“كن نافعا..تكن إنسانا”

صورة الكاتب
بقلم: د. لبنى مرتضى
التاريخ: 3 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2934
“كن نافعا..تكن إنسانا”

كن نافعا..تكن إنسانا
(القيم الإنسانية)
حوار: مع أ.د محمد كريم الساعدي
تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى:

(كن نافعا…تكن إنسانا) إن المقولة وبعمقها الفلسفي تشير إلى أن مجرد ولادتك ككائن بشري لايكفي لاستحقاق وصفك (إنسان) بالقيم المعنوية, فالانسانية الحقيقية هي صفة تكتسب من خلال العطاء والفعل الإيجابي في حياة الآخرين.
فإن القيم كالاشجار لاتنمو بين ليلة وضحاها بل تحتاج إلى تربة صالحة وماء وعناية, فتربة القيم هو ضميرنا الحي, وماؤها تربيتنا, وعنايتها إرادتنا, فزراعة بذور الحب والوفاء تسعدنا وتسعدكم, ولهذا المعنى كان لنا وقفة محبة مع الدكتور محمد كريم الساعدي استاذ فلسفة علم الجمال في قسم التربية الفنية بكلية التربية بجامعة ميسان بحوار فكري يشد وزر التعريف بالقيم الإنسانية وفحواها الحقيقي بالمعنى المطلق. وقد بدأنا معه بسؤالنا دكتورمحمد:
س1: ما الذي تعنيه لك عبارة (القيم الإنسانية)، وهل يمكن الاتفاق عليها عالمياً؟
القيم الإنسانية هي ما أوجدته البشرية من معايير من الممكن أن تكون مرتكزاً للتعاملات البشرية وتنظيم الفعل الحضاري الذي تهدف إليه المجتمعات الإنسانية عامة، وكذلك الأفراد؛ من خلال ما يتم تقديمه في المنظور الحياتي، سواء أكان هذا المنظور يومياً، أو ما هو أعمق من خلال المجال الزمني الدائم، وكذلك من خلال ما هو فردي من فعل يقوم به الإنسان، أو من خلال ما هو عمل جماعي ترتكز عليه البشرية جمعاء. لذا فإن القيم الإنسانية هي بلورة لكل عمل بشري صادق يمتلك قيمةً من الممكن أن تُطبق في كل مكان أو زمان دون أن يكون هنالك استغراب من هذه الأفعال القيمية في مجتمع ما.
س2: هناك قيم إنسانية ثابتة لأنها ضرورية لاستقرار المجتمعات وسعادة الإنسان، وتتفق عليها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مثل: العدل، الصدق، الرحمة، التسامح وغيرها الكثير. فكيف لنا أن نميز بين القيم الإنسانية الثابتة والعادات الاجتماعية المتغيرة؟
القيم الإنسانية هي بأكملها وأشملها ثابتة، وهذا الثبات الذي وصلت إليه هذه القيم نابع من كونها موازين تُقاس بها الأفعال والأعمال البشرية؛ فمن يمتلك فعلاً في هذه الحياة لا بد أن يكون لديه معيار يقيس فعله تجاهه، أي لا بد من قيمة حقيقية يضعها البشر نصب أعينهم حتى يميزوا الخبيث من الطيب، وهذه القيم هي الأنوار التي يهتدي بها الفعل الإنساني إلى الصواب. حقيقةً، كل معطى حضاري قائم على هذه القيمة الإنسانية، وهو مختلف تماماً عن العادات والتقاليد التي تحاول المجتمعات تكوينها نتيجة لأفعال خاصة بشعب ما، أو طائفة ما، أو قومية ما، أو جماعة ما. لذا فإن القيمة الإنسانية هي معيار يصلح لقياس الفعل الإنساني في كل زمان ومكان، كما هي قيمة الصدق مثلاً؛ هذه القيمة متفق عليها بين كل المجتمعات الإنسانية، لكن بعض العادات والتقاليد التي تُطبق في بلد ما قد لا تصلح في بلد آخر، وهذه هي الفروق بين القيم الإنسانية وبين العادات والتقاليد الاجتماعية.
س3: كيف تتصرف عندما تتصادم قيمتان لديك (مثل الصدق والرحمة)، كإخفاء حقيقة لحماية شخص ما؟
