الشـاعر واكتمـال الغيـاب
قراءةٌ في قصيدةٍ لمحمود درويـش
سردية للغياب المبجّـل :
في قصيدة ” الآن في المنفى ” (1 ) على قصرها ، يحشد محمود درويش الكثير من عناصر دهائه الشعري ، كالمفارقة، والتضاد، والاستعارة ، والكناية، وألاعيب السرد ، حتى بدت هذه القصيدة طافحة بثراء شعري لافت ، أتاح للكثير من أساليب الأداء الممتع ، ومرونة الذاكرة ، وانقلاب اللغة على ذاتها أن يتحقق بأقصى مدى ممكن من الفاعلية . وهكذا هيأ الشاعر قصيدته لأداء عدد من الدلالات المتشابكة : الكمال ، النقصان ، الغياب ، الحضور، السرعة والإبطاء.
نقرأ في المقطع التالي :
الآن في المنفى ، نعم في البيت ،
في الستين ، من عمر سريع يوقدون الشمع لك
فافرح بأقصى ما استطعت من الهدوءِ
لأن موتاً طائشاً ظل الطريق إليكَ
من فرط الزحام .. وأجّلكْ ..
يضم هذا المقطع الفقرتين الأولى والثانية من النقصيدة لترابطهما في البنية والدلالة ، ويؤسس لتقنية سردية شديدة الجاذبية ، ستظل فاعلة في النص كله حتى النهاية ، ومعنية بخطابٍ لا يكفّ عن توجيهه راوٍ كليّ العلم الى مرويٍّ له، يكتفي غالباً بالإصغاء. وهاتان الشخصيتان كما يتبين لاحقاً ، في حقيقتهما، أو فضائهما الخيالي شخصية واحدة ، هي الأنا الشعرية في تشظيها الدلالي أو مداها التأويلي المحتمل ، لكنهما ، كلتيهما، تنبثقان من جذر داخلي واحد: هو الذات الشاعرة التي تنشىء النص وتهدمه في اللحظة ذاتها ، أو التي يتهددها غياب وشيك هي ضحيته وصانعته لا فرق، لكنه غياب مؤجل ( 2 ) ، أو يظل مؤجلاً على الأقل ، ربما حتى يأخذ النص، كما الغياب، شكله النهائي تاماً ودون نقصان .
.
ومن المثير أن محمود درويش ، ومنذ أكثر من عقدين من الزمان ، لم يكن بعيداً عن هاجس الموت أو الغياب، لأسباب شخصية أو ثقافية أو لتعايشه الدائم مع الموت الفلسطيني الذي فاض عن طاقة اللغة كما ذكر درويش نفسه في أحدى المناسبات . ويكفي أن نذكر حواره مع الموت في قصيدته المدهشة ، ” جدارية “( 3) ليتبين لنا ذلك بوضوح موجع . وفي نصه الطويل ” في حضرة الغياب “( 4) يقتبس ببيتاً مشهوراً لمالك بن الريب، قبل المتن، يحتشد بهاجس الموت وحيداً :
يقولون : لا تبعـد ، وهم يدفنونني وأين مكان البعـد إلا مكانيا ؟
وقبل أن أبدأ في تحليل ما أشرت إليه قبل قليل ، سأضع إطاراً موجزاً لما يقترحه النصّ، أو يتخيله الراوي من تفاصيل :
ثمة عمرٌ سريع، هو عمر الشخصية الرئيسية في النص، يسرع به صوب نهايته وأصدقاء يحتفلون بتلك النهاية ، بعد أن أصبح الشاعر لا يملك حتى قلباً قادراً على الفرح. إن لحظة النهاية قد كمنت له في منعطف ما: حدث عابر أو صدفة ليست في الحسبان، فهو اليوم يعيش بالصدفة ويموت بالصدفة أيضاً ، ومع ذلك يظل عصياً على اليأس والإحباط . إن الشاعر ينادي الحياة بكل ما فيها من ملذات أن تتريث أو تبطىء في السير ، وأن تقبل عليه كما هو مقبل عليها، متباهية بكل ما تتحلى به من أنوثة ومكر جميلين . ثم يدفع السارد بالدلالة خطوة أخرى ، كاشفاً عن دوافعه من وراء ذلك : كي يشهد الحياة كاملة ، لكنها ناقصة كما الموت تماماً، مقارنة بموت بطل القصيدة ، الذي هو أعظم الميتات وأعمقها خلوداً ، والذي لا تكتمل حتى دلالة الموت أو الحياة إلا به ومن خلاله .
