العقل بين الحقيقة والوهم: من يقود قراراتنا فعلاً؟

صورة الكاتب
بقلم: د.شیماء مجید بهیة
التاريخ: 10 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2820
العقل بين الحقيقة والوهم: من يقود قراراتنا فعلاً؟

العقل بين الحقيقة والوهم: من يقود قراراتنا فعلاً؟

يعتقد الإنسان في الغالب أنه سيد قراراته، وأن ما يتخذه من مواقف واختيارات هو نتاج عقلاني خالص قائم على التفكير الواعي والتحليل المنطقي.
غير أن الدراسات النفسية والمعرفية الحديثة، إلى جانب التأملات الفلسفية القديمة، تكشف حقيقة أكثر تعقيداً فالعقل الذي نثق به كثيراً قد لا يكون دائماً القائد الفعلي لسلوكنا، بل قد يكون مجرد مبرر بارع لقرارات اتُخذت مسبقاً في مستويات أعمق من النفس.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن حقاً من يقود قراراتنا، أم أن هناك قوى خفية داخلنا وخارجنا تتحكم في اختياراتنا دون أن نشعر؟

اعتدنا النظر إلى العقل بوصفه قاضياً محايداً يزن الأدلة ويصدر الأحكام. لكن الواقع يشير إلى أن العقل غالباً ما يؤدي دور المحامي أكثر من القاضي؛ فهو لا يبحث دائماً عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الأدلة التي تدعم ما نرغب في تصديقه.

فعندما يتبنى الإنسان فكرة سياسية أو اجتماعية أو دينية معينة، يبدأ عقله تلقائياً بالتركيز على المعلومات المؤيدة لها، ويتجاهل أو يقلل من أهمية الأدلة المخالفة.
هذه الظاهرة التي تعرف بالتحيز التأكيدي تجعل الإنسان يعيش أحياناً داخل فقاعة فكرية يظن أنها تمثل الحقيقة المطلقة.

وهكذا يصبح العقل أداة للدفاع عن القناعات أكثر من كونه أداة لاكتشاف الحقائق.

وراء المشهد الظاهر للعقل الواعي توجد منظومة معقدة من الدوافع والانفعالات والخبرات المتراكمة التي تشكل ما يسمى باللاوعي.

فالإنسان قد يعتقد أنه اختار تخصصه الجامعي أو شريك حياته أو حتى أصدقاءه بناءً على أسباب عقلانية، لكنه يكتشف لاحقاً أن جزءاً كبيراً من تلك الاختيارات تأثر بتجارب طفولية، أو احتياجات نفسية عميقة، أو أنماط تربوية ترسخت في أعماقه منذ سنوات طويلة.

إن اللاوعي يشبه غرفة عمليات سرية تدير كثيراً من تفاصيل حياتنا، بينما يبقى العقل الواعي واجهة رسمية تشرح القرارات بعد وقوعها.

و في العصر الرقمي أصبح السؤال أكثر تعقيداً. فنحن نعيش وسط بيئة مصممة بعناية للتأثير في انتباهنا ومشاعرنا وقراراتنا.

الإعلانات لا تبيع المنتجات فقط، بل تبيع أنماطاً من التفكير. ومنصات التواصل الاجتماعي لا تعرض المحتوى فحسب، بل تعيد تشكيل اهتماماتنا وتوجهاتنا تدريجياً عبر خوارزميات تعرف عنا أحياناً أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.

إن الإنسان المعاصر قد يظن أنه اختار رأياً أو اتجاهاً أو حتى أسلوب حياة معيناً بحرية كاملة، بينما تكون اختياراته قد تأثرت بسلسلة طويلة من الرسائل والإيحاءات والضغوط الاجتماعية غير المرئية.

الحقيقة الصعبة: لسنا عقلانيين كما نعتقد

من أكثر الاكتشافات إرباكاً في علم النفس أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً بالكامل، بل كائن يسعى إلى العقلانية بعد اتخاذ القرار.

فنحن نحب أن نرى أنفسنا منطقيين ومتزنين، لكن الخوف والرغبة والهوية والانتماء والمصلحة تلعب جميعها أدواراً كبيرة في تشكيل أحكامنا.

ولهذا نجد أن شخصين يمتلكان المعلومات نفسها قد يصلان إلى استنتاجين مختلفين تماما لأن القرار لا يصنعه العقل وحده، بل تصنعه منظومة كاملة من المشاعر والخبرات والقيم والتصورات المسبقة.

و إذا كان العقل عرضة للأوهام والانحيازات، فهل يعني ذلك أننا محكومون بها؟

الجواب: لا.

فالوعي هو القدرة على مراقبة العقل نفسه. أن نسأل: لماذا أؤمن بهذه الفكرة؟ لماذا أغضب من هذا الرأي؟ لماذا اتخذت هذا القرار؟ ومن المستفيد من اقتناعي بهذا الأمر؟

كل سؤال صادق يوجهه الإنسان إلى نفسه يفتح نافذة نحو حرية أكبر.

فالإنسان الواعي ليس من يملك جميع الإجابات، بل من يملك الشجاعة لمراجعة قناعاته باستمرار، والقدرة على الشك المنهجي في الأفكار التي تبدو له بديهية.

و يبقى العقل أعظم أدوات الإنسان، لكنه ليس معصوماً من الخطأ ولا محصناً ضد الوهم. وبين الحقيقة والوهم تمتد رحلة طويلة من التساؤل والمراجعة والنقد الذاتي.

إن أخطر الأوهام ليس أن نخطئ في فهم العالم، بل أن نعتقد أننا لا يمكن أن نخطئ.

وحين يدرك الإنسان أن عقله نفسه يحتاج إلى مراقبة، يبدأ أول طريق الحكمة. فالحكمة لا تولد من كثرة المعرفة، بل من القدرة على التمييز بين ما نعرفه حقاً، وما نظن أننا نعرفه.

العقل الذي لا يشك في نفسه قد يصبح سجناً للحقيقة، أما العقل الذي يراجع قناعاته باستمرار فهو الطريق الأقصر إلى الحكمة.

عن الکاتب / الکاتبة

د.شیماء مجید بهیة
د.شیماء مجید بهیة
کاتبة وناقدة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

هندسة النفس: كيف تُصنع الشخصية؟

هندسة النفس: كيف تُصنع الشخصية؟

هندسة النفس: كيف تُصنع الشخصية؟ ليست الشخصية قدرا جامدا يولد مع الإنسان ثم يرافقه حتى…

صورة الكاتب د.شیماء مجید بهیة
6 يوليو 2026
اقرأ المزيد
رادار الخطر

رادار الخطر

رادار الخطر ليست كل التحذيرات تأتي على هيئة كلمات، وليست كل المخاطر ترفع راياتها قبل…

صورة الكاتب د.شیماء مجید بهیة
4 يونيو 2026
اقرأ المزيد
المجتمع مرآة نُخبه

المجتمع مرآة نُخبه

المجتمع مرآة نُخبه   لا تُقاس الأمم بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تنتجه…

صورة الكاتب د.شیماء مجید بهیة
31 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


العقل بين الحقيقة والوهم: من يقود قراراتنا فعلاً؟

بقلم: د.شیماء مجید بهیة | التاريخ: 10 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

العقل بين الحقيقة والوهم: من يقود قراراتنا فعلاً؟

يعتقد الإنسان في الغالب أنه سيد قراراته، وأن ما يتخذه من مواقف واختيارات هو نتاج عقلاني خالص قائم على التفكير الواعي والتحليل المنطقي.
غير أن الدراسات النفسية والمعرفية الحديثة، إلى جانب التأملات الفلسفية القديمة، تكشف حقيقة أكثر تعقيداً فالعقل الذي نثق به كثيراً قد لا يكون دائماً القائد الفعلي لسلوكنا، بل قد يكون مجرد مبرر بارع لقرارات اتُخذت مسبقاً في مستويات أعمق من النفس.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن حقاً من يقود قراراتنا، أم أن هناك قوى خفية داخلنا وخارجنا تتحكم في اختياراتنا دون أن نشعر؟

اعتدنا النظر إلى العقل بوصفه قاضياً محايداً يزن الأدلة ويصدر الأحكام. لكن الواقع يشير إلى أن العقل غالباً ما يؤدي دور المحامي أكثر من القاضي؛ فهو لا يبحث دائماً عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الأدلة التي تدعم ما نرغب في تصديقه.

فعندما يتبنى الإنسان فكرة سياسية أو اجتماعية أو دينية معينة، يبدأ عقله تلقائياً بالتركيز على المعلومات المؤيدة لها، ويتجاهل أو يقلل من أهمية الأدلة المخالفة.
هذه الظاهرة التي تعرف بالتحيز التأكيدي تجعل الإنسان يعيش أحياناً داخل فقاعة فكرية يظن أنها تمثل الحقيقة المطلقة.

