تمثلات الجرأة الفنية وآليات التشكيل السردي في رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف
رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف، رواية شقية جريئة وفاضحة، تتخذ من ثيمة الجنس ميكانيزما لهندسة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي الذي يواري سوأته النتنة خلف حجاب النفاق الاجتماعي والتمدن الزائف.
تمتح الرواية شخوصها من قاع المجتمع وتدور أحداثها حول أشخاص أجبروا على مساومة الجسد بالخبز ومقايضة أعضائهم التناسلية بالمال لغاية واحدة وهي إيجاد مكان يحتضنهم أو على حد تعبير زفزاف العثور على وكر في الدار البيضاء ليحتوي أجسادهم. ليجدوا أنفسهم بعدها، بقدرة قادر، أصبحوا من الطبقة الغنية في المجتمع. مجتمع يعج بأولاد الحرام الذين أصبحوا رجالا مهمين في الدولة ليس بكفاءتهم وإنما لأن الديك باض لهم..
شيدت شخصية رحال في هذا العمل صرح النسيج السردي للرواية ورحال شاب مغربي هرب من المنزل فور طرده من المدرسة، وبحث له عن عمل بشق الأنفس. وحين وجده عاد إلى المنزل، غير أنه عجز عن إطعام كل الأفواه المشرعة التي وجدها في انتظاره، وهذا ما دفعه إلى اكتراء شقة أشبه بالكوخ في سطح إحدى العمارات، غير أن القدر الذي جاءه على شاكلة الحب شاء له أن يطرد من العمل فقررت صاحبة الشقة طرده من المنزل الذي يكتريه في عمارة الحاجة التي تتاجر بالمتعة. وفي هذا اللواء التقى بعمر الشاب القوي الذي كلفته الحاجة بإجبار رحال بالقوة على إخلاء الشقة. وعمر هو الآخر شاب هرب من مراكش بسبب جريمة اغتصاب، أصبحا أصدقاء بعد العراك الذي شب بينهما، وهو من التمس بعد ذلك من الحاجة أن تذر رحال وشأنه وتسمح له بالبقاء، فهي لا ترد لعمر طلبا لأنه عشيقها رغم فارق العمر. وتبعا لذلك، اقترح عليه عمر تقاسم تكاليف كراء الشقة مع أشخاص آخرين، لذا دعا رحال ثلاثة من أصدقائه إلى الشقة التي تتسع لأجسادهم الهزيلة رغم ضيقها. وكان أحيانا يتوجس من أن تخونه جيجي حبيبته مع أحدهم، لكنه يثق في هذه المومس التي تعمل في بار و تتقاسم معه الفراش، وهي التي كان لها الدور في إيجاد فرصة عمل للشاب رحال بجسدها، فقد أغرت صاحب البار لإيجاد فرصة عمل لرحال كنادل. وفي هذا البار سيتعرف رحال على الكاتب الذي خصص له زفزاف الباب السابع في الرواية، وهو الذي ستعجب به جيجي وستخونه معه في الباب الثامن…
غرد زفزاف داخل هذا العمل الروائي خارج السرب حين أصاخ السمع إلى رأي المجتمع في الجنس من منظور من يمارسونه، لا بحثا عن النشوة بل عن المال والمأوى والطعام. فالجنس ماهو إلا وسيلة من أجل البقاء والمأوى فالرواية عبارة عن ثمانية أبواب وفي كل باب قصة جنسية صنعت مستقبل شخصية من شخصيات الرواية باض لها الديك في حياتها.
فروايتنا، كما ينم على ذلك العنوان، تستلهم الأسطورة الشعبية التي تقول بأن الديك يبيض في حياته بيضة واحدة، وتجري هذه المقولة مجرى المثل كناية على المستحيل، لكن زفزاف حورها وجعل الديك يبيض. إذن لمن باض الديك؟ إنه باض لشخصيات النص، على اعتبار أن كل شخصية من شخصيات النص ابتسم لها الحظ واغتنت بعدما عاشت واقعة جنسية باض فيها الديك.