وهكذا فإن القصيدة لا تسرد تجربة تندرج في ذمة الماضي ، أو تجربة تتشكل بوحي من الراهن وضغوطاته، غير أنها تهجس أو تستبطن مكونات تجربة ما تزال مضمرة بظهر الغيب ، وهي خليط تقترحه قوة التخيل تارة وراهنية الارتجال تارة أخرى . إن المقطع الأول، مثلاً ، يتكشف لنا عن قوتين تنتميان الى طاقة التخيل أو زخم التلفظ الجامح ، وتحركان عصب القصيدة ، وتغذيان حركتها بالتفاصيل المتلاطمة والغموض الذي لا يستقر على حال، وأعني بهما: المفارقة
Irony ، والعبارة المتناقضة paradox . ( 5 )
عنوان النصّ :
وعودة الى تأمل المقطع الافتتاحي ثانية، يندفع عنوان القصيدة مسرعاً الى الاندماج بذلك المقطع لفظاً ودلالة دون إبطاء ليشكل البداية المتوهجة للقصيدة، في محاكاة أيقونية لفكرتها وفي جدل طرفيها : السرعة في تفصيلات شتى كما سنرى ، تقابلها الدعوة الى الإبطاء في تفصيلات مماثلة :
الآن في المنفى ، نعم في البيت ،
في الستين ، من عمر سريع يوقدون الشمع لك
فافرح بأقصى ما استطعت من الهدوءِ
لأن موتاً طائشاً ظل الطريق إليكَ
من فرط الزحام .. وأجّلكْ ..
وبذلك يتحدد المكان الشعري ، في القصيدة ، منذ البيت الأول أيضاً . إن ثمة تضاداً شديد السطوع بين ( المنفى و البيت ) ، إذ ترتبك ملامح الزمان والمكان وتتشابك حدودهما، حدّ اختلاط كل منهما بالآخر، فحين تنهدم تخوم اللحظة الراهنة في الظرف ” الآن ” فإن شحنتها الفجائعية تتجاوز المكان الفاصل بين الهنا والهناك ، باحثة عن توازنها القلق الذي قد يتحقق في وقائع أو أزمنة يتخيلها الراوي ، أو يمليها على المروي له. ويتطور نسيج القصيدة ويتحدد مسارها الدلالي انطلاقاً من هذه النقطة ، حيث تتوالى التفاصيل وتتمدد بين البيت والمنفى، وما تقترحه مخيلة تقول ومخيلة تصغي، وكما يلي:
حدث خاص جداً، يتشكل في بيت كأنه المنفى، أو منفىً كالبيت ، جراء وحدة مدوية أو حميمية كونية، تستمدان دلالتهما من أبّهة المحتفى به، أو بعمره السريع ، ستين عاماً ، أو غيابه الممعن في بهائه وكماله المدوّي ، وهي إشارة الى كاتب النص، ستزداد كثافة في ظل إشارات لاحقة. وبذلك لا يكتمل هذا النقصان إلا مع نهاية النص ، الذي لا تتوقف محاولات كاتبه لتدارك نقصانه هو الآخر( 6 ).
النقصان باحثاً عن اكتماله :
لاحظنا في المقطع الأول من القصيدة، أن الشاعر يُراكم مشاهد النقصان شيئاً فشيئاً. ومن هذه المشاهد ما هو جزئي في دلالته و منها ما هو كلي الدلالة . ففي المقطع الأول من القصيدة نلاحظ أن هناك ثلاث صور، تتميز بالنقصان تاماً أو جزئياً العمر السريع : صورة مفرغة جزئياً من دلالتها على الاكتمال ، حيث أصدقاء الشاعر يحتفلون بعمر سريع موشك على النفاد: ستين عاماً. ويمثل هذا الرقم إضاءة شخصية شديدة الدلالة على كاتب النص.
وهناك حالة الفرح التي لا تعاش إلا ناقصة ، أعني بأقصى حالة من الهدوء . الصورة هنا تعكس مفارقة في أشد غرابتها، فالشاعر لا يملك قلباً صالحاً للفرح كما يبدو، بل عليه أن يمارس فرحاً منقوصاً ، إن جاز لنا القول.
والمفردة الثالثة هي الموت، الذي أضاع الطريق بسبب الزحام . نحن هنا، إزاء منطقين : منطق واقعي وآخر شعري، فهذا الموت مؤجل بحكم الواقع ، غير أن للقصيدة منطقاً آخر، هو منطق الصورة والتضاد والمفارقة والدلالة الاحتمالية . إن الموت، وفق المنطق الشعري لا الواقعي، ما يزال حيا ً. وهو طائش، وضال، بعد أن واجه زحاماً شديداً ، فأجل هلاك الشاعر الى موعد آخر. وبذلك تسهم هذه الصور الثلاث في التأسيس لفكرة النقصان على مستوى الصورة أو المشهد في العبارة الشعرية ، التي ستهيمن على الدلالة الكلية للقصيدة كما سنبين في المقاطع المقبلة .
