‘صحوة متأخرة”

صورة الكاتب
بقلم: سلوی ادریسي والي
التاريخ: 1 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1341
‘صحوة متأخرة”

صحوة متأخرة

 

صحوة متأخرة فهمت كل شيء متأخرة جدًّا، لكن القدر لم يكن ليتركني قبل أن ينهي معي دروسه العظيمة. ها أنا ذي ممددة فوق السرير، وقد نخر المرض الخبيث كل جزء من أحشائي. استأصلوا أجزاءً من أمعائي ومعدتي. لطالما عانيت من تخزين مشاعر الغضب والحزن في تلك المناطق بالذات. كنت أظن أن الحزن شيء منفصل عن الجسد المادي، ولا يؤثر على جودته وقوته. كنت أحرق نفسي بدلًا من إحراق هذا العالم، الذي سيفنى عندما تفنى نفسي. إنه ليس له وجود فعلي إلا بوجودي. كم كنت غبية عندما حملت هذا العالم داخل صدري، وتركته يلعب بأنفاسي. وكم كنت ساذجة عندما اعتقدت أن الحب يمكنه أن يغير شيئًا في من حولنا، وأن العطاء المبالغ فيه يمكنه أن يلفّ أحبابنا ببعض العواطف الشفافة. في ذلك اليوم، تجمع حولي الأحبة وبعض الأصدقاء، وكان هو يجلس عند طرف السرير. إنه “المعلم”، يلمس قدمي بكل حنان، وعيناه تملؤهما الدموع، لكن لا أظنها ستنزل قريبًا. لقد كان، وما زال حتى هذه اللحظة، الدرس الأعظم الذي تعلمته بصعوبة. لم أكن لأفوّت هذه الفرصة وأستمتع بهذه اليقظة والاستنارة. كان يجب أن نفترق من أول يوم التقينا فيه. أتذكر ذلك اليوم جيدًا. كان شابًا طموحًا، وسيمًا، ابن بلدي، وأنا الفتاة المغتربة ذات الخبرة الكبيرة في التعاملات الإدارية في روما. لا أنكر أنني انجذبت إليه من أول لقاء، وقلت في نفسي: “أخيرًا، هذا هو حلم حياتي”. ساعدته في استخلاص أوراق الإقامة، فقد كان مهاجرًا سريًّا. فتحت له باب منزلي، وقدّمت له نفسي دون أن أشعر بأي عار أو خوف من ردة فعل أهلي في المغرب. مرت الشهور، وبدأ ينبت لعصفوري الصغير ريش. كنت أشعر في أعماقي أنه أوشك على الطيران، وكنت أعلم أن هذا التحليق سيكون بعيدًا جدًّا عن سمائي. شعرت بخوف شديد لمجرد الفكرة، فقررت أن أغامر مغامرة كبيرة أضمن بها رباطًا أبديًّا بيني وبينه. حبيبي! أنا حامل. تسمر في مكانه. كان لتوّه قد نهض من مائدة الطعام، وما زالت آخر لقمة في فمه لم يكمل مضغها بعد. اصفرّ لونه، وتعثرَت الكلمات داخل حنجرته، إلى أن ابتلع كل شيء دفعة واحدة، ولم يستطع النطق ولو بكلمة واحدة. وظهر الرجل الشرقي الخائف والمنهزم والذليل بشكله الطبيعي. كنت أراقب عينيه الممتلئتين بالدموع كما رأيتهما اليوم، لكن مشاعري تجاههما مختلفة. أنا أراه اليوم “المعلم”. إنه من أولئك الذين لا يستسلمون حتى يفهم التلاميذ الدرس جيدًا ويستظهروه أمامه. لقد كان دائمًا يحاول هجري، وأنا أمسك به وأسجنه داخل عالمي المتخيل. لكن وقتها، أنا أيضًا كنت شابة، ولديّ الكثير من الجرأة والتحدي. كنت أظن أنني أدافع عن حبي، لكنه كان هجومًا ضدي، دفع ثمنه جسدي وأطفالي. اتصلت بعائلته في المغرب. كنت أعلم أنهم أناس محافظون، ولا يرضون بهذا العار الذي ورطهم به ابنهم “الملتزم”. ضغطوا عليه، فتزوجنا. كانت الحياة بيننا مثل ساحة معركة. هو يريد الفرار، وأنا ألزمه بمسؤوليات جديدة. عشرون عامًا لم تهدأ فيها أنفاسي يومًا، ولم أذق فيها لحظة سلام. عشرون عامًا وأنا مصرة على أن هذا المرّ الذي أشربه حلو، وأن الحب يغفر كل الذنوب. إنه يجلس أمامي الآن، ويدعو لي بالرحمة… ليرتاح هو من حملي الثقيل. لا أنكر أن ما حصل كان جنونيًّا. كيف استطعت قصَّ جناحيه دون وعي مني؟ لو عاد بي الزمن، لتركت له هذا العالم منذ أول لقاء. لو تُتاح لي الفرصة لحياة جديدة، لاخترت حب ذاتي.