إن رواية بيضة الديك عمل فني يجمع بين القضية والأساليب، ولا تغليب للمبنى على المعنى بل نلفي ونحن نقرأ الرواية سيرهما معا على التوازي، فما نوع الكاتب تقنيات السرد إلا لخدمة الموضوع وليس غرضه التنميق أو التزويق، وعليه، اعتمد الكاتب تقنية الباروديا التي نجدها في المحاكاة الساخرة لقصة الطرد: طرد آدم من الجنة بسبب امرأة ويتجلى هذا في خطاب عمر حين قال: طردت من مراكش بسبب امرأة وكانت المرأة نفسها هي التي وفرت لي سبل العيش في مدينة الدار البيضاء’ وفي طرد رحال المتوالي، من المدرسة، من المنزل، من الكوخ…
كما يحضر التناص مع النص الديني أو الخطاب الديني في عبارات من قبيل: ‘ناقصات عقل ودين’ ‘ اعقلها وتوكل’ ‘ المرأة ضلعة عوجة’ ويمكرون ويمكر الله’ وغيرها من الأمثلة كثير تحضر كلها للكشف عن ذهنية المجتمع المغربي. ناهيك عن استثمار الخطاب الفلسفي، وذلك من خلال تضمين بعض الأقوال الفلسفية في كلام رحال على نحو: ‘ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ‘لتوماس هوبز أو عبر الإشارة إلى أسماء بعض الفلاسفة الذين لهم قصص مع النساء من أمثال نتشه وشوبنهاور..
هذا بالإضافة إلى الانفتاح على الثقافة الشعبية التي تتأسس على عبارات’ الإنسان يولد برزقة’ ‘ الإنسان يدير علاش يرجع’ و استلهام التراث العربي القديم الذي يتجلى في إيراد بيت من الشعر جاء على لسان السوادي بعدما احتال عليه أبي الفتح الاسكندري في المقامة البغدادية التي ألفها بديع الزمان الهمداني:
اعمل لرزقك كل آلة ….لا تقعدن بكل حالة
وكان استحضار هذا البيت مخالفا لنسيجه الجوهري في الأصل، انسجاما وآلية التحوير، فالبيت الشعري في الأصل له حمولة قيمية تقضي بضرورة تحصيل المكاسب بما يجوز، لكن زفزاف من خلال رحال وجيجي يجيز لداحو ما لايجوز، إذ يبرر لداحو ممارسة الشذوذ من أجل تحصيل الرزق.
وتماشيا مع ما ذهب إليه العروي أثناء حديثه عن الرواية إلى أن العمل الروائي ليس تنميق اللفظ وتزويق الغرض وتلهية المشتاق، بل هو جهد فكري وفني وبحث مضن عن الموضوع الغائب وبمعنى آخر: التعبير بفنية كما فعل زفزاف عن العقد الموروثة المنغرسة في اللاشعور الجمعي.. الرواية من هذا المنطلق: بحث في القضية الغائبة، وبيضة الديك تجسيد فعلي لقضية شائكة أسالت الكثير من المداد وأرقت الكثيرين، ألا وهي الجنس واستيهاماته، و الغائب في خطاب من أرقتهم هذه القضية حاضر في رواية بيضة الديك ألا وهو الإنصات لمن يمارس الجنس كنزوع وكنزوة وكيف يمارس ولماذا؟ ومن يربح من ممارسته؟ ومع من يمارس؟ ومن يتستر على ممارسته كبضاعة؟
وبتعبير باختين في كتابه الماركسية وفلسفة اللغة’ الرواية فضاء ديموقراطي’ وبيضة الديك فضاء ديموقراطي عادل لا ترجيح فيه ولا تغليب لصوت على آخر. لقد مكن زفزاف للجميع بشكل عادل ومنصف أن يدلي بدلوه؛ صوت السلطة إلى جانب صوت العاهرة، صوت السيد والخادم، صوت المقدم وصوت الحاجة، صوت الكاتب وصوت الكوميسير… وهذا ما يحقق مبدأ الحوارية والتعدد الصوتي، دون إغفال دور التهجين والهجنة واستثمار الدارجة المغربية في مواقف تستدعيها..