في المقطع الثاني من القصيدة، الذي يجمع الفقرتين الثالثة والرابعة لترابطهما الدلالي والجمالي، نجد أنفسنا في مواجهة مشهد يشتمل على عنصر فائق الدلالة في كل جمال تقليدي : القمر . لكن جماله هنا ، غريب ومنقوص الى حد كبير، فهو فضوليّ وغبيّ، أو كالغبي ، أي أنه منزوع الجمال والجاذبية التي اقترنت به أو اقترن بها منذ الأزل ، لماذا؟ ألأنه يطلّ مبتسماً على الأطلال ؟ ربما ، لما تعنيه هذه الأطلال في الأعراف الاجتماعية والمخيال الجمعي من انفضاض الشمل، وخراب في العمران، وانفراط في عقد المسرات :
قمرٌ فضوليٌّ على الأطلالِ
يضحك كالغبيِّ
فلا تصدقْ أنه يدنو لكي يستقبلكْ
هو في وظيفته القديمةِ ، مثل آذار الجديدِ …
أعاد للأشجار أسماءَ الحنين وأهملكْ
هنا صور دالة ، يربط الشاعر بينها في ما تدل عليه من تفكك على الأرض وغباء الضحك في الأعالي رغم تعاسة التراب . إن القمر ما يزال يؤدي وظيفته الموكلة إليه منذ القدم : أن يطل فرحاً منذ بدء الخليقة على هذه الأرض المحتشدة بكل هذا الألم والضحايا والقتلة .
ولا بد من الانتباه هنا الى إشارتين مهمتين:
أولاهما صورة الطلل ، لنتأمل احتشاده الغني بمعانى الرحيل والضمور والتلاشي . إن دلالته على الموت ليست من أكثر معانيه حتمية وجلاءً، مقايسة بالقبر مثلاً . فكأن دلالة الغياب معلقة بين مكانين : بقية من مكان طحنه الغياب وآخر احتفاء به أو تخليداً له ، وفي حين تكون دلالة القبر على الموت رغم صغره حاسمة ونهائية، لا يكون للطلل ، رغم جسامته، مثل هذه الدلالة على الختام القاسي، مع أنه قد يكون بداية الرحلة الى القبر أو الى غياب لا يقل وطأة عنه .
أما الإشارة الثانية فهي التفاتة تناصية ستنعش دلالة القصيدة وجمالياتها، إذ يقوم الشاعر هنا بحركة تخلخل هذا التوالي الرتيب لصور الخراب، وتكسر هيمنته واستقراره . وبذلك يوقظ ما يكمن في ثنايا النص من دلالاتٍ تتضاد مع صور الخراب والتفكك ، ويعيد للقصيدة دلالتها التي تقوم على التناوب بين الغياب والحضور، والكمال والنقصان.
فكيف أعاد الشاعر الى القصيدة تموّجها الدلالي ، في هذا لمقطع ؟
يشترك البيتان الأخيران من المقطع الثاني في تقاسم دلالة حيوية واحدة :
هو في وظيفته القديمةِ ، مثل آذار الجديدِ …
أعاد للأشجار أسماءَ الحنين وأهملكْ
إن دلالة البيتين ، تنهض من تقاطع زمنين متباعدين في الحدوث مشتبكين في الأثر، القمر القديم في وظيفته المعهودة ( 7 ) حيث تشتبك رمزيته الدالة على الخصب والموت والانبعاث، بما يرمز إليه آذار الجديد وهو يؤدي الدور ذاته تقريباً : ( 8) .
لكن عودة هذه المهمة القديمة للقمر وشهر نيسان معاً ، لم تكن كاملة ، ففي الوقت الذي حظيت فيه الأشجار بنصيبها من الخصب وانبعاث الحياة، كان الإهمال مصير بطل القصيدة وقدره . ومع ذلك، يعود الى النص توازنه الضروري، إذ لم يعد الخراب وحده، دلالة وحيدة تستبد بالنص حتى النهاية ، بل ثمة دلالة أخرى تعادله وتتضاد معه ، وتمنح القصيدة هذا التموج الحساس بين مدٍّ وجزرٍ لا يهـدآن .
انكسار الكأس :
ثمة كأس تُكسر، في المقطع الثالث من قصيدة درويش، لتؤسس لانعطافة دلالية مهمة. واللافت أن السارد يدعو بطل النص كي يحتفي مع أصدقائه بذلك الانكسار. ولكن ، لماذا الاحتفاء بكأس مكسورة ؟ لا شك أنها صورة شجية في معناها ، وذات جمالية عالية أيضاً.
