قصور “سمية” السبعة

صورة الكاتب
بقلم: آسیا ناصر
التاريخ: 21 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1425
قصور “سمية” السبعة

قصور “سمية” السبعة
– قصة قصيرة

عمي يلوّح لي بإجازة العيد في القرية، وفي يدي ثوب جديد لم يحسن والدي شراءه.
حملني عمي على كتفه، وذهب بي إلى محل الملابس القريب من حينا.
أخذ لي ثوبًا جميلا، لكنه لم يسعدني، بعد السيل الجارف المتساقط من عيوني.
وحتى وهو يربّت علي ويداعب وجهي العابس.
لم يتمكن من رسم الفرح على ملامحي، بعد موّال العويل والصراخ.
وسوس لي عمي بالسفر إلى القرية، كي أحضر زفاف ابنته الكبرى
قال إن عريسها أهدى لها سبعة قصور، وفي كل قصر من كل شيء سبعة
تخيّلت ذلك تخيلت كل الأشياء سبعة، سبعة أثواب، سبع أساور ذهب، سبع أحذية
سبع حقائب، وسبع…
جمح خيالي في كل شيء وأحسبه سبعة.
وافقت على الفور، سأرى الأميرة حقيقة.
هكذا حشوتُ “سمية” بكل ما أملك في ذاكرتي البيضاء، وصوت أمي الحنون يطاردني
– يا ابنتي، سمية في عمرك، لا تزال طفلة
رغم تحذير والدتي، وهي تحاول إقناعي بالعدول عن السفر
يا ابنتي، عمك يضحك عليك، سمية في عمرك لا تزال طفلة.
لم أصدق، تجشّمت عناء السفر لحضور زفاف ابنة عمي، أو بالأحرى لرؤية القصور السبعة
جهزت حقيبتي، وحملني عمي، وذهب بي إلى محطة الركاب
يحملني قلبي الصغير على تحمل عناء السفر ومفاجآت ما سأرى هناك.
في الطريق يقف عمي، يشتري الحلوى والهدايا، وفي محطة أخرى نقف نأكل، إلى أن وصلنا القرية، وضعني عند جدتي
ولم اتحدث معه حتى عدنا إلى المدينة.
في صباح العيد، سمية ترتدي ثوب أختها الأصغر، تخرج خمس دقائق إلى بيوت القرية لتأخذ العيدية ثم تعود لتلبس ثوبها الجديد.
قلبي الغض الصغير تعتريه الغصّة، ونكوص الدهشة، هرعت نحو جدتي ليلًا، خوفًا من نباح الكلاب والبرد.

جدي، والد أمي، أراد أن أكون ضيفة في بيته، رفعني وحملني على كتفه في الظلام، بعدما تشبثت بمعوزه خوفا من نباح الكلاب المستمر.
بيت جدي جميل، مبني من الطين، ما زالت معالمه لم تتغير، لم يدخل الإسمنت بين جدرانه.
وسقفه مرصوص بسيقان الأشجار ومغطى بالطين المعالج يدويا، نوافذه ضيقة صغيرة جدا، هناك دولاب زجاجي مستطيل تطل منه ملابس وأكسسوارات جدتي منذ زفافها على جدي، الدولاب يوازي سريرًا حديديا وبطانيات من الصوف، رصت بالقرب من السرير، يغطي أرض الغرفة الضيقة سجاد من سعف النخيل.
وعلى النافذة الصغيرة وشاح جدتي الأسود المزخرف بخيوط حريريه ملونة لامعة، تضعه على رأسها حين تستقبل الضيفات.
ظلت جدتي، زوجة جدي لأمي، تهدهدني كرضيعةٍ أنجبتها بعد طول انتظار، واعتنت بي بعناية بالغة.
حتى غفوت، وغرقت في نومٍ امتزج برؤى من الأساطير البعيدة، حيث يقبع الأقزام السبعة ينادونني باسمي، ويؤكدون أن لا وجود في الروايات لاسم “سمية” اقترن بالقصور السبعة.
فجأة، سقطت من السرير الضيق على الأرض، محدثة ضجة وسط سكون الفجر.
تمتمت جدتي بالبسملة، حملتني إلى السرير، ثم غادرت الغرفة الضيقة الطينية.
تركتني في جُبّ الطين، أعيد تشكيله بخيالي الجامح.
وفي الضحى، دخلت امرأة ريفية سقيفة الدار، حيث كنا نجلس أنا وجدتي، وكان جدي قد غاب في الحقل.
وضعت المرأة ثلاث بيضات صغيرة الحجم في يد جدتي، ثم اقتربت وهمست في أذني:
“هذه البيضات لك.”
ضحكت وهي تلمس أذنيّ البارزتين، وقالت بلهجتها الريفية: ” أمشرفا.”
لم أفهم ما تعني، لكن الكلمة ظلت عالقة بي، حتى كبرت، وفهمت معناها من أمي.
وما زالت كلمتها الانتقادية تشعرني بالخجل، كلما نظرت إلى أذنيّ البارزتين الكبيرتين،
ويشفع لها فقط مذاق البيض البلدي، الذي ظل يرافقني، وأنا أعقد المقارنات الظالمة بينه وبين البيض الأبيض الذي يُنتج على غفلة من الزمن.