لكل قيمة مجالها الخاص في التطبيق، لكن عندما توجد قيمة تمثل الصدق وأخرى تمثل الرحمة، فهما لا يتعارضان كونهما يمثلان جوانب مهمة من العيش البشري على هذه الأرض، ويمثلان صلة التعامل بين البشرية جمعاء؛ فالصدق دائماً ما يقود إلى الرحمة، والرحمة كذلك تقود إلى الصدق، وكلاهما يقودان إلى القيم الأخرى. لكن إن كان السؤال يشير إلى التطبيق الذي قد يوقع البعض منا في خطأ التصور بأن كل قيمة من الممكن أن تصطدم مع الأخرى في التطبيق، فهذا الشيء خطأ؛ إذ لا يوجد تصادم بين القيم، لكن يوجد تصادم بين البشر في محاولة حرف القيم عن مواقعها، وهنا يكون الخطأ والتصادم بين البشر أنفسهم الذين يجهلون معنى الصدق والرحمة بوصفهما قيمتين، أي التصادم بين المعاني المتعارضة التي يحملها البشر عن هذه القيم، وليس بين القيم ذاتها.
س4: نحن نعلم أن القيم الإنسانية الاجتماعية هي المبادئ والأخلاقيات التي تنظم علاقات الأفراد داخل المجتمع وتعزز بينهم التعاون والاحترام المتبادل، فهل يمكن فرض قيم إنسانية اجتماعية على مجتمع بحجة الخصوصية الثقافية؟
الخصوصية الثقافية هي نفسها التي ذكرنا ما يتطابق معها، وأعني العادات والتقاليد الاجتماعية. وفي هذا الخصوص أقصد أن ثقافة مجتمع ما قد تصطدم مع قيمة إنسانية عليا تُطبق في الفضاء العام للمجتمعات كافة؛ فالثقافة لا تعني في الوقت الحاضر ما يجب أن يتمتع به المجتمع من ميزات عالية وراقية بين الأمم والشعوب الأخرى فحسب، لا، قد تعني الثقافة اليوم ما يتميز به المجتمع من صيغة في تناول الطعام، أو في ميزة التعامل مع الحيوان من خلال التظاهر بكون هذا المجتمع يعمل على الرفق بالحيوان وغير ذلك، والثقافة قد تعني الطرائق التي يتبعها مجتمع ما في الملبس والمأكل والحديث وغير ذلك، لكن القيمة الإنسانية تسمو على ذلك كونها تجعل ما هو متقاطع بين الثقافات قابلاً للتعامل والتطبيق بين الشعوب.
س5: نحن نعيش ضمن مجتمعات تنادي بالحريات الشخصية، فأين تقع حدود حرياتنا مقابل مسؤولياتنا تجاه الآخرين والمجتمع؟
الحرية الشخصية تطبيق فردي تضمنه القوانين والأعراف وحتى بعض الثقافات المحلية التي تعطي لهذه الحرية الفردية تطبيقاتها في المجتمعات. لكن الحرية الفردية لا بد أن يكون لها حد يجعلها لا تتقاطع أو تصطدم مع الحريات الأخرى. المجتمعات قائمة على نظم معينة تحكم الآخرين إذا وجد هناك تقاطع بينهم، فالحريات تنبع من المجال التطبيقي للأفعال البشرية، بينما النظم والقوانين هي التي تضبط هذه الحريات من أجل تنظيمها داخل المجتمعات.
س6: إن العلاقة بين السلطة والحرية الشخصية علاقة جدلية غالباً ما تقوم على التوتر والموازنة، فهل غياب السلطة يعني حرية حقيقية؟ أم أن الفوضى تقتل القيم؟
دائماً ما أنادي بالقانون بوصفه مجالاً يضمن العلاقة بين السلطة والفرد، فهو مجال يكبت الفوضى ويعمل على حذفها من الشيوع في ظاهر الحياة. وكذلك دائماً ما أوضح لمن حولي أن هنالك ثلاثة أنظمة لا يمكن تواجدها مع بعضها البعض في الحياة الواقعية، وهذه الأنظمة المتعارضة في الوجود الواقعي وغير المنسجمة على مستوى التنظير والتطبيق، هي كالآتي:
1. القانون: وهو من يجعل الحياة تسير بشكل دقيق دون فوضى، أو دكتاتور يجعل من القانون مجرد وجود وهمي بين عامة الناس.
2. الدكتاتورية: وهي الحد المتسلط والمتسم بالعنف للقضاء على كل ما حول الدكتاتور؛ فالدكتاتورية تلغي أو تجمد القانون وتطبيقاته الدقيقة، وهي في الوقت نفسه تقضي على كل فوضى تظهر في الحياة العامة.
3. الفوضى: أو اللانظام، وهي بدورها تلغي عمل القانون، ولا تجعل للدكتاتورية حضوراً في فضائها الذي يكون غير منظم وغير قابل لظهور تطبيقات القانون وسلطة الدكتاتور.
س7: التضامن يحول المسؤولية الفردية إلى قوة جمالية، والتعاون يسمح بتبادل الموارد والخبرات لمواجهة التحديات، فكيف لقيم مثل التضامن والتعاون أن تواجه مشكلات مثل الذكاء الاصطناعي؟