وتوسلا لإكساب روايته بعدا إمتاعيا وظف زفزاف تقنية تكسير أفق الانتظار في الباب الأخير، وذلك من خلال تصوير مشهد مشبوه داخل مقهى بطلاه رجل خمسيني يتحدث بلسان فرنسي و طفلة لا تتعدى خمسة عشر سنة، وهو مشهد تحفه الحميمية، إذ يظهر فيه الخمسيني وكأنه يغرر بقاصر اقتناها من وسيط في القوادة، وهذا المشهد استرعى انتباه الكاتب الذي بدا من خطابه أنه يمج الاستغلال الجنسي فتماهينا نحن كقراء مع ما دار في خلده من حسابات لنكتشف أن الأمر يخالف ما ذهبنا إليه فور نطق الطفلة بكلمة” بابا” إذ بدا جليا أن الأمر لا يتعلق إلا بأب يحنو على ابنته. والغاية التي دفعت بزفزاف إلى الاحتيال على القارئ هي الرغبة في تبيان أن المجتمع الذي يسلط الضوء عليه هو مجتمع مشبوه وكل ما يحدث فيه يثير الشكوك وبالتالي تكمن لذة النص حسب القارئ في تصحيح ظنونه الخاطئة بعدما أساء الظن بالشخصية. ناهيك عن استثمار الكاتب لتقنية الإيهام بواقعية الأحداث، والتي تحققت في النص الروائي عبر اختيار أمكنة واقعية كالدار البيضاء، درب ميلا، مراكش..و تتمثل هذه التقنية في استحضار الكاتب في الباب السادس لجزء من سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، و زيارات إحدى شخصيات الرواية لمنزل شكري بمدينة طنجة.
ونافلة القول إن زفزاف يمارس في هذا العمل حقه في الرفض ككاتب، فكتابته شقية وعلى حد تعبير عبد السلام بن عبد العالي: الكتابة تكون شقية حين تكون وليدة رفض واستنكار ومحاكمة الواقع بالقيم الغائبة فيه….. فما الذي يغيب في المجتمع؟ يجيبنا زفزاف بقوله’ الغائب هو الضمير، مورد كل القيم….
أين الضمير؟ هل هو الذي يحضر من تلقاء نفسه في الأوقات المناسبة، أم نحن الذين نستحضره؟
تساءل زفزاف بأسلوب الفيلسوف وبحيرة الحكيم عن مكامن الروح والعقل والضمير في جسد الإنسان. ووجد بأن الإنسان لو أدرك كنهها وعمل بها لحلت العديد من المشاكل اليومية، “لكف الإنسان عن الاقتتال ولأغلقت النساء أفواههن التي تشبه المزابل في حالة الغضب، ولعاد كل قائد مقاطعة إلى زوجته وكف عن خيانتها، ولما اعتدى وكيل نيابة أو كوميسير على امرأة مسكينة بئيسة تدير بارا عاديا، ولكف مفتش الضريبة عن طلب الرشوة، ولأصبح الحكام ملائكة منزهين يحبون الخير لكل الناس ويعطونهم المثال في المحبة والإيخاء والعدالة.. “
وعليه كأن زفزاف يريد أن يقول لو تحقق هذا لما كتب هذا العمل الذي يعد مرآة عاكسة لمجتمع بلا ضمير بلا أرواح ..بلا عقلاء.
المراجع:
بيضة الديك، محمد زفزاف
ميثولوجيا الواقع، عبد السلام بنعبد العالي
المبدأ الحواري، ميخائيل باختين
الماركسية وفلسفة اللغة، ميخائيل باختين
الإديولوجية العربية المعاصرة، عبد الله العروي
لذة النص، رولان بارت
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
تمثلات الجرأة الفنية وآليات التشكيل السردي في رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف
تمثلات الجرأة الفنية وآليات التشكيل السردي في رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف
رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف، رواية شقية جريئة وفاضحة، تتخذ من ثيمة الجنس ميكانيزما لهندسة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي الذي يواري سوأته النتنة خلف حجاب النفاق الاجتماعي والتمدن الزائف.
