ذاكرة الرصيف
في شتاءٍ بارد، شمسه صافية، غير أنّ نسمةً خفيفة تهبّ من جهة الشرق. يتبادر إلى ذهني مثل أجدادنا: «إذا شرگت غرگت»؛ أي إذا جاءت الرياح الشرقية كانت الأمطار غزيرة، إلى حدّ تغرق المساكن الواطئة.
أرافق ابنيَّ الصغيرين.
همّام، ذو خمسة أعوام، بوجنتاه الممتلئتان، وغمازتاه الغائرتان لا تخطئهما العين حين تشتدّ ابتسامته. طفلٌ حيويّ، يعشق اللعب والحركة، كأن الطاقة خُلقت باسمه.
ويعرب، ابن عامين والنصف، يتحدّث بلغةٍ لا يفهمها إلا أنا وأمّه، لأننا ألفنا مفرداته الخاصة. حين يلعب مع أخيه يقول: «دويّي»، أي جاء دوري. تختلط عنده الراء بالياء، فيخرجان صوتًا واحدًا. ورغم صغره، فهو ذكيّ، حذر، يميل إلى المغامرة المحسوبة، يتفادى الخطر دون أن نرشده إليه.
مكان لعبهما ليس حديقة، بل أنقاض مقرٍّ عسكري خلّفه العدوان الداعشي: كتلٌ كونكريتية متناثرة، ورصيفٌ متشقّق كوجه مدينةٍ أنهكته الوقائع.
كان هذا المكان يومًا فندقًا تابعًا للتصنيع العسكري في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تحوّل بعد عام 2003 إلى قاعدةٍ للجيش الأمريكي، وبعد انسحابه صار مقرًا للجيش العراقي، وتعاقبت عليه القطعات العسكرية حتى انسحاب آخر فوجٍ قبيل دخول داعش بساعات. بعدها اتّخذه التنظيم مركزًا للتدريب، قبل أن يُقصف مرارًا من طيران الجيش.
في آخر قصف، قبيل نزوحنا إلى الإقليم، لم تكن الإحداثيات دقيقة.
نعم، قُتل كثير من عناصر داعش، لكن البيوت القريبة دفعت الثمن أيضًا؛ تهشّمت الجدران، وسقط الجرحى من المدنيين، وبقي الخوف عالقًا في الذاكرة أكثر من الدخان.
وبعد التحرير وعودتنا إلى بيوتنا، صار المكان متنفسًا لأطفالنا، نزوره بين حينٍ وآخر، كأن الحياة قرّرت أن تستردّ ما تستطيع.
أمشي على رصيفه بينما يلعب أطفالي. ألاحظ قطعة رصيف منقوشةً عليها: «ذكرى نصيف – 1987». وعلى قطعةٍ أخرى، آثار أقدام كلبٍ داسها حين كان الكونكريت رطبًا، في العام نفسه.
أبتسم للفكرة: كأن الكلب غار من نصيف، فترك هو الآخر أثرًا، وقال بطريقته: كنتُ هنا.
أتساءل:
هل بقي من سلالة ذلك الكلب من يمرّ اليوم فوق أثر جدّه؟ هل يعرف أن الأرض ما زالت هي ذاتها، وأن الشمس لم تتغيّر، وأن اللحظة التي داس فيها هذا الرصيف ما زالت حاضرة؟
مدينتنا لم تتبدّل كثيرًا؛ الشارع نفسه، والأرصفة نفسها، غير أنّها اليوم متشققة، مبعثرة، عبثت بها السنوات والناس.
ثم يذهب فكري إلى نصيف.
أين صار؟ هل هو عراقي، أم وافدٌ جاء طلبًا للرزق أيام الثمانينيات، حين كان العراق، رغم الحرب العراقية–الإيرانية، ما يزال كريمًا مع أهله وأشقائه؟
هل بقيت ملامحه كما هي، أم أكلتها التجاعيد؟ هل ما زال حيًا، أم أصبح اسمًا آخر في سجلّ الغياب؟
أدير رأسي نحو أطفالي وهم يقفزون بين الأنقاض، بخفّةٍ لا تعرف ثقل الذاكرة.
تمرّ السيارات في الشارع المقابل، يلوّح سائقوها بأيديهم، يضغطون على المنبّهات تحيةً. أعرف بعضهم، ولا أعرف آخرين، لكنهم يعرفونني؛ فأنا من أهل المكان.
أميّز سلامهم من حرارة التلويح، ومن ذاك الذي يناديني باسمي، قبل أن تبتلعه السرعة.
أقف هناك،
بين أثر قدمٍ قديم،
وضحكة طفل،
وأدرك أن الأرصفة… مثلنا،
تحفظ أكثر مما تقول.
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
سعد عودة
التعليقات