حين يُدفن المعنى تحت الهتاف
هيهات منا الذلة
عبارةٌ شاخت على ألسنة مكرريها أكثر مما شاخت في بطون الكتب. تتقاذفها الأجيال جيلاً بعد جيل كما تتقاذف الأمواج خشبةً قديمة لا أحد يسأل من أين جاءت ولا إلى أين تمضي ولا ماذا تعني أصلاً.
حفظوا الجملة كما تُحفظ التعاويذ وأحاطوها بهالةٍ من التقديس حتى صار السؤال عن معناها أقرب إلى الجريمة الفكرية. فإذا سألت أحدهم ما الذلة؟ أجابك بغضب. وإذا سألته ما هيهات؟ أجابك باتهام. وإذا ألححت في طلب المعنى اكتشف أن ما يحمله في صدره ليس فهماً بل تسجيلٌ صوتيٌّ ورثه عن الذين سبقوه.
إن مأساة هذه الأمة ليست في قلة الشعارات بل في كثرة الذين يعيشون داخلها. فقد بلغ بهم الولع بالألفاظ أن استبدلوا الفهم بالترديد والمعرفة بالتصفيق والعقل بالصدى.
والأعجب من ذلك أن كثيراً ممن يملؤون الدنيا ضجيجاً بـ هيهات منا الذلة لا يرون الذلة وهي تجلس بينهم على الموائد وتنام في عقولهم وتتكلم بألسنتهم. فالذلة ليست أن تُهزم مرة بل أن تتنازل عن حقك في التفكير. وليست أن تُفقر بل أن تُستعبد فكرياً ثم تظن نفسك حراً. وليست أن يُفرض عليك رأي بل أن تحارب كل من يسأل عنه.
لقد تحولت العبارة عندهم إلى شاهد قبرٍ ضخم دُفن تحته المعنى. كل جيل يضيف طبقةً جديدة من الترديد حتى اختنق المقصود تحت ركام الهتاف.
ولست أدري أيهما أبعد عنا اليوم الذلة أم هيهات نفسها؟ لأن الذلة أراها في تقديس الجهل وفي عبادة الموروث بلا تمحيص وفي الخوف من السؤال وفي الفزع من مراجعة ما اعتادته الأسماع. أما هيهات فقد أصبحت بعيدةً حقاً بعيدةً عن قومٍ ظنوا أن تكرار الكلمة ألف مرة يغنيهم عن فهمها مرةً واحدة.
فيا سادة الصدى يا ورثة الأصوات لا المعاني
يا حرّاس الألفاظ المهجورة ليست البطولة أن ترفعوا شعاراً عمره قرون بل أن تمتلكوا الشجاعة لفهمه. أما الذي يكتفي بالترديد فليس حاملاً للفكرة بل مجرد ناقلٍ لها… كالببغاء الذي يحفظ القصيدة كاملةً ولا يدرك منها حرفاً واحداً
حين يُدفن المعنى تحت الهتاف
حين يُدفن المعنى تحت الهتاف
هيهات منا الذلة
عبارةٌ شاخت على ألسنة مكرريها أكثر مما شاخت في بطون الكتب. تتقاذفها الأجيال جيلاً بعد جيل كما تتقاذف الأمواج خشبةً قديمة لا أحد يسأل من أين جاءت ولا إلى أين تمضي ولا ماذا تعني أصلاً.
حفظوا الجملة كما تُحفظ التعاويذ وأحاطوها بهالةٍ من التقديس حتى صار السؤال عن معناها أقرب إلى الجريمة الفكرية. فإذا سألت أحدهم ما الذلة؟ أجابك بغضب. وإذا سألته ما هيهات؟ أجابك باتهام. وإذا ألححت في طلب المعنى اكتشف أن ما يحمله في صدره ليس فهماً بل تسجيلٌ صوتيٌّ ورثه عن الذين سبقوه.
إن مأساة هذه الأمة ليست في قلة الشعارات بل في كثرة الذين يعيشون داخلها. فقد بلغ بهم الولع بالألفاظ أن استبدلوا الفهم بالترديد والمعرفة بالتصفيق والعقل بالصدى.
والأعجب من ذلك أن كثيراً ممن يملؤون الدنيا ضجيجاً بـ هيهات منا الذلة لا يرون الذلة وهي تجلس بينهم على الموائد وتنام في عقولهم وتتكلم بألسنتهم. فالذلة ليست أن تُهزم مرة بل أن تتنازل عن حقك في التفكير. وليست أن تُفقر بل أن تُستعبد فكرياً ثم تظن نفسك حراً. وليست أن يُفرض عليك رأي بل أن تحارب كل من يسأل عنه.
لقد تحولت العبارة عندهم إلى شاهد قبرٍ ضخم دُفن تحته المعنى. كل جيل يضيف طبقةً جديدة من الترديد حتى اختنق المقصود تحت ركام الهتاف.
ولست أدري أيهما أبعد عنا اليوم الذلة أم هيهات نفسها؟ لأن الذلة أراها في تقديس الجهل وفي عبادة الموروث بلا تمحيص وفي الخوف من السؤال وفي الفزع من مراجعة ما اعتادته الأسماع. أما هيهات فقد أصبحت بعيدةً حقاً بعيدةً عن قومٍ ظنوا أن تكرار الكلمة ألف مرة يغنيهم عن فهمها مرةً واحدة.
فيا سادة الصدى يا ورثة الأصوات لا المعاني
يا حرّاس الألفاظ المهجورة ليست البطولة أن ترفعوا شعاراً عمره قرون بل أن تمتلكوا الشجاعة لفهمه. أما الذي يكتفي بالترديد فليس حاملاً للفكرة بل مجرد ناقلٍ لها… كالببغاء الذي يحفظ القصيدة كاملةً ولا يدرك منها حرفاً واحداً
التعليقات