تمتح الرواية شخوصها من قاع المجتمع وتدور أحداثها حول أشخاص أجبروا على مساومة الجسد بالخبز ومقايضة أعضائهم التناسلية بالمال لغاية واحدة وهي إيجاد مكان يحتضنهم أو على حد تعبير زفزاف العثور على وكر في الدار البيضاء ليحتوي أجسادهم. ليجدوا أنفسهم بعدها، بقدرة قادر، أصبحوا من الطبقة الغنية في المجتمع. مجتمع يعج بأولاد الحرام الذين أصبحوا رجالا مهمين في الدولة ليس بكفاءتهم وإنما لأن الديك باض لهم..
شيدت شخصية رحال في هذا العمل صرح النسيج السردي للرواية ورحال شاب مغربي هرب من المنزل فور طرده من المدرسة، وبحث له عن عمل بشق الأنفس. وحين وجده عاد إلى المنزل، غير أنه عجز عن إطعام كل الأفواه المشرعة التي وجدها في انتظاره، وهذا ما دفعه إلى اكتراء شقة أشبه بالكوخ في سطح إحدى العمارات، غير أن القدر الذي جاءه على شاكلة الحب شاء له أن يطرد من العمل فقررت صاحبة الشقة طرده من المنزل الذي يكتريه في عمارة الحاجة التي تتاجر بالمتعة. وفي هذا اللواء التقى بعمر الشاب القوي الذي كلفته الحاجة بإجبار رحال بالقوة على إخلاء الشقة. وعمر هو الآخر شاب هرب من مراكش بسبب جريمة اغتصاب، أصبحا أصدقاء بعد العراك الذي شب بينهما، وهو من التمس بعد ذلك من الحاجة أن تذر رحال وشأنه وتسمح له بالبقاء، فهي لا ترد لعمر طلبا لأنه عشيقها رغم فارق العمر. وتبعا لذلك، اقترح عليه عمر تقاسم تكاليف كراء الشقة مع أشخاص آخرين، لذا دعا رحال ثلاثة من أصدقائه إلى الشقة التي تتسع لأجسادهم الهزيلة رغم ضيقها. وكان أحيانا يتوجس من أن تخونه جيجي حبيبته مع أحدهم، لكنه يثق في هذه المومس التي تعمل في بار و تتقاسم معه الفراش، وهي التي كان لها الدور في إيجاد فرصة عمل للشاب رحال بجسدها، فقد أغرت صاحب البار لإيجاد فرصة عمل لرحال كنادل. وفي هذا البار سيتعرف رحال على الكاتب الذي خصص له زفزاف الباب السابع في الرواية، وهو الذي ستعجب به جيجي وستخونه معه في الباب الثامن…
غرد زفزاف داخل هذا العمل الروائي خارج السرب حين أصاخ السمع إلى رأي المجتمع في الجنس من منظور من يمارسونه، لا بحثا عن النشوة بل عن المال والمأوى والطعام. فالجنس ماهو إلا وسيلة من أجل البقاء والمأوى فالرواية عبارة عن ثمانية أبواب وفي كل باب قصة جنسية صنعت مستقبل شخصية من شخصيات الرواية باض لها الديك في حياتها.
فروايتنا، كما ينم على ذلك العنوان، تستلهم الأسطورة الشعبية التي تقول بأن الديك يبيض في حياته بيضة واحدة، وتجري هذه المقولة مجرى المثل كناية على المستحيل، لكن زفزاف حورها وجعل الديك يبيض. إذن لمن باض الديك؟ إنه باض لشخصيات النص، على اعتبار أن كل شخصية من شخصيات النص ابتسم لها الحظ واغتنت بعدما عاشت واقعة جنسية باض فيها الديك.
