“امراة من الجنوب”

صورة الكاتب
بقلم: محمد دعدي
التاريخ: 1 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2349
“امراة من الجنوب”

امراة من الجنوب

هي امرأة من جنوب لبنان
من أرض ينام الزيتون في كفها
ويفوح الزعتر من أنفاس التلال
من أرض إذا مر المساء على قراها
أشعلت النوافذ للغائبين قناديل الانتظار

تمشي
فتتبعها الحقول كأنها تعرف خطاها
ويصغي الحجر العتيق لوقع قدميها
في خطاها صبر الأمهات
حين يخبزن الخبز على جمر الغياب
وفي عينيها حزن بحر أضاع مرافئه
وظل يغني للسفن العائدة

نزحت دهرا وقهرا
لكنها كلما خرجت من بيتها
حملت مفاتيحه في نبضها
وحملت شرفاته في ذاكرتها
وحملت أشجار التين والرمان في دعاء المساء
إذا تهدم جدار بنت من الرجاء جدارا
وإذا انطفأ باب أشعلت في القلب بابا آخر للضوء

جميلة هي
لا لأن القمر استعار شيئا من وجهها
بل لأن روحها تعرف كيف تزهر
في مواسم القحط الطويلة
وكيف تغني حين تتعب الأغاني
وحين تجمع أبناءها حول المساء
تخبئ دمعتها في آخر القلب
وتوزع على الصغار
خبزا وحكايات وطمأنينة
كأن الأمومة نهر خلقت لتجري فيه إلى الأبد

وحين تذكر كربلاء
يمر الحسين عليه السلام
في ذاكرتها كشمس لا تغيب
فتستمد من صبره صبرا على الثبوت
ومن ثباته ثباتا على وجع السنين
كأن بينها وبين كربلاء سرا
من الدموع النبيلة
وخيطا من الوفاء شد قلبها
إلى معنى التضحية منذ زمن بعيد

هي امرأة من الجنوب
إن ضحكت تفتحت السنابل في الحقول
وعاد العصفور إلى غصنه
وإن بكت
ارتجفت في القرى نوافذ الذكرى
وأطرق المساء طويلا
لكنها تبقى
أقوى من الريح إذا زئرت
وأصلب من الصخر إذا اشتد البلاء
تحمل حزنها بيد وأملها باليد الأخرى وتمضي
تمضي كأن الله أودع في قلبها
شيئا من أسرار الصابرين
وجعل من دمعها صلاة
ومن صبرها وطنا
ومن روحها أغنية لا تنتهي للجنوب

عن الکاتب / الکاتبة

محمد دعدي
محمد دعدي
شاعر / الجزائر

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“امراة من الجنوب”

بقلم: محمد دعدي | التاريخ: 1 يونيو 2026

التصنيف: الشعر

امراة من الجنوب

هي امرأة من جنوب لبنان
من أرض ينام الزيتون في كفها
ويفوح الزعتر من أنفاس التلال
من أرض إذا مر المساء على قراها
أشعلت النوافذ للغائبين قناديل الانتظار

تمشي
فتتبعها الحقول كأنها تعرف خطاها
ويصغي الحجر العتيق لوقع قدميها
في خطاها صبر الأمهات
حين يخبزن الخبز على جمر الغياب
وفي عينيها حزن بحر أضاع مرافئه
وظل يغني للسفن العائدة

نزحت دهرا وقهرا
لكنها كلما خرجت من بيتها
حملت مفاتيحه في نبضها
وحملت شرفاته في ذاكرتها
وحملت أشجار التين والرمان في دعاء المساء
إذا تهدم جدار بنت من الرجاء جدارا
وإذا انطفأ باب أشعلت في القلب بابا آخر للضوء

جميلة هي
لا لأن القمر استعار شيئا من وجهها
بل لأن روحها تعرف كيف تزهر
في مواسم القحط الطويلة
وكيف تغني حين تتعب الأغاني
وحين تجمع أبناءها حول المساء
تخبئ دمعتها في آخر القلب
وتوزع على الصغار
خبزا وحكايات وطمأنينة
كأن الأمومة نهر خلقت لتجري فيه إلى الأبد

وحين تذكر كربلاء
يمر الحسين عليه السلام
في ذاكرتها كشمس لا تغيب
فتستمد من صبره صبرا على الثبوت
ومن ثباته ثباتا على وجع السنين
كأن بينها وبين كربلاء سرا
من الدموع النبيلة
وخيطا من الوفاء شد قلبها
إلى معنى التضحية منذ زمن بعيد

هي امرأة من الجنوب
إن ضحكت تفتحت السنابل في الحقول
وعاد العصفور إلى غصنه
وإن بكت
ارتجفت في القرى نوافذ الذكرى
وأطرق المساء طويلا
لكنها تبقى
أقوى من الريح إذا زئرت
وأصلب من الصخر إذا اشتد البلاء
تحمل حزنها بيد وأملها باليد الأخرى وتمضي
تمضي كأن الله أودع في قلبها
شيئا من أسرار الصابرين
وجعل من دمعها صلاة
ومن صبرها وطنا
ومن روحها أغنية لا تنتهي للجنوب