إن أهميتها تنبع من كونها خميرة لواقعة نصية بالغة الخصوبة ، ونقطة تلاق حية بين قصيدة محمود درويش ونص شعري للشاعر بشارة الخوري أو الأخطل الصغير ( 9) . إن بينهما تفاعلاً نصياً شديد الغنى، مع أنه ينحصر في بعده الدلاليّ لا اللفظيّ :
فلتحتفل مع أصدقائك بانكسار الكأسِ
في الستينَ لن تجد الغـد الباقي لتحملَهُ
على كتفِ النشيدِ … ويحملكْ …
النص الحالي، إذاً، لا يستعير أي جسد لغوي من قصيدة الأخطل الصغير، كأن يكون عبارة تامة ومترابطة مثلاً، غير أنّ فيه ، ما يصلح بديلاً عن ذلك وإن كان منقوصاً ، فهناك إشارتان تحملان دلالة تناصية واضحة : الكأس ، الغد الباقي . وهما كافيتان لتحريك ما ركد في الذاكرة من قراءات منسية أو خاملة .
لنعد الآن الى النص الغائب :
الهوى والشباب ، والأمل المنشودُ توحي فتبعث الشعر حيّا
الهوى والشباب، والأمل المنشودُ ضاعت جميعها من يديّا
يشرب الكأس ذو الحجـى ، ويبقّي لغدٍ في قرارة الكأس شيّا
لم يكن لي غـدٌ ، فأفرغت كأسي ، ثــــمَّ حطمتها على شفتيّا
ما يلفت الانتباه في هذا النص، أنه حافل بالتكرار، فهو لا يكتفي بتكرار بعض المفردات ، كما سنرى ، بل يقدم تكرارين كبيرين، وهما أول التكرارات وأشدها دلالة ، وأعني بهما صدرَيْ البيت الأول البيت الثاني :
” الهوى والشباب ، والأمل المنشودُ ” .
إن التكرار في هذين البيتين ، ذو صلة دلالية كبيرة بقصيدة درويش وسياق حياته التي يتهددها الغياب في عمر مبكر نسبياً من ناحية ، ويعزز التحام بطل القصيدة بكاتب النص من ناحية أخرى، رغم تشظيهما لدواعٍ سردية ودلالية. وهكذا فإن التكرار ينتمي الى دلالة مشتركة بين النصين ، فنص الأخطل الصغير يلح على فكرة الشباب، الذي يضيع من يدَيْ الشاعر مع كل ما يرتبط به من عواطف حارة وأحلام متأججة، أما قصيدة درويش فتركز ، كما رأينا ، على فكرة العمر السريع ، أو الموشك على الغياب : ” في الستين من عمرٍ سريعٍ ” . إنه كما يمكننا القول مرة أخرى، إشارة الى بطل النص أو كاتبه.
وفي النص تكرارات أخرى ، قد لا تصب مباشرة في الفضاء الدلالي ذاته مثل : الكأس ، الكأس ، كأسي ، غدٌ ، لغدٍ، لكنها ستسهم في تنمية الدلالات الجزئية للقصيدة. وأول ما نشير إليه، هنا، كلمة الكأس ، التي تتكرر في النص ثلاث مرات . وهي كلمة ذات طبيعة خاصة : مؤنثة ، ومليئة خمراً، مما يضاعف من قدرتها على تأجيج مزاج شديد الدلالة على مجالس الشرب واللهو والمنادمة ، وربما يكون من المفيد أن نتأمل في اسم الأخطل الصغير، وهو الاسم الفني لبشارة الخوري ، صاحب النص الغائب . الذي يذكرنا بأجواء الخمرة ودلالاتها . فقد كان اسماً ، لواحد من أكثر شعراء الخمرة شهرة في الشعر العربي ، فالخمرة هنا لا تطفح من دلالة الكأس وحدها بل من دلالة اسم الشاعر أيضاً !
أما كلمة الغـد، التي تتكرر في قصيدة الأخطل الصغير مرتين بالصيغتين التاليتين : غدٌ ، لغـدٍ ، فإن لها ما يناظرها ، في المقطع الثالث ، من قصيدة درويش وما هو قابل للاشتعال الدلالي كما يلي :
درويـش :
فلتحتفل مع أصدقائك بانكسار الكأسِ
في الستينَ لن تجد الغـد الباقي لتحملَهُ
على كتفِ النشيدِ … ويحملكْ …
الأخطل الصغير:
يشربُ الكأسَ ذو الحِجـى ، ويبقّي لغدٍ في قرارةِ الكأسِ شيّا
لم يكن ليْ غـدٌ ، فأفرغتُ كأسيْ ، ثــــمَّ حطّمْتُها على شفتيّا
وكما أشرنا في فقرة سابقة ، فإن محمود درويش، في هذه القصيدة تحديدأ ، لا يقترض تناصاته على هيئة ملفوظات لغوية، فالعلاقة بين قصيدته وقصيدة الأخطل الصغير لا تتقيد بجسد المفردات أو الصيغ اللفظية ، بل تنحصر في دلالاتها ، وهي دلالات تنتزع من كلمات متناثرة ، أو عبارات تفتقر الى التماسك .
إن ما ورد في بيتيْ الأخطل الصغير ، شذرة سردية شديدة الترف والهدوء، وفيها من البراعة قدر ما فيها من الشجن اللاذع : واللافت للانتباه أن الشاعر يبدأ البيت الأول بعبارة ” يشرب الكأس ” ، وهي أقل احتداماً من عبارة : يحتسي الكأس مثلاً ، لتكون دلالتها أقرب الى سلوك ذوي الحجى منها الى عبث الندمان وإيغالهم في الشراب، بعد أن لبست لباس الحكمة والاحتشام المحسوب ، كما أن الشاعر يستخدم ضمير الشخص الثالث ليقلل من تورط الذات في فعل الشرب وتداعياته .
لكن النظر الى البيتين نظرة كلية ومن زاوية أخرى قد يرينا ذكاء ومهارة واضحين في بنائهما الدرامي ، فالأخطل الصغير ينتقل في البيت الثاني من استخدام ضمير الشخص الثالث الى ضمير الشخص الأول ، فإذا بحركة مفاجئة من التوتر واليأس تعصف بالبيت كله. وإذا بنا أمام انهيار لسقف الذات، فبدا البيت كله محتدماً ، وهو ينتمي بقوة الى ضمير المتكلم ” ليْ ، أفرغتُ، كأسيْ ، حطّمتُها ، شفتيّ “، عبر سلسلة متراصة من تداعيات الذات حركةً ولغةً وانفعالاتٍ :
لم يكن ليْ غـدٌ ، فأفرغتُ كأسيْ ، ثــــمَّ حطّمْتُها على شفتيّا
وبذلك بدا الشاعر في النص الغائب يائساً اليأس كله، كما تجلى في البيت الأخير ، فهو بلا غد : ” لم يكن لي غدٌ ” ، مثل الشاعر في قصيدة درويش تماماً : ” في الستين لن تجد الغد الباقي” . وهكذا يسهم التناص، بعمق، في الربط بين النصين حين يلتقيان كلاهما، نص درويش ونص الأخطل الصغير ، في نقطة بالغة الفداحة: أعني الوقوف عند حافة الحرج الأخير من حياة لا غد فيها، أو حياة ترفل بالنقصان ، لكنه كما سنرى نقصان ينتظر اكتماله بنقصان أكبر ..
كما يليقُ بشاعرٍ متمرسٍ :
نجد أنفسنا، في المقطع الرابع، من قصيدة درويش ، إزاء حياةٍ من نمط خاص، تؤثثها الأنثى بما تشيعه في الكون من حضور ساحر وغموض لا ينسى ولا يستغنى عنه. وللتذكير، فإن هذه الحياة لا يتم وصفها وهي في طور الحدوث أو التخلق، ولا استعادتها باعتبارها ماضياً سبق حدوثه . بل هي، كما ذكرنا أكثر من مرة ، حياة متخيلة، يمليها أو يقترحها، سرداً وتلفظاً وتباهياً، راوٍ على مروي له.
واللافت أن الراوي وبدءاً من المقطع الرابع ، يغير منهجيته السابقة في بناء النص الشعري، فقد أخذ يسند الى المروي له ، وحتى نهاية القصيدة ، مهمة تشكيل حياته الخاصة ، يتصورها للتو ومن وحي لحظته الراهنة ويرتب وحداتها السردية وطريقة حدوثها . ثم يقدّم ، على العكس مما كان يفعله في المقاطع الأخرى ، تبريراً لصنيعه هذا يستند الى ما للمروي له من حنكة ودهاء شعريين : ” قل للحياة ، كما يليقُ بشاعرٍ متمرسٍ ” .
يغصّ فعل الأمر ” قـلْ ” برنين روحي وتهجدي، لا انقطاع له، يذهب بنا حتى التقاء الكلام السامي بالتراب والعطش للحقيقة . وبذلك فإن فعل القول وأثره هو ما يبدأ في القصيدة منذ الآن . وهو فعل الشاعر المتمرس، حيث الفعل هو فعل اللغة ، وحضورها الفياض بالبهاء بكل ما يتجاوز المثول المادي للأشياء الى جوهرها الصلب ، المحتشد بالخلود والمكوث الجميل على الأرض، والذي يتعصى على الغياب . وكأن كل حضور آخر، مفرغ من فعل اللغة هو غياب أو نقصان في الحياة وفي جدواها ، وهذا ما سنراه في المقاطع القادمة.
وبذلك يكون هذا التمرس والخبرة مدخلاً لكل ما طبع القصيدة ، وما سيطبعها منذ الآن ، بهذا الثراء المدهش في المجاز و تنوع الأداء والسرد . ومن أمثلة الثراء الذي نعنيه ، هذا التناص مع القرآن : “هيت لك ” والآخر اللصيق به أو المقارب له : ” ما أجملك ” ، وقد وردت هاتان العبارتان وكأنهما كتلة واحدة “هيت لك / ما أجملك ” ولا يفصل بينها إلا هذا الخط المائل :
قل للحياة، كما يليقُ بشاعرٍ متمرسٍ
سيري ببطءٍ ، كالإناثِ الواثقاتِ بسحرهنَّ
وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةٍ نداءٌ ما خفيٌّ
هيت لكْ / ما أجملكْ !
ويدفعنا هذا التقارب بين العبارتين ، في الإيقاع والتقفية، الى التريث قليلاً أمام غناهما الدلالي والجمالي ، والى ما فيهما من توتر سردي لا يظهر لأول وهلة . إن أولى العبارتين قرآنية صافية ، جاءت على لسان امرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه ، أما الثانية فهي ليست كذلك ، لكنها تخيل شعري لجملة قالتها المرأة نفسها أيضاً تتويجاً لسردية قرآنية شديدة الإيحاء :
” وغلّقت الأبوابَ وقالت هيت لك ” . ( 10 )
يكتفي درويش بعبارة ” هيت لك ” تاركاً للقارىء إكمال بقية الجملة أو ما سكت الشاعر عن إتمامه. وعودة الى المقارنة بين هذه العبارة وقرينتها : ” ما أجملك ” نجد أن هاتين العبارتين، كلتيهما، مشوبتان بتحرق الجسد وشغف القلب ، أو بالأنثى في لحظة سردية شهوانية من جهة ولحظة افتتان بالآخر حد الانتشاء من جهة أخرى . إن النص القرآني ومخيلة الشاعر في تعاون جمالي وثيق كما يبدو، فهما يزدهران معاً ، وينسجان كلاهما هذا المناخ العامر بدهاء الأنثى وفتنة اللغة، ويمدان هذا المقطع ، بل القصيدة كلها، بالكثير من نادر القول الشعري وغريبه.
هذا هو صنيع الشاعر المتمرس إذاً ، في قصيدة ” الآن في المنفى ” : حين يجعلها ملتقىً لأفانين من القول وألاعيب من العبث الخلاق من خلال لغة مستفزة ومجاز على أهبة الاشتعال ، ومن خلال هذه المهارة والمكر اللغوي الثاقب، يهيى الشاعر لحياة تقبل عليه إقبال الإناث المحتشدات بلذة الجسد والتخيل ، في عد تنازلي يصعد به حتى الأعالي، حيث الغياب حضور ناقص، وحيث الحضور أشد فجائعية من غياب وشيك . ينهمك الشاعر إذاً في صنع غيابه المقبل لفرط ما فيها من جمال و وموت وقسوة .
الإيقاع في اكتماله الناقص :
تشكل تفعيلة الرجز ” مستفعلن ” خميرة الفضاء الإيقاعي لقصيدة ” الآن في المنفى ” . لكن ذلك لا يمثل نهاية القول فيما يتعلق بهذه التفعيلة ، فهناك تفعيلة الكامل ” متفاعلن ” التي تظهر في النص مرات عديدة. ومع ذلك فإن اختلاط هاتين التفعيلتين ببعضهما ، هو جزء مما تشهده القصيدة العربية من ظاهرة الاقتراض الإيقاعي والفني، الذي تتبادله الأنواع لشعرية فيما بينها في الحقبة الراهنة ، حتى جاز القول إن تناوب أكثر من تفعيلة وبنسب محسوبة صار واقعاً مفروغاً منه أحياناً في الإيقاع الشعري لقصيدة التفعيلة .