إن رواية بيضة الديك عمل فني يجمع بين القضية والأساليب، ولا تغليب للمبنى على المعنى بل نلفي ونحن نقرأ الرواية سيرهما معا على التوازي، فما نوع الكاتب تقنيات السرد إلا لخدمة الموضوع وليس غرضه التنميق أو التزويق، وعليه، اعتمد الكاتب تقنية الباروديا التي نجدها في المحاكاة الساخرة لقصة الطرد: طرد آدم من الجنة بسبب امرأة ويتجلى هذا في خطاب عمر حين قال: طردت من مراكش بسبب امرأة وكانت المرأة نفسها هي التي وفرت لي سبل العيش في مدينة الدار البيضاء’ وفي طرد رحال المتوالي، من المدرسة، من المنزل، من الكوخ…
كما يحضر التناص مع النص الديني أو الخطاب الديني في عبارات من قبيل: ‘ناقصات عقل ودين’ ‘ اعقلها وتوكل’ ‘ المرأة ضلعة عوجة’ ويمكرون ويمكر الله’ وغيرها من الأمثلة كثير تحضر كلها للكشف عن ذهنية المجتمع المغربي. ناهيك عن استثمار الخطاب الفلسفي، وذلك من خلال تضمين بعض الأقوال الفلسفية في كلام رحال على نحو: ‘ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ‘لتوماس هوبز أو عبر الإشارة إلى أسماء بعض الفلاسفة الذين لهم قصص مع النساء من أمثال نتشه وشوبنهاور..
هذا بالإضافة إلى الانفتاح على الثقافة الشعبية التي تتأسس على عبارات’ الإنسان يولد برزقة’ ‘ الإنسان يدير علاش يرجع’ و استلهام التراث العربي القديم الذي يتجلى في إيراد بيت من الشعر جاء على لسان السوادي بعدما احتال عليه أبي الفتح الاسكندري في المقامة البغدادية التي ألفها بديع الزمان الهمداني:
اعمل لرزقك كل آلة ….لا تقعدن بكل حالة
وكان استحضار هذا البيت مخالفا لنسيجه الجوهري في الأصل، انسجاما وآلية التحوير، فالبيت الشعري في الأصل له حمولة قيمية تقضي بضرورة تحصيل المكاسب بما يجوز، لكن زفزاف من خلال رحال وجيجي يجيز لداحو ما لايجوز، إذ يبرر لداحو ممارسة الشذوذ من أجل تحصيل الرزق.
وتماشيا مع ما ذهب إليه العروي أثناء حديثه عن الرواية إلى أن العمل الروائي ليس تنميق اللفظ وتزويق الغرض وتلهية المشتاق، بل هو جهد فكري وفني وبحث مضن عن الموضوع الغائب وبمعنى آخر: التعبير بفنية كما فعل زفزاف عن العقد الموروثة المنغرسة في اللاشعور الجمعي.. الرواية من هذا المنطلق: بحث في القضية الغائبة، وبيضة الديك تجسيد فعلي لقضية شائكة أسالت الكثير من المداد وأرقت الكثيرين، ألا وهي الجنس واستيهاماته، و الغائب في خطاب من أرقتهم هذه القضية حاضر في رواية بيضة الديك ألا وهو الإنصات لمن يمارس الجنس كنزوع وكنزوة وكيف يمارس ولماذا؟ ومن يربح من ممارسته؟ ومع من يمارس؟ ومن يتستر على ممارسته كبضاعة؟
وبتعبير باختين في كتابه الماركسية وفلسفة اللغة’ الرواية فضاء ديموقراطي’ وبيضة الديك فضاء ديموقراطي عادل لا ترجيح فيه ولا تغليب لصوت على آخر. لقد مكن زفزاف للجميع بشكل عادل ومنصف أن يدلي بدلوه؛ صوت السلطة إلى جانب صوت العاهرة، صوت السيد والخادم، صوت المقدم وصوت الحاجة، صوت الكاتب وصوت الكوميسير… وهذا ما يحقق مبدأ الحوارية والتعدد الصوتي، دون إغفال دور التهجين والهجنة واستثمار الدارجة المغربية في مواقف تستدعيها..
