي اختار أن يقدم صورة معاكسة تماماً واضعاً شخصية صدام ضمن إطار الطاغية المستبد.
يعرض المقال ما أورده المدرسي بشأن نشأة صدام وأصوله العائلية، ومنها الرواية المتعلقة بوالده المزعوم، والحديث عن زواج والدته وانفصالها عنه، فضلاً عن مسألة الانتساب العلوي التي يناقشها المؤلف. وهذه التفاصيل ينبغي التعامل معها بوصفها روايات وادعاءات يقدمها الكتاب، لا حقائق تاريخية محسومة من دون أدلة مستقلة.
واللافت في قراءة المدرسي أنه لا يكتفي بتتبع السيرة الشخصية، بل يحاول الانتقال إلى تحليل شخصية الطاغية، مستعيناً بنموذج فرعون، ويطرح سؤالاً فكرياً مهماً: هل يولد الطاغية أم تصنعه الظروف؟
يرى المدرسي أن الطاغية قد يحمل منذ نشأته استعدادات وصفات معينة، وأن البيئة وأدوات الحكم تسهم في تكوين شخصيته، كما يمكن للظروف السياسية والاجتماعية أن تصنع طاغية جديداً. وهذا الطرح يفتح الباب أمام مناقشة العلاقة بين التكوين النفسي للفرد والبيئة السياسية التي تمنحه القدرة على ممارسة الاستبداد.
ويتابع المقال استعراض العلامات التي يحددها المدرسي لشخصية الطاغية، ومنها الاستبداد في اتخاذ القرار، والتفرد بالحكم، والغدر والاغتيال، والاستهتار بحياة الناس، والقسوة، والتقلب في المواقف، والتآمر، وحب المغامرة.
ومن الشواهد التي يستوقفنا عندها المقال الحوار الذي ينقله الكتاب بين صدام ومذيعة أمريكية بشأن الصور المنتشرة له في الميادين العامة. إذ يبرر صدام وجود تلك الصور بأن الشعب يحب رؤيتها، ثم يذهب إلى القول إن كل رغيف يأكله المواطن وكل معطف يرتديه يعود نصفه إليه، وكأن العراق اختُزل في شخص الحاكم.
إن هذه العبارة بصرف النظر عن سياقها تكشف جوهر العقلية الشمولية التي تلغي المجتمع وتستبدل الدولة بالفرد وتجعل الوطن ملكية رمزية للحاكم. وهنا تتجاوز القراءة حدود السيرة الشخصية لتلامس طبيعة النظام السياسي القائم على عبادة الفرد ومصادرة إرادة المجتمع.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن الخزرجي لا يكتفي بتلخيص مضمون الكتاب بل ينقل للقارئ بعض مفاتيحه الفكرية والنفسية والسياسية، ويتيح له التعرف على الطريقة التي انتقل بها المؤلف من الوقائع والسيرة إلى تحليل الشخصية.
*أدب المكان والذاكرة الاجتماعية
لا تقتصر موضوعات الكتاب على الفكر والسياسة، بل تمتد إلى عوالم المكان والذاكرة الشعبية، وهو جانب يمنح هذه المجموعة تنوعاً إضافياً.
فمن بين العناوين التي تناولها المؤلف كتب مثل “دكاكين كربلاء القديمة”، و”سوالف من أزقة بغداد وحواريها”، و”مذكرات من جنوب العراق تحكي عذابات قصر النهاية”، و”الكتاب الذي فجر انتفاضة النعل”.
وتكشف هذه العناوين عن اهتمام بذاكرة المدن وأحيائها وأسواقها، وبالحكايات التي تختزنها الأمكنة، فضلاً عن الذاكرة السياسية والاجتماعية وما تحمله من تجارب الألم والاحتجاج. فالمكان هنا ليس خلفية للأحداث فحسب، وإنما مستودع للذاكرة الإنسانية وشاهد على التحولات التي عاشها المجتمع العراقي.
ومن المهم أن تتعامل القراءة النقدية مع هذا النوع من المؤلفات من خلال الكشف عن العلاقة بين المكان والإنسان وكيف تتحول التفاصيل اليومية والحكايات الشعبية إلى وثيقة ثقافية تحفظ ملامح مرحلة قد تختفي مع مرور الزمن.