وبذلك فإن أياً من هاتين التفعيلتين لا تحتفظ بشكلها تاما حتى النهاية، فهناك تغييرات بالحذف أو بالإضافة تلحقهما بسبب العلل والزحافات، ما يجعلهما تتقاربان في الهيئة أحيانا، حد التطابق . وصفوة القول أنهما ، وما يلحق بهما من تحولات، تتبادلان العمل لخلق إيقاع القصيدة والإسهام في تشكيل دلالتها أيضاً. كما أنهما تخلقان هذا الجدل الجميل بين السرعة والإبطاء ، الذي يشكل جزءاً مما تنشغل به القصيدة من دلالات، ذلك لامتياز مستفعلن بالخفة والسرعة، بينما تشكل تفعيلة الكامل متفاعلن عنصر إبطاء وتريث واضح يتصل أيضاً بجانب من جوانب الدلالة. وتظل تفعيلتا السريع والكامل تتبادلان تشكيل هذا التموج الإيقاعي الذي يستمر حتى نهاية القصيدة .
في هذه القصيدة تتمشى الدلالة في شرايين اللغة غير آبهة بقافيةٍ أو رويّ . إن نهر المعنى شديد التدفق ، والتدوير هو الذي يشد أبيات القصيدة الى بعضها بعضاً، ويفتح نهاياتها بعد أن يزيح القوافي عن الطريق ، لتفيض الدلالة على الموقع المفترض للروي. وهكذا تعبر بترف ونعومة الى البيت الثاني، فالبيت الذي يليه، ثم تتوقف وقفتها الساكنة الأخيرة عند نهاية الخط . إن حركة القافية المقيدة في هذه القصيدة ، لا تأتي خاتمة للبيت ، بل نهاية للمقطع الشعري، لكي تسمح له بانغلاق صوتي ودلالي تام من جهة ، وتسهم، من جهة أخرى، في جعله وحدة دلالية ونفسية وإيقاعية لا انفصام فيها.
لاحظنا أن عبارة ” سيري ببطٍءٍ ” قد وردت في المقطع الرابع ، كما أنها سترد في بداية المقطع الخامس، فالمقطعان يتشاركان إذاً في تأكيد بطء هذ الحياة التي يناديها ، أو يقترحها ، بطل النص . ولجعل ذلك ممكناً، تسهم تفعيلة الكامل في صنع حاضنة إيقاعية متريثة تحقق هذا الإبطاء ولو جزئياً : فتسير هذه الحياة بطيئة كي يرتوي منها بطل القصيدة على مهل ، و يراها ترفل بنقصانها الذي لا يكتمل إلا بغيابه المدوّي ، ثم يتجلى، أخيراً، ما فيها من تعصٍّ على الفهم يفوق محدودية الكائن ، ولا يتم تجاوزه إلا بفعل غياب مهيب يكاد يلامس الكمال أو الأبدية :
سيري ببطءٍ ، يا حياةُ، لكي أراكِ
بكامل النقصان حولي ، كم نسيتك في
خضمّكِ باحثاً عني وعنكِ ، وكلما أدركتُ
سرّاً منكِ قلتِ بقسوةٍ : ما أجهلكْ !
الملاحظ هنا أن هذا المقطع يتكون من أربع تفعيلات : تحتل تفعيلة متفاعلن المرتبة المهيمنة، فثلاث منها من الكامل ، بينما جاءت تفعيلة واحدة من السريع . وبهذا يتحقق ما قلناه في البداية من التأرجح الإيقاعي والدلالي في النص ، فالقصيدة تستمر في هذا التجاذب والمراوحة بين تموج السرعة والإبطاء من جهة ـ وبين الغياب والحضور والكمال والنقصان من جهة أخرى. وتنتهي القصيدة مع متفاعلن التي تذكّر بالكمال وتنتمي إليه ، لكنه كمال مجروح ، فهيمنة الكامل ليست مطلقة ، إذ إن هناك، في بداية المقطع ، تفعيلة الرجز ، مما يخلخل كثافة الكامل ويطعن في كثافته واكتماله .
في تحليلنا لتقنية السرد المعتمدة في قصيدة ” الآن في المنفى ” ، أشرنا الى أن شخصيتيْ الراوي والمروي له ما هما إلا شخصية واحدة، هي أنا القصيدة أو الذات الشعرية بعد أن تشظت الى هذا العدد من الذوات التي تتعاضد تارة وتتضاد تارة أخرى ، لصنع دلالة القصيدة أو نسجها الجمالي والإيقاعي. وكانت هذه الذات الشعرية تتعرض طوال مسار النص الى انهدامات عديدة ، ولا تستقر على حال من الثبات أو الرسوخ ، فهي في قلق دائم ، وانعطافات لا تنتهي انتظاراً للتحول الأخير أو الغياب الأكبر.