وتوسلا لإكساب روايته بعدا إمتاعيا وظف زفزاف تقنية تكسير أفق الانتظار في الباب الأخير، وذلك من خلال تصوير مشهد مشبوه داخل مقهى بطلاه رجل خمسيني يتحدث بلسان فرنسي و طفلة لا تتعدى خمسة عشر سنة، وهو مشهد تحفه الحميمية، إذ يظهر فيه الخمسيني وكأنه يغرر بقاصر اقتناها من وسيط في القوادة، وهذا المشهد استرعى انتباه الكاتب الذي بدا من خطابه أنه يمج الاستغلال الجنسي فتماهينا نحن كقراء مع ما دار في خلده من حسابات لنكتشف أن الأمر يخالف ما ذهبنا إليه فور نطق الطفلة بكلمة” بابا” إذ بدا جليا أن الأمر لا يتعلق إلا بأب يحنو على ابنته. والغاية التي دفعت بزفزاف إلى الاحتيال على القارئ هي الرغبة في تبيان أن المجتمع الذي يسلط الضوء عليه هو مجتمع مشبوه وكل ما يحدث فيه يثير الشكوك وبالتالي تكمن لذة النص حسب القارئ في تصحيح ظنونه الخاطئة بعدما أساء الظن بالشخصية. ناهيك عن استثمار الكاتب لتقنية الإيهام بواقعية الأحداث، والتي تحققت في النص الروائي عبر اختيار أمكنة واقعية كالدار البيضاء، درب ميلا، مراكش..و تتمثل هذه التقنية في استحضار الكاتب في الباب السادس لجزء من سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، و زيارات إحدى شخصيات الرواية لمنزل شكري بمدينة طنجة.
ونافلة القول إن زفزاف يمارس في هذا العمل حقه في الرفض ككاتب، فكتابته شقية وعلى حد تعبير عبد السلام بن عبد العالي: الكتابة تكون شقية حين تكون وليدة رفض واستنكار ومحاكمة الواقع بالقيم الغائبة فيه….. فما الذي يغيب في المجتمع؟ يجيبنا زفزاف بقوله’ الغائب هو الضمير، مورد كل القيم….
أين الضمير؟ هل هو الذي يحضر من تلقاء نفسه في الأوقات المناسبة، أم نحن الذين نستحضره؟
تساءل زفزاف بأسلوب الفيلسوف وبحيرة الحكيم عن مكامن الروح والعقل والضمير في جسد الإنسان. ووجد بأن الإنسان لو أدرك كنهها وعمل بها لحلت العديد من المشاكل اليومية، “لكف الإنسان عن الاقتتال ولأغلقت النساء أفواههن التي تشبه المزابل في حالة الغضب، ولعاد كل قائد مقاطعة إلى زوجته وكف عن خيانتها، ولما اعتدى وكيل نيابة أو كوميسير على امرأة مسكينة بئيسة تدير بارا عاديا، ولكف مفتش الضريبة عن طلب الرشوة، ولأصبح الحكام ملائكة منزهين يحبون الخير لكل الناس ويعطونهم المثال في المحبة والإيخاء والعدالة.. “
وعليه كأن زفزاف يريد أن يقول لو تحقق هذا لما كتب هذا العمل الذي يعد مرآة عاكسة لمجتمع بلا ضمير بلا أرواح ..بلا عقلاء.
المراجع:
بيضة الديك، محمد زفزاف
ميثولوجيا الواقع، عبد السلام بنعبد العالي
المبدأ الحواري، ميخائيل باختين
الماركسية وفلسفة اللغة، ميخائيل باختين
الإديولوجية العربية المعاصرة، عبد الله العروي
لذة النص، رولان بارت
التعليقات