*بين العرض والنقد.. أين تكمن قيمة الكتاب؟
إن أبرز ما يميز تجربة نضير الخزرجي هو اتساع مساحة القراءة لديه، وامتدادها زمنياً لتشمل 154 كتاباً، بما يعكس مثابرة في متابعة الإنتاج الفكري والأدبي ورغبة في تقديم عناوين قد لا تحظى جميعها بالاهتمام الإعلامي أو النقدي الكافي.
لكن ضخامة الكتاب وتعدد موضوعاته لا تعفيه من سؤال المنهج. فهل جميع المقالات قراءات نقدية بالمعنى الاصطلاحي؟ أم أن بعضها يقترب من العرض والتلخيص والتعريف، فيما يتجه بعضها الآخر إلى التحليل وإبداء الرأي؟
في تقديري لا ينبغي أن نضع جميع هذه الأنماط في مستوى واح، فهناك فرق بين أن نعرف القارئ بمحتويات كتاب، وأن نفسر أفكاره، وأن نحلل بنيته، وأن نناقش أطروحاته ونختبر مدى تماسكها. كما أن القراءة النقدية لا تكتمل بمجرد نقل الأفكار المهمة، وإنما تحتاج إلى محاورة المؤلف والكشف عن نقاط القوة والضعف ومناقشة الأدلة والنتائج ووضع العمل في سياقه المعرفي.
ومن هنا فإن عنوان الكتاب يضع أمام المؤلف والقارئ مسؤولية مزدوجة: فن القراءة من جهة، وممارسة النقد من جهة أخرى. فالقراءة الجيدة تفتح أبواب المعرفة، أما النقد الجيد فيضيف إليها ولا يكتفي بإعادة إنتاج ما جاء في الكتاب.
*خاتمة
يمثل كتاب “فن قراءة الكتاب ونقده.. جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم” تجربة واسعة في متابعة الكتب والتعريف بها ويقدم حصيلة أربعين عاماً من القراءة والرصد والتدوين. وتكمن أهميته في أنه يضع بين أيدي القراء خريطة متنوعة من المؤلفات والموضوعات، ويمنحهم فرصة للتعرف على عوالم معرفية مختلفة من خلال مقالات موجزة أو معمقة بحسب طبيعة كل قراءة.
ومع ذلك تبقى القيمة الحقيقية لأي مشروع نقدي مرهونة بقدرته على تجاوز التلخيص إلى التحليل، والوصف إلى المحاورة، والانطباع إلى بناء موقف يستند إلى الأدلة والشواهد. فالناقد ليس فقط ناقل أمين لأفكار المؤلف، بل قارئ مستقل يمتلك حق السؤال والاختلاف والمساءلة.
إن الكتاب بهذا المعنى دعوة إلى إعادة الاعتبار لفعل القراءة في زمن تتزاحم فيه المعلومات وتقل فيه فرص التأمل، وتذكير بأن الكتاب لا تنتهي حكايته عند آخر صفحة، بل تبدأ حكايته الأخرى عندما يلتقي بقارئ يمتلك القدرة على الفهم والتأويل والنقد
فن قراءة الكتاب ونقده.. جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم
قراءة في تجربة الدكتور نضير الخزرجي
ليس كل من يقرأ كتاباً يستطيع أن يقدمه للقارئ وليس كل من يستعرض محتوياته يمتلك أدوات النقد والحكم على قيمته المعرفية والأدبية. فهناك مسافة بين القراءة بوصفها فعلاً معرفياً والعرض بوصفه تعريفاً بالمؤلف، والنقد بوصفه عملية تحليل وتفكيك وتقييم. ومن هذه المسافة يطل علينا كتاب الدكتور نضير الخزرجي “فن قراءة الكتاب ونقده.. جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم”، الصادر عن دار نشر قناديل، في مجلد ضخم يقع في 845 صفحة من القطع الكبير، ويضم قراءات ومقالات نقدية تتناول 154 عنواناً في مجالات معرفية وأدبية وفكرية متنوعة.