ركضت مع جدي إلى المزرعة، شجر البرتقال يطل علينا، وحبات البطيخ الأحمر المحلى بطعم السكر.
صوت الحراثة وهدير المياه المنساب من السواقي، أنساني قصور سمية السبعة، الطماطم والبامية والعمباء (البابايا) والبلح، يسحرني رؤية الزرع ورائحة الطين والهواء النقي البارد.
يحملني جدي على ظهر الحمار بعد جولة في الحقول الواسعة، ويعود بي إلى الأرض الأخرى المتوارية خلف سلسلة من الجبال الشاهقة الرمادية، حيث يزرع السمسم.
الطريق وعر، مرتفعات من الصخور وآثار أقدام أطفال وكبار من مئات السنين محفورة في الصخور، وعيون مليئة بمياه الأمطار حلوة المذاق، يُقال لها “كرع”، وأنا امتطي ظهر الحمار حتى لا أتعب في المسير. بينما جدي يسير بثبات وباتجاه كمن حفظ المكان عن ظهر قلب.
كان المكان ساحرًا وغامضًا في ذات الوقت.
أطلت سمية في خيالي لوهلة مع نسياني المتعمد، وصوت الأقزام السبعة الذي يؤكد غيابها، لكنها ما زالت حاضرة، وقصورها الوهمية تحطم معاني الحياة في قلبي الصغير وخيبة الأمل بعد عودتي من القرية، حالما ضحك الجميع بقهقهة ملأت الغرفة وهم يعايدون بعضهم، وكيف انطلت عليّ حيلة عمي وصدقتها.
ضحكات عائلتي تحجز مقاعدها من خيبات الأمل، ومن عدم الثقة، بعدد قهقهاتهم وبعدد السنوات القادمة، كلما تذكروا رحلتي ثم عودتي بخفّي حُنين.

عن الکاتب / الکاتبة

آسیا ناصر
آسیا ناصر
کاتبة / مصر

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قصور “سمية” السبعة

بقلم: آسیا ناصر | التاريخ: 21 ديسمبر 2025

التصنيف: قصة قصيرة

قصور “سمية” السبعة
– قصة قصيرة

عمي يلوّح لي بإجازة العيد في القرية، وفي يدي ثوب جديد لم يحسن والدي شراءه.
حملني عمي على كتفه، وذهب بي إلى محل الملابس القريب من حينا.
أخذ لي ثوبًا جميلا، لكنه لم يسعدني، بعد السيل الجارف المتساقط من عيوني.
وحتى وهو يربّت علي ويداعب وجهي العابس.
لم يتمكن من رسم الفرح على ملامحي، بعد موّال العويل والصراخ.
وسوس لي عمي بالسفر إلى القرية، كي أحضر زفاف ابنته الكبرى
قال إن عريسها أهدى لها سبعة قصور، وفي كل قصر من كل شيء سبعة
تخيّلت ذلك تخيلت كل الأشياء سبعة، سبعة أثواب، سبع أساور ذهب، سبع أحذية
سبع حقائب، وسبع…
جمح خيالي في كل شيء وأحسبه سبعة.
وافقت على الفور، سأرى الأميرة حقيقة.
هكذا حشوتُ “سمية” بكل ما أملك في ذاكرتي البيضاء، وصوت أمي الحنون يطاردني
– يا ابنتي، سمية في عمرك، لا تزال طفلة
رغم تحذير والدتي، وهي تحاول إقناعي بالعدول عن السفر
يا ابنتي، عمك يضحك عليك، سمية في عمرك لا تزال طفلة.
لم أصدق، تجشّمت عناء السفر لحضور زفاف ابنة عمي، أو بالأحرى لرؤية القصور السبعة
جهزت حقيبتي، وحملني عمي، وذهب بي إلى محطة الركاب
يحملني قلبي الصغير على تحمل عناء السفر ومفاجآت ما سأرى هناك.
في الطريق يقف عمي، يشتري الحلوى والهدايا، وفي محطة أخرى نقف نأكل، إلى أن وصلنا القرية، وضعني عند جدتي
ولم اتحدث معه حتى عدنا إلى المدينة.
في صباح العيد، سمية ترتدي ثوب أختها الأصغر، تخرج خمس دقائق إلى بيوت القرية لتأخذ العيدية ثم تعود لتلبس ثوبها الجديد.
قلبي الغض الصغير تعتريه الغصّة، ونكوص الدهشة، هرعت نحو جدتي ليلًا، خوفًا من نباح الكلاب والبرد.

