آثار الجرذ
“الكتابة عن الكتابة في لحظة انعدام الثقة” .
الحجرة التي سكنها لها نافذة حافتها السفلى بمستوى الأرض، أمامها بقايا حديقة وعشب يتنامى بلا عناية. مدد قدميه باتجاه الحديقة. انتبه إلى حقيبته. لا يملك غير أوراق وقلم، لكنها وحدها كانت كافية لإثارة الشغب من حوله، حيث لم يسلم أحد من سخريته اللاذعة. كان يكتب من دون توقف.
لمح مرة ظلًا خطف من أسفل الباب. كان أحدهم يحمل جرائد وأوراقًا ويتربص خلفه. سأله عن انتماءاته. أجابه بأنه لا منتمي، فغر فاه وقال:
“كل هذه المنشورات… وتقول لا منتمي!”
قضى ليلة في المخفر. وفي الصباح، أُطلق سراحه.
في غرفته البائسة، وجد الخراب الذي ينام في الحديقة قد تسلل بسرعة إلى الداخل. فكتب على عجل، كأنه يسابق وصوله:
“المحقق لم يفهم معنى اللامنتمي، دوّنني كما لو كنت منتميًا.”
ذات مساء، هبت نسمة هواء منعشة. سرى الخدر في أطرافه، وتوقف قليلًا، يترك بصره يتجول. لفت نظره اهتزاز ناعم في أطراف النباتات، كأنه خصلاتِ شعر تُسرّح نفسها ببطء. ثم سمع طرقة خفيفة على الباب.
وقفت هناك فتاة حسناء، جارته في الشقة المقابلة. عيناها بلوريتان، بلون لا يثبت على حال.
من زجاج نافذتها، كانت تراقبه منذ مدة، لكنه لم يكن يهتم بوجودها.
قالت بهدوء:
“كنت أجمع ما تطاير من قصاصاتك، إلى هناك وأقرؤها. لست وحدك من يكتب ضد هذا الصمت.”
تطلع إليها بريبة، لكنه وجد في عينيها طاقة تتسع لما لا تحتمله أوراقه. لم تسأله عمّا يكتب، بل عمّا يفلت منه.
نهض متأثرًا، ورافقها بخطوات بطيئة داخل الغرفة. تحدثا قليلًا، ثم غادرت.
من النافذة، رآها تتجول في الحديقة. تنحني، تلتقط ما تبقى من القصاصات، تنفض عنها التراب، تقرّب بعضها من وجهها كأنها تتحقق منه، ثم تُخفي جزءًا منها في حقيبتها، وتعيد البقية إلى الأرض بترتيب لا يشبه ما كانت عليه. وقبل أن تختفي، التفتت نحوه بنظرة مستعجلة، كأنها لم تأخذ ما يكفي.
في اليوم التالي، عاد رجلان من رجال الأمن. قيّد أحدهما يديه. فيما كان الثاني قد انتهى توًا من قراءة آخر ما كتب:
“في زمن التطور، تقلّ الحاجة إلى المحققين ورجال الأمن، وتحلّ محلهم أجهزة الذكاء الاصطناعي.”
هذه المرّة، لم يكن الاستجواب كسابقه. استدعاه ضابط أعلى رتبة. جلس أمامه بهدوء، وفتح ملفًا:
“اطلعتُ بشكل كافٍ على ما تكتب. لستُ متضايقًا من نقدك… لكنّي خائفٌ من أن تصدّق ما تكتب.”
أُطلق سراحه.ُ وخرج وهو يشعر أن شيئًا ما لم يُسأل عنه بعد… أو سُئل، ولم يسمعه. رفع عينيه نحو زجاج النافذة العليا، كأنّ الإجابة هناك.
شعر أنّ العزلة لم تحقق له كلّ مايريد، كأن وقته مرهون بطرقة مستطرق أو عامل بلدية أو فقير يستجدي..لم يحسب للقادم المجهول في حساباته.
لم يمضِ وقت طويل، وها هو المجهول قد حضر، لقد عادوا. هم نفسهم، لكن هذه المرة، لم يقيدوه. وقفوا أمام قصاصاته المبعثرة، يتأملونها. قرأ أحدهم بصوت خافت، ثم طوى ورقة ووضعها في جيبه، كأنها لا تخص أحدًا. تطلّع إليهم مشدوهًا. لم يدرِ أكان هذا انتصارًا لكتاباته، أم بداية اختفائها.
بحث عن جارته. كان بابها مغلقًا. أخبره صاحب البناء أنها اعتُقلت قبل يومين، ولا أحد يعرف أين نُقلت.عاد إلى غرفته منهكًا، وكتب بحدّة أكثر، كأن الاحتجاز في المخفر مرتين وفقدانها زاده إصرارًا وعنادًا.
كتب وكتب وكتب… حتى أخرج سنّ قلمه صراخًاحادًا. لم ير ما تسلل من خراب عند غيابه، لكنه فوجئ بظهور جرذ ضخم في الغرفة، كان يقضم بشراهة ما كتب، يبعثر القصاصات ، و يبتلع بعضها. تجمّد وهو يراقبه.
فكّر في حل. تخيّل أنه يكتب على الجدار بدل الورق. أربعة جدران واسعة، لا تصل إليها أسنان. رأى نفسه يملأها كتابة، ثم يقف بعيدًا، يتأمل، ويضحك أخيرًا.
حين أفاق، وجد الجدار مليئًا بخطوط عليها آثار أسنان مجهولة. كأن الجرذ لم يكتفِ بالأوراق، وبدأ يلتهم الجدران أيضًا. ظن أنه ارتفع فوق عبث الجرذ، لكن يده المرتجفة كانت تقول إن الخراب لا يزال يتسلق داخله.
في تلك الليلة، رأى في المنام ما لم يستطع فك شفرته. رأى الجدران الأربعة تتحول إلى غرفة استجواب، والمحققون جرذان يرتدون زيًا رسميًا، يملي عليه أحدهم ما يجب أن يكتبه. استيقظ يتصبب عرقًا، وهو لا يدري إن كان ما يكتبه على الجدران هو ما أراده أم ما أُملي عليه. منذ ذلك الحلم، صار يمسح ما كتب ويعيد كتابته، دون أن يتذكر الفرق. وكلما حوّل نظره عن الورق، وجد الجرذ مازال يرمقه وقد ازداد بطنه انتفاخا.
تعثر وزاغت عيناه. رأى الستائر تتحرك وتنفرج لوحدها. الأفكار في ذهنه لم تخرج مناسبة كالمعتاد. ازدادت ارتجافة يده وأصابعه على الورق. شعر أن الكلمات تتبخر قبل أن تكتمل، وأن القلم صار يجرّه بدل أن يقوده. الحديقة أمام النافذة بدأت تنمو بشكل متوحش، وأغصانها تدخل من النافذة، وكأنها تحاول مد جحرها إلى داخل الغرفة. ثم سقط الجرذ على الفور ميتًا عند النافذة، هكذا لوحده. لكنه لم يرحل، بل استيقظ في القلم نفسه، وراح يزحف من بين الأصابع، يقرض الحروف قبل أن تولد.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت الأوراق تتكدس، والجدران تمتلئ بنفس الخطوط المقضومة، بينما ظل هو يحدق في النافذة، يتساءل بصمت: هل أن الجرذ هو الذي يحرك أصابعه، أم صار هو نفسه جرذًا يكتب، أو أنه مجرد شاهد على نصوص تُكتب من غيره؟
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
سعد عودة
التعليقات