*القراءة بوصفها فناً معرفياً
يضع المؤلف في مقدمته تصوراً واسعاً لفن قراءة الكتب فهو لا يحصر القراءة في منهج واحد، بل يتحدث عن القراءة البسيطة والمعمقة والموضوعية والانطباعي والتفسيرية والتوضيحي والفهرسية والنقدية والاستعراضية. ويشبه المحرر الذي يقدم الكتاب للقارئ بالطباخ الماهر الذي يقدم وجبة شهية، في إشارة إلى أهمية الطريقة التي يعرض بها الكتاب وقدرة المحرر على إثارة شهية القارئ للمعرفة.
ويذهب الخزرجي إلى أن المقالة التي تقدم الكتاب قد تغني القارئ أحياناً عن قراءة متنه كاملاً أو قد تحقق النتيجة المعاكسة فتثير فضوله وتدفعه إلى اقتناء الكتاب والغوص في تفاصيله. وهذه رؤية تستحق التوقف عندها لأن المقالة التعريفية الجيدة تختصر الطريق إلى الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً كاملاً عنه. فقراءة الكتاب تجربة متكاملة، بينما المقالة تقدم مفاتيح أولية لفهمه وتكشف بعض ملامحه، وتساعد القارئ على اتخاذ قرار بشأن قراءته.
ويؤكد المؤلف أنه حاول تقديم مضمون الكتب بعيداً عن علاقته الشخصية بأصحابها سواء أكانت علاقة قبول أم رفض قرباً أم بعداً مشيراً إلى أن هذه القراءات امتدت على مدى أربعين عاماً. ويصف نفسه بأنه قارئ ومحرر وناقد معرفي وأدبي وانطباعي وموضوعي.
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات المهمة في الكتاب: هل يستطيع المحرر أن يفصل تماماً بين موقفه الشخصي وبين قراءته للنص؟ وهل يمكن الجمع بين الانطباع والموضوعية من دون أن يتداخل أحدهما مع الآخر؟ أعتقد أن الموضوعية ليست غياب الرأي الشخصي بل القدرة على ضبطه وإسناده إلى شواهد من الكتاب، بحيث لا يتحول الإعجاب أو الاختلاف إلى حكم مسبق. ومن هذه الزاوية يمكن فهم منهج الخزرجي بوصفه محاولة للجمع بين التعريف بالكتاب وإبداء الرأي فيه.
*أربعة أبواب.. وفضاءات معرفية متنوعة
قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أقسام رئيسية، تعكس تنوع الموضوعات التي اشتغل عليها خلال تجربته الطويلة.
جاء القسم الأول بعنوان “الإنسان والمجتمع”، وتناول موضوعات تتصل بالإنسان وقيمته وموقعه في المجتمع، ومنها: الإنسان خليفة الله، والقيمة الإنسانية في الإسلام، والبعد الإنساني في الرسالة الإسلامية، والمرأة الواعية مفتاح المجتمع الإسلامي.
أما القسم الثاني، “الإسلام والدولة”، فقد انتقل إلى العلاقة بين الفكر الديني وبناء الدولة، وتناول الدولة بوصفها ظاهرة اجتماعية تقتضيها ضرورة الحياة، والمرجعية الدينية والدولة، وأهمية السلطة القضائية في نظام الحكم، فضلاً عن تصورات ومبادئ عامة لمشروع عراق الغد.
وفي القسم الثالث، “التغيير الاجتماعي”، نجد موضوعات تتعلق بالعناصر الأساسية في عملية التغيير، والدين والحضارة وإرادة التغيير، والإسلاميين والخيار الديمقراطي، والأصولية بين السلب والإيجاب.
أما القسم الرابع، “حقوق الإنسان”، فقد ركز على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وبناء مجتمعات مدنية تتساوى فيها الأقلية والأكثرية، والعمل والعامل من خلال نهج البلاغة، وحق الاختلاف والتعددية والتعايش مع الآخرين.
ومن خلال هذا التقسيم نلاحظ أن الكتاب لا ينتمي إلى حقل معرفي واحد، بل يتحرك بين الفكر الإسلامي والاجتماعي والسياسي، وقضايا الدولة والمواطنة والتغيير وحقوق الإنسان. وهذا التنوع يمنحه قيمة مرجعية أولية للباحث والقارئ، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن طبيعة الرابط المنهجي الذي يجمع هذه الموضوعات المتباعدة تحت عنوان واحد هو فن قراءة الكتاب ونقده.
*شخصية الطاغوت.. نموذج تطبيقي للقراءة النقدية
من بين المقالات التي تستحق التوقف عندها قراءة المؤلف لكتاب “شخصية الطاغوت.. صدام نموذجاً” للكاتب هادي المدرسي، الصادر عام 1997.
يبدأ الخزرجي مقاله باستعراض عدد من الكتب التي صدرت في تمجيد صدام حسين، والتي حاول مؤلفوها تقديمه بصورة البطل والأسطورة، ويصفها بأنها سير ذاتية مزيفة لا تعكس حقيقة الشخصية التي تتناولها. ثم ينتقل إلى كتاب هادي المدرسي الذي اختار أن يقدم صورة معاكسة تماماً واضعاً شخصية صدام ضمن إطار الطاغية المستبد.
يعرض المقال ما أورده المدرسي بشأن نشأة صدام وأصوله العائلية، ومنها الرواية المتعلقة بوالده المزعوم، والحديث عن زواج والدته وانفصالها عنه، فضلاً عن مسألة الانتساب العلوي التي يناقشها المؤلف. وهذه التفاصيل ينبغي التعامل معها بوصفها روايات وادعاءات يقدمها الكتاب، لا حقائق تاريخية محسومة من دون أدلة مستقلة.
واللافت في قراءة المدرسي أنه لا يكتفي بتتبع السيرة الشخصية، بل يحاول الانتقال إلى تحليل شخصية الطاغية، مستعيناً بنموذج فرعون، ويطرح سؤالاً فكرياً مهماً: هل يولد الطاغية أم تصنعه الظروف؟
يرى المدرسي أن الطاغية قد يحمل منذ نشأته استعدادات وصفات معينة، وأن البيئة وأدوات الحكم تسهم في تكوين شخصيته، كما يمكن للظروف السياسية والاجتماعية أن تصنع طاغية جديداً. وهذا الطرح يفتح الباب أمام مناقشة العلاقة بين التكوين النفسي للفرد والبيئة السياسية التي تمنحه القدرة على ممارسة الاستبداد.
ويتابع المقال استعراض العلامات التي يحددها المدرسي لشخصية الطاغية، ومنها الاستبداد في اتخاذ القرار، والتفرد بالحكم، والغدر والاغتيال، والاستهتار بحياة الناس، والقسوة، والتقلب في المواقف، والتآمر، وحب المغامرة.
ومن الشواهد التي يستوقفنا عندها المقال الحوار الذي ينقله الكتاب بين صدام ومذيعة أمريكية بشأن الصور المنتشرة له في الميادين العامة. إذ يبرر صدام وجود تلك الصور بأن الشعب يحب رؤيتها، ثم يذهب إلى القول إن كل رغيف يأكله المواطن وكل معطف يرتديه يعود نصفه إليه، وكأن العراق اختُزل في شخص الحاكم.
إن هذه العبارة بصرف النظر عن سياقها تكشف جوهر العقلية الشمولية التي تلغي المجتمع وتستبدل الدولة بالفرد وتجعل الوطن ملكية رمزية للحاكم. وهنا تتجاوز القراءة حدود السيرة الشخصية لتلامس طبيعة النظام السياسي القائم على عبادة الفرد ومصادرة إرادة المجتمع.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن الخزرجي لا يكتفي بتلخيص مضمون الكتاب بل ينقل للقارئ بعض مفاتيحه الفكرية والنفسية والسياسية، ويتيح له التعرف على الطريقة التي انتقل بها المؤلف من الوقائع والسيرة إلى تحليل الشخصية.
*أدب المكان والذاكرة الاجتماعية
لا تقتصر موضوعات الكتاب على الفكر والسياسة، بل تمتد إلى عوالم المكان والذاكرة الشعبية، وهو جانب يمنح هذه المجموعة تنوعاً إضافياً.