جدي، والد أمي، أراد أن أكون ضيفة في بيته، رفعني وحملني على كتفه في الظلام، بعدما تشبثت بمعوزه خوفا من نباح الكلاب المستمر.
بيت جدي جميل، مبني من الطين، ما زالت معالمه لم تتغير، لم يدخل الإسمنت بين جدرانه.
وسقفه مرصوص بسيقان الأشجار ومغطى بالطين المعالج يدويا، نوافذه ضيقة صغيرة جدا، هناك دولاب زجاجي مستطيل تطل منه ملابس وأكسسوارات جدتي منذ زفافها على جدي، الدولاب يوازي سريرًا حديديا وبطانيات من الصوف، رصت بالقرب من السرير، يغطي أرض الغرفة الضيقة سجاد من سعف النخيل.
وعلى النافذة الصغيرة وشاح جدتي الأسود المزخرف بخيوط حريريه ملونة لامعة، تضعه على رأسها حين تستقبل الضيفات.
ظلت جدتي، زوجة جدي لأمي، تهدهدني كرضيعةٍ أنجبتها بعد طول انتظار، واعتنت بي بعناية بالغة.
حتى غفوت، وغرقت في نومٍ امتزج برؤى من الأساطير البعيدة، حيث يقبع الأقزام السبعة ينادونني باسمي، ويؤكدون أن لا وجود في الروايات لاسم “سمية” اقترن بالقصور السبعة.
فجأة، سقطت من السرير الضيق على الأرض، محدثة ضجة وسط سكون الفجر.
تمتمت جدتي بالبسملة، حملتني إلى السرير، ثم غادرت الغرفة الضيقة الطينية.
تركتني في جُبّ الطين، أعيد تشكيله بخيالي الجامح.
وفي الضحى، دخلت امرأة ريفية سقيفة الدار، حيث كنا نجلس أنا وجدتي، وكان جدي قد غاب في الحقل.
وضعت المرأة ثلاث بيضات صغيرة الحجم في يد جدتي، ثم اقتربت وهمست في أذني:
“هذه البيضات لك.”
ضحكت وهي تلمس أذنيّ البارزتين، وقالت بلهجتها الريفية: ” أمشرفا.”
لم أفهم ما تعني، لكن الكلمة ظلت عالقة بي، حتى كبرت، وفهمت معناها من أمي.
وما زالت كلمتها الانتقادية تشعرني بالخجل، كلما نظرت إلى أذنيّ البارزتين الكبيرتين،
ويشفع لها فقط مذاق البيض البلدي، الذي ظل يرافقني، وأنا أعقد المقارنات الظالمة بينه وبين البيض الأبيض الذي يُنتج على غفلة من الزمن.

ركضت مع جدي إلى المزرعة، شجر البرتقال يطل علينا، وحبات البطيخ الأحمر المحلى بطعم السكر.
صوت الحراثة وهدير المياه المنساب من السواقي، أنساني قصور سمية السبعة، الطماطم والبامية والعمباء (البابايا) والبلح، يسحرني رؤية الزرع ورائحة الطين والهواء النقي البارد.
يحملني جدي على ظهر الحمار بعد جولة في الحقول الواسعة، ويعود بي إلى الأرض الأخرى المتوارية خلف سلسلة من الجبال الشاهقة الرمادية، حيث يزرع السمسم.
الطريق وعر، مرتفعات من الصخور وآثار أقدام أطفال وكبار من مئات السنين محفورة في الصخور، وعيون مليئة بمياه الأمطار حلوة المذاق، يُقال لها “كرع”، وأنا امتطي ظهر الحمار حتى لا أتعب في المسير. بينما جدي يسير بثبات وباتجاه كمن حفظ المكان عن ظهر قلب.
كان المكان ساحرًا وغامضًا في ذات الوقت.
أطلت سمية في خيالي لوهلة مع نسياني المتعمد، وصوت الأقزام السبعة الذي يؤكد غيابها، لكنها ما زالت حاضرة، وقصورها الوهمية تحطم معاني الحياة في قلبي الصغير وخيبة الأمل بعد عودتي من القرية، حالما ضحك الجميع بقهقهة ملأت الغرفة وهم يعايدون بعضهم، وكيف انطلت عليّ حيلة عمي وصدقتها.
ضحكات عائلتي تحجز مقاعدها من خيبات الأمل، ومن عدم الثقة، بعدد قهقهاتهم وبعدد السنوات القادمة، كلما تذكروا رحلتي ثم عودتي بخفّي حُنين.