ولا بد من القول إن هناك أكثر من واقعة ، في حياة الشاعر، جرى تحويلها الى واقعة شعرية ، بعد أن قفزت من سجله الشخصيّ الى إبداعه ، ليكون لها ما للمفاتيح الدلالية من رنين أخاذ، يضيء للمتلقي أجزاء مهمة من مدونة درويش، مع أنها ليست جزءاً من لغته الطبيعية ، بل من سجله الشخصي والعائلي : ربما شذرة عابرة ، أو معلومة خالية من أي بلل شعري حتى لو كان في حدوده الدنيا. لكنها اعتادت أن تكون بعضاً حميماًً من معجم النص ومن طبخته الشعرية، حين تعدّ بذكاء وعلى مهل . وهكذا يمكننا القول إن درويش في هذه القصيدة ، كان يعد العدة لاحتفاء شعري لا نظير له ، وطقس جنائزي محلّق وشديد البهاء ، يزدهر فيه غياب المبدع أو موته ، وهو في أقصى نباهته وخصوبته وفوضاه .
ومن الملاحظ أن هذه الذات كانت تستفز ذاتها باستمرار، إن جاز القول، لتضعها في مهبّ وابل من الأوامر والنواهي : فافرحْ ، فلا تصدقْ، فلتحتفلْ، قلْ للحياة، ثم تنعطف بهذا الزخم من أفعال الأمر، الى الحياة ذاتها لتصوغها بملامح خاصة : سيري ببطءٍ ، سيري ببطءٍ يا حياة، قل للغياب. وهكذا تتمدد الأنا الشعرية وتتعاظم حتى أقاصى مدياتها، تجسيداً لقدرة الإبداع على الخلق ، والارتقاء بما هو كائن ليترفع عن نقائصه و يتعالى على محدوديته.
ونلتقي، في المقطع السادس والأخير، بفعل الأمر ” قـلْ ” ، مرة أخرى ، بما فيه من نضح روحي وإيحاء شديد العمق، وهو يصنع للقصيدة خاتمتها الكبرى، ويسمو بالموت الى أبهى حالاته وأعمقها خلوداً : أعني غياب الشاعر في دلالته الجسدية المحض ، إزاءه مبدعاً، رغم الموت، في حضوره الجميل، الأزليّ ، الذي لا يضاهى ، والذي يتجدد على مر الدهور :
قلْ للغيـاب : نقصتني وأنا حضرتُ لأكمـلكْ
إشارات :
1- محمود درويش ، الآن في المنفى ، ديوان ” كزهر اللوز أو أبعد “، دار رياض الريس للنشر، بيروت ، 2005، ص 17
2- ربما لا يضاهي محمود درويش شاعرٌ آخر، في كثرة تناصاته مع شعره ، راجع مثلاً : في حضرة الغياب ، نصّ، دار رياض الريس للنشر، بيروت ، 2005 . وبدءاً من عنوان هذا الكتاب وإهدائه ، تتمدد دلالات الغياب وعلاماته اللغوية بكثافة واضحة ، كما في الكثير من أعماله الشعرية الأخرى .
3- محمود درويش ، جدارية، دار رياض الريس للنشر ، بيروت ، 2000 .
4- محمود درويش ، في حضرة الغياب، مصدر سابق .
5- في حديثها عن المفارقة وتعصّيها على التحديد وتداخلها مع التضاد، ترى الناقدة سيزا قاسم أن المفارقة ” لا تتميز بالغموض الذي يكتنف القول فحسب، بل بالإحساس الغريب كذلك الذي يولده اشتمالها على عناصر متعارضة “. موقع خاص بالناقدة عنوانه : روايات عربية .. قراءة مقارنة .
6- محمد بنيس : الشعر العربي الحديث : بنياته وإبدالاتها ، الجزء الثالث، دار توبقال، الدار البيضاء، 1990، ص 128 .
7- كما يشير م. إلياد في استكشافاته الروحية لما يعلق بحياتنا الراهنة من بقايا اعتقاداتٍ وشعائرَ مطمورة ، ينظر : فيليب سيرنج ، الرموز في الفن والأديان والحياة ، ترجمة عبد الهادي عباس ، دار دمشق ، دمشق، 1992، ص 383 .
8- في قصيدة ت. س. إليوت – الأرض اليباب ، قسم دفن الموتى، نقرأ :
” نيسان أقسى الشهور ، يخرج الليلك من الأرض الموات ، يمزج الذكرى بالرغبة ، يحرّك خامل الجذور بغيث الربيع ” . ينظر : عبد الواحد لؤلؤة في كتابه : ت. س. أليوت : الأرض اليباب ، الشاعر والقصيدة ، ط3 ، 1995، ص 36
9- الأخطل الصغير: قصيدة الهوى والشباب ، في ديوانه الكامل ، جمع وترتيب وتقديم :
د. سهام أبو جودة ، بيروت 1998، ص 242
10- سورة يوسف، آية 23
ماجد القيسي
منتهى العيادة
التعليقات