فمن بين العناوين التي تناولها المؤلف كتب مثل “دكاكين كربلاء القديمة”، و”سوالف من أزقة بغداد وحواريها”، و”مذكرات من جنوب العراق تحكي عذابات قصر النهاية”، و”الكتاب الذي فجر انتفاضة النعل”.
وتكشف هذه العناوين عن اهتمام بذاكرة المدن وأحيائها وأسواقها، وبالحكايات التي تختزنها الأمكنة، فضلاً عن الذاكرة السياسية والاجتماعية وما تحمله من تجارب الألم والاحتجاج. فالمكان هنا ليس خلفية للأحداث فحسب، وإنما مستودع للذاكرة الإنسانية وشاهد على التحولات التي عاشها المجتمع العراقي.
ومن المهم أن تتعامل القراءة النقدية مع هذا النوع من المؤلفات من خلال الكشف عن العلاقة بين المكان والإنسان وكيف تتحول التفاصيل اليومية والحكايات الشعبية إلى وثيقة ثقافية تحفظ ملامح مرحلة قد تختفي مع مرور الزمن.
*بين العرض والنقد.. أين تكمن قيمة الكتاب؟
إن أبرز ما يميز تجربة نضير الخزرجي هو اتساع مساحة القراءة لديه، وامتدادها زمنياً لتشمل 154 كتاباً، بما يعكس مثابرة في متابعة الإنتاج الفكري والأدبي ورغبة في تقديم عناوين قد لا تحظى جميعها بالاهتمام الإعلامي أو النقدي الكافي.
لكن ضخامة الكتاب وتعدد موضوعاته لا تعفيه من سؤال المنهج. فهل جميع المقالات قراءات نقدية بالمعنى الاصطلاحي؟ أم أن بعضها يقترب من العرض والتلخيص والتعريف، فيما يتجه بعضها الآخر إلى التحليل وإبداء الرأي؟
في تقديري لا ينبغي أن نضع جميع هذه الأنماط في مستوى واح، فهناك فرق بين أن نعرف القارئ بمحتويات كتاب، وأن نفسر أفكاره، وأن نحلل بنيته، وأن نناقش أطروحاته ونختبر مدى تماسكها. كما أن القراءة النقدية لا تكتمل بمجرد نقل الأفكار المهمة، وإنما تحتاج إلى محاورة المؤلف والكشف عن نقاط القوة والضعف ومناقشة الأدلة والنتائج ووضع العمل في سياقه المعرفي.
ومن هنا فإن عنوان الكتاب يضع أمام المؤلف والقارئ مسؤولية مزدوجة: فن القراءة من جهة، وممارسة النقد من جهة أخرى. فالقراءة الجيدة تفتح أبواب المعرفة، أما النقد الجيد فيضيف إليها ولا يكتفي بإعادة إنتاج ما جاء في الكتاب.
*خاتمة
يمثل كتاب “فن قراءة الكتاب ونقده.. جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم” تجربة واسعة في متابعة الكتب والتعريف بها ويقدم حصيلة أربعين عاماً من القراءة والرصد والتدوين. وتكمن أهميته في أنه يضع بين أيدي القراء خريطة متنوعة من المؤلفات والموضوعات، ويمنحهم فرصة للتعرف على عوالم معرفية مختلفة من خلال مقالات موجزة أو معمقة بحسب طبيعة كل قراءة.
ومع ذلك تبقى القيمة الحقيقية لأي مشروع نقدي مرهونة بقدرته على تجاوز التلخيص إلى التحليل، والوصف إلى المحاورة، والانطباع إلى بناء موقف يستند إلى الأدلة والشواهد. فالناقد ليس فقط ناقل أمين لأفكار المؤلف، بل قارئ مستقل يمتلك حق السؤال والاختلاف والمساءلة.
إن الكتاب بهذا المعنى دعوة إلى إعادة الاعتبار لفعل القراءة في زمن تتزاحم فيه المعلومات وتقل فيه فرص التأمل، وتذكير بأن الكتاب لا تنتهي حكايته عند آخر صفحة، بل تبدأ حكايته الأخرى عندما يلتقي بقارئ يمتلك القدرة على الفهم والتأويل والنقد
التعليقات