في الوقت الحاضر لا يوجد مجال معرفي واحد فقط، فالتعددية في الفضاءات المعرفية تجعلها غير منضبطة الظهور، وخاصة في المجال الذي يجعل من الكل حاضراً دون وعي يحكم مبادئ التعامل. لذا لا يصبح للقيم الإنسانية فعل حقيقي في أكثر من مجال معرفي، أو في أفق يكون فيه البشر حاضرين بمجالين معرفيين؛ مثلاً: المجال الرقمي والمجال الواقعي. لو كانت ميزة القيمة الخاصة بالتعاون والتضامن موجودة في مجال واحد فقط، كالواقعي، سوف تظهر قيمة التعاون بشكل فعلي وبناء كون الحضور هنا حقيقياً قائماً على بعد وجودي مادي يحكم تصرفات الأفراد، لكن في المجال الرقمي تتعدد الهويات في الظهور للشخص الواحد، مما يجعله غير قابل للتصديق في تطبيقاته عن التعاون والتضامن، كونه لا يكون واحداً في الظهور بل متعدداً، وهذا التعدد يفقده المصداقية في تطبيق القيم الإنسانية.
س8: هل هناك وسيلة حديثة لتربية أبنائنا على قيم اجتماعية دون فرضها عقائدياً؟ (وما رأيك بالمشروع العقائدي في التربية؟).
المشروع العقائدي الحقيقي لا يتعارض مع القيم الإنسانية والاجتماعية، لكن إذا شاب هذا المشروع وسيط غير جيد يحاول تسييس المفاهيم العقائدية لصالح مشروعه الخاص، ستكون المشاريع العقائدية مشاريع فردانية مختلفة باختلاف تطبيقاتها في الحياة الواقعية. فالدين وجد للبحث في الإنسان وقيمه وفاعليته نحو الخير، لذا فالتربية قائمة على ركائز مهمة منها الدين بتطبيقاته السليمة، والمجتمع بوجوده الذي يتشكل من خلاله فعل الخير، والعلم الذي يسهم في خدمة البشرية دون تعارض مع الدين والمجتمع. هذه الثلاثة من الممكن أن تجعل من القيمة الإنسانية قيمة قائمة على البناء الروحي والإنساني من خلال التجربة الحقيقية لتطبيقات هذه القيم والأفعال البشرية الصادقة لبناء الحياة.
س9: هل يتغير ميزان القيم عند الإنسان في أوقات الحروب والأوبئة؟
القيم ميزانها واحد لا يتغير منذ بداية البشرية إلى نهايتها، من يتغير هو التطبيق لهذه القيم، والتطبيق لا يجعل من القيم غير حقيقية وغير صادقة مفهوماً، بل يجعلها خارج سياقها تطبيقاً، وهذا التطبيق الخاطئ يفرغها من وجودها الحقيقي ويصبح ظهورها غير حقيقي وغير صادق، أي يكون وجودها معطلاً فعلياً.
س10: لو كان عليك اختيار قيمة إنسانية واحدة فقط لتصبح دستوراً للبشرية، ماذا تكون؟ ولماذا؟
كل القيم جيدة لكن قد يكون لها قائد أو محرك يمكن أن يجعل كل هذه القيم قابلة للتطبيق، وقيمة الصدق هي القيمة القائدة للقيم الأخرى؛ فإذا كان الفرد والجماعة يتصفون بالصدق، ستكون كل القيم قابلةً للظهور بشكل عفوي دون حاجة إلى التصنّع في إظهارها أمام الناس.
س11: كلمة أخيرة موجهة للعالم الإنساني؟
أنا أرى بأن أي نظام قائم وحاكم ويمتلك سلطة، إذا لم يطبق القيم الإنسانية في المجتمعات التي يحكمها، ستكون نهايته السقوط المذل، وليس السقوط فقط، بل لا يذكره التاريخ بخير؛ سيكون في قائمة الأنظمة التي عطلت القيم الإنسانية في الحياة، ومن يعطلها فهو يعطل النظام الكوني ويعطل الفطرة والطبيعة البشرية ويعطل السنن الكونية. لكن في حقيقة الأمر كل شيء يعود ويرجع إلى أصله السليم، والأصل السليم هو دائماً ما يكون أو يرتقي إلى القيم العليا، والقيم الإنسانية هي إحدى الركائز الأساسية في هذه القيم العليا
شكراً للدكتورة لبنى وشكراً للقائمين على مجلة الجمان على هذا اللقاء وهذا المشروع الإنساني الذي تقدمه أسرة المجلة.
نبذة ذاتية:
محمد كريم خلف الساعدي
العراق_ مدينة العمارة
ماجستير فنون مسرحية_جامعة البصرة (كلية الفنون الجميلة)
دكتوراه في فلسفة الإخراج المسرحي في (خطابات مابعد الكولونية في المسرح العراقي)
حصل على لقب مدرس عام 2008
حصل على لقب استاذ مساعد 2011
حصل على لقب الأستاذية 2016
حاليا: استاذ فلسفة علم الجمال في قسم التربية الفنية_كلية التربية الأساسية_جامعة ميسان.