 

عن الکاتب / الکاتبة

سلوی ادریسي والي
سلوی ادریسي والي
قاصة . كاتبة .باحثة في اللاهوت/ المغرب

مقالات أخرى للكاتب

“الثمن”

“الثمن”

الثمن الثمن يجرّ قدميه وهو يتجه نحو الزقاق. من يره من بعيد، يُخيَّل إليه أنه…

صورة الكاتب سلوی ادریسي والي
28 أبريل 2026
اقرأ المزيد
بالعرض البطيء

بالعرض البطيء

بالعرض البطيء   أنا الطفلة المختبئة خلف تجاعيدي، لازلت احب الحلوى ، واللعب بالتراب،لازلت قادرة…

صورة الكاتب سلوی ادریسي والي
8 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


‘صحوة متأخرة”

بقلم: سلوی ادریسي والي | التاريخ: 1 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

صحوة متأخرة

 

صحوة متأخرة فهمت كل شيء متأخرة جدًّا، لكن القدر لم يكن ليتركني قبل أن ينهي معي دروسه العظيمة. ها أنا ذي ممددة فوق السرير، وقد نخر المرض الخبيث كل جزء من أحشائي. استأصلوا أجزاءً من أمعائي ومعدتي. لطالما عانيت من تخزين مشاعر الغضب والحزن في تلك المناطق بالذات. كنت أظن أن الحزن شيء منفصل عن الجسد المادي، ولا يؤثر على جودته وقوته. كنت أحرق نفسي بدلًا من إحراق هذا العالم، الذي سيفنى عندما تفنى نفسي. إنه ليس له وجود فعلي إلا بوجودي. كم كنت غبية عندما حملت هذا العالم داخل صدري، وتركته يلعب بأنفاسي. وكم كنت ساذجة عندما اعتقدت أن الحب يمكنه أن يغير شيئًا في من حولنا، وأن العطاء المبالغ فيه يمكنه أن يلفّ أحبابنا ببعض العواطف الشفافة. في ذلك اليوم، تجمع حولي الأحبة وبعض الأصدقاء، وكان هو يجلس عند طرف السرير. إنه “المعلم”، يلمس قدمي بكل حنان، وعيناه تملؤهما الدموع، لكن لا أظنها ستنزل قريبًا. لقد كان، وما زال حتى هذه اللحظة، الدرس الأعظم الذي تعلمته بصعوبة. لم أكن لأفوّت هذه الفرصة وأستمتع بهذه اليقظة والاستنارة. كان يجب أن نفترق من أول يوم التقينا فيه. أتذكر ذلك اليوم جيدًا. كان شابًا طموحًا، وسيمًا، ابن بلدي، وأنا الفتاة المغتربة ذات الخبرة الكبيرة في التعاملات الإدارية في روما. لا أنكر أنني انجذبت إليه من أول لقاء، وقلت في نفسي: “أخيرًا، هذا هو حلم حياتي”. ساعدته في استخلاص أوراق الإقامة، فقد كان مهاجرًا سريًّا. فتحت له باب منزلي، وقدّمت له نفسي دون أن أشعر بأي عار أو خوف من ردة فعل أهلي في المغرب. مرت الشهور، وبدأ ينبت لعصفوري الصغير ريش. كنت أشعر في أعماقي أنه أوشك على الطيران، وكنت أعلم أن هذا التحليق سيكون بعيدًا جدًّا عن سمائي. شعرت بخوف شديد لمجرد الفكرة، فقررت أن أغامر مغامرة كبيرة أضمن بها رباطًا أبديًّا بيني وبينه. حبيبي! أنا حامل. تسمر في مكانه. كان لتوّه قد نهض من مائدة الطعام، وما زالت آخر لقمة في فمه لم يكمل مضغها بعد. اصفرّ لونه، وتعثرَت الكلمات داخل حنجرته، إلى أن ابتلع كل شيء دفعة واحدة، ولم يستطع النطق ولو بكلمة واحدة. وظهر الرجل الشرقي الخائف والمنهزم والذليل بشكله الطبيعي. كنت أراقب عينيه الممتلئتين بالدموع كما رأيتهما اليوم، لكن مشاعري تجاههما مختلفة. أنا أراه اليوم “المعلم”. إنه من أولئك الذين لا يستسلمون حتى يفهم التلاميذ الدرس جيدًا ويستظهروه أمامه. لقد كان دائمًا يحاول هجري، وأنا أمسك به وأسجنه داخل عالمي المتخيل. لكن وقتها، أنا أيضًا كنت شابة، ولديّ الكثير من الجرأة والتحدي. كنت أظن أنني أدافع عن حبي، لكنه كان هجومًا ضدي، دفع ثمنه جسدي وأطفالي. اتصلت بعائلته في المغرب. كنت أعلم أنهم أناس محافظون، ولا يرضون بهذا العار الذي ورطهم به ابنهم “الملتزم”. ضغطوا عليه، فتزوجنا. كانت الحياة بيننا مثل ساحة معركة. هو يريد الفرار، وأنا ألزمه بمسؤوليات جديدة. عشرون عامًا لم تهدأ فيها أنفاسي يومًا، ولم أذق فيها لحظة سلام. عشرون عامًا وأنا مصرة على أن هذا المرّ الذي أشربه حلو، وأن الحب يغفر كل الذنوب. إنه يجلس أمامي الآن، ويدعو لي بالرحمة… ليرتاح هو من حملي الثقيل. لا أنكر أن ما حصل كان جنونيًّا. كيف استطعت قصَّ جناحيه دون وعي مني؟ لو عاد بي الزمن، لتركت له هذا العالم منذ أول لقاء. لو تُتاح لي الفرصة لحياة جديدة، لاخترت حب ذاتي.