وهكذا يصبح العقل أداة للدفاع عن القناعات أكثر من كونه أداة لاكتشاف الحقائق.

وراء المشهد الظاهر للعقل الواعي توجد منظومة معقدة من الدوافع والانفعالات والخبرات المتراكمة التي تشكل ما يسمى باللاوعي.

فالإنسان قد يعتقد أنه اختار تخصصه الجامعي أو شريك حياته أو حتى أصدقاءه بناءً على أسباب عقلانية، لكنه يكتشف لاحقاً أن جزءاً كبيراً من تلك الاختيارات تأثر بتجارب طفولية، أو احتياجات نفسية عميقة، أو أنماط تربوية ترسخت في أعماقه منذ سنوات طويلة.

إن اللاوعي يشبه غرفة عمليات سرية تدير كثيراً من تفاصيل حياتنا، بينما يبقى العقل الواعي واجهة رسمية تشرح القرارات بعد وقوعها.

و في العصر الرقمي أصبح السؤال أكثر تعقيداً. فنحن نعيش وسط بيئة مصممة بعناية للتأثير في انتباهنا ومشاعرنا وقراراتنا.

الإعلانات لا تبيع المنتجات فقط، بل تبيع أنماطاً من التفكير. ومنصات التواصل الاجتماعي لا تعرض المحتوى فحسب، بل تعيد تشكيل اهتماماتنا وتوجهاتنا تدريجياً عبر خوارزميات تعرف عنا أحياناً أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.

إن الإنسان المعاصر قد يظن أنه اختار رأياً أو اتجاهاً أو حتى أسلوب حياة معيناً بحرية كاملة، بينما تكون اختياراته قد تأثرت بسلسلة طويلة من الرسائل والإيحاءات والضغوط الاجتماعية غير المرئية.

الحقيقة الصعبة: لسنا عقلانيين كما نعتقد

من أكثر الاكتشافات إرباكاً في علم النفس أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً بالكامل، بل كائن يسعى إلى العقلانية بعد اتخاذ القرار.

فنحن نحب أن نرى أنفسنا منطقيين ومتزنين، لكن الخوف والرغبة والهوية والانتماء والمصلحة تلعب جميعها أدواراً كبيرة في تشكيل أحكامنا.

ولهذا نجد أن شخصين يمتلكان المعلومات نفسها قد يصلان إلى استنتاجين مختلفين تماما لأن القرار لا يصنعه العقل وحده، بل تصنعه منظومة كاملة من المشاعر والخبرات والقيم والتصورات المسبقة.

و إذا كان العقل عرضة للأوهام والانحيازات، فهل يعني ذلك أننا محكومون بها؟

الجواب: لا.

فالوعي هو القدرة على مراقبة العقل نفسه. أن نسأل: لماذا أؤمن بهذه الفكرة؟ لماذا أغضب من هذا الرأي؟ لماذا اتخذت هذا القرار؟ ومن المستفيد من اقتناعي بهذا الأمر؟

كل سؤال صادق يوجهه الإنسان إلى نفسه يفتح نافذة نحو حرية أكبر.

فالإنسان الواعي ليس من يملك جميع الإجابات، بل من يملك الشجاعة لمراجعة قناعاته باستمرار، والقدرة على الشك المنهجي في الأفكار التي تبدو له بديهية.

و يبقى العقل أعظم أدوات الإنسان، لكنه ليس معصوماً من الخطأ ولا محصناً ضد الوهم. وبين الحقيقة والوهم تمتد رحلة طويلة من التساؤل والمراجعة والنقد الذاتي.

إن أخطر الأوهام ليس أن نخطئ في فهم العالم، بل أن نعتقد أننا لا يمكن أن نخطئ.

وحين يدرك الإنسان أن عقله نفسه يحتاج إلى مراقبة، يبدأ أول طريق الحكمة. فالحكمة لا تولد من كثرة المعرفة، بل من القدرة على التمييز بين ما نعرفه حقاً، وما نظن أننا نعرفه.

العقل الذي لا يشك في نفسه قد يصبح سجناً للحقيقة، أما العقل الذي يراجع قناعاته باستمرار فهو الطريق الأقصر إلى الحكمة.