عن الکاتب / الکاتبة

د. لبنى مرتضى
د. لبنى مرتضى
الإعلامية/ سوریة

مقالات أخرى للكاتب

كن نافعا..تكن إنسانا (القيم الإنسانية) حوار: مع الدكتور محمد كريم الساعدي

كن نافعا..تكن إنسانا (القيم الإنسانية) حوار: مع الدكتور محمد كريم الساعدي

كن نافعا..تكن إنسانا (القيم الإنسانية) حوار: مع الدكتور محمد كريم الساعدي تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى:…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
17 مايو 2026
اقرأ المزيد
حوار مع الباحث والمؤرشف محمد سيد علوان صالح النعيمي

حوار مع الباحث والمؤرشف محمد سيد علوان صالح النعيمي

السباق مع الزمن لإنقاذ ماتبقى من الذاكرة (الرافدين الملف الأصعب) حوار مع الباحث والمؤرشف محمد…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
20 أبريل 2026
اقرأ المزيد
طوبى لصانعي السلام (إنهم أحباب الله على الأرض) مطرانية الأرمن الأرثوذكس

طوبى لصانعي السلام (إنهم أحباب الله على الأرض) مطرانية الأرمن الأرثوذكس

طوبى لصانعي السلام (إنهم أحباب الله على الأرض) مطرانية الأرمن الأرثوذكس رسالة سيادة المطران أرماش…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
15 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“كن نافعا..تكن إنسانا”

بقلم: د. لبنى مرتضى | التاريخ: 3 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

كن نافعا..تكن إنسانا
(القيم الإنسانية)
حوار: مع أ.د محمد كريم الساعدي
تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى:

(كن نافعا…تكن إنسانا) إن المقولة وبعمقها الفلسفي تشير إلى أن مجرد ولادتك ككائن بشري لايكفي لاستحقاق وصفك (إنسان) بالقيم المعنوية, فالانسانية الحقيقية هي صفة تكتسب من خلال العطاء والفعل الإيجابي في حياة الآخرين.
فإن القيم كالاشجار لاتنمو بين ليلة وضحاها بل تحتاج إلى تربة صالحة وماء وعناية, فتربة القيم هو ضميرنا الحي, وماؤها تربيتنا, وعنايتها إرادتنا, فزراعة بذور الحب والوفاء تسعدنا وتسعدكم, ولهذا المعنى كان لنا وقفة محبة مع الدكتور محمد كريم الساعدي استاذ فلسفة علم الجمال في قسم التربية الفنية بكلية التربية بجامعة ميسان بحوار فكري يشد وزر التعريف بالقيم الإنسانية وفحواها الحقيقي بالمعنى المطلق. وقد بدأنا معه بسؤالنا دكتورمحمد:
س1: ما الذي تعنيه لك عبارة (القيم الإنسانية)، وهل يمكن الاتفاق عليها عالمياً؟
القيم الإنسانية هي ما أوجدته البشرية من معايير من الممكن أن تكون مرتكزاً للتعاملات البشرية وتنظيم الفعل الحضاري الذي تهدف إليه المجتمعات الإنسانية عامة، وكذلك الأفراد؛ من خلال ما يتم تقديمه في المنظور الحياتي، سواء أكان هذا المنظور يومياً، أو ما هو أعمق من خلال المجال الزمني الدائم، وكذلك من خلال ما هو فردي من فعل يقوم به الإنسان، أو من خلال ما هو عمل جماعي ترتكز عليه البشرية جمعاء. لذا فإن القيم الإنسانية هي بلورة لكل عمل بشري صادق يمتلك قيمةً من الممكن أن تُطبق في كل مكان أو زمان دون أن يكون هنالك استغراب من هذه الأفعال القيمية في مجتمع ما.
س2: هناك قيم إنسانية ثابتة لأنها ضرورية لاستقرار المجتمعات وسعادة الإنسان، وتتفق عليها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مثل: العدل، الصدق، الرحمة، التسامح وغيرها الكثير. فكيف لنا أن نميز بين القيم الإنسانية الثابتة والعادات الاجتماعية المتغيرة؟
القيم الإنسانية هي بأكملها وأشملها ثابتة، وهذا الثبات الذي وصلت إليه هذه القيم نابع من كونها موازين تُقاس بها الأفعال والأعمال البشرية؛ فمن يمتلك فعلاً في هذه الحياة لا بد أن يكون لديه معيار يقيس فعله تجاهه، أي لا بد من قيمة حقيقية يضعها البشر نصب أعينهم حتى يميزوا الخبيث من الطيب، وهذه القيم هي الأنوار التي يهتدي بها الفعل الإنساني إلى الصواب. حقيقةً، كل معطى حضاري قائم على هذه القيمة الإنسانية، وهو مختلف تماماً عن العادات والتقاليد التي تحاول المجتمعات تكوينها نتيجة لأفعال خاصة بشعب ما، أو طائفة ما، أو قومية ما، أو جماعة ما. لذا فإن القيمة الإنسانية هي معيار يصلح لقياس الفعل الإنساني في كل زمان ومكان، كما هي قيمة الصدق مثلاً؛ هذه القيمة متفق عليها بين كل المجتمعات الإنسانية، لكن بعض العادات والتقاليد التي تُطبق في بلد ما قد لا تصلح في بلد آخر، وهذه هي الفروق بين القيم الإنسانية وبين العادات والتقاليد الاجتماعية.
س3: كيف تتصرف عندما تتصادم قيمتان لديك (مثل الصدق والرحمة)، كإخفاء حقيقة لحماية شخص ما؟
لكل قيمة مجالها الخاص في التطبيق، لكن عندما توجد قيمة تمثل الصدق وأخرى تمثل الرحمة، فهما لا يتعارضان كونهما يمثلان جوانب مهمة من العيش البشري على هذه الأرض، ويمثلان صلة التعامل بين البشرية جمعاء؛ فالصدق دائماً ما يقود إلى الرحمة، والرحمة كذلك تقود إلى الصدق، وكلاهما يقودان إلى القيم الأخرى. لكن إن كان السؤال يشير إلى التطبيق الذي قد يوقع البعض منا في خطأ التصور بأن كل قيمة من الممكن أن تصطدم مع الأخرى في التطبيق، فهذا الشيء خطأ؛ إذ لا يوجد تصادم بين القيم، لكن يوجد تصادم بين البشر في محاولة حرف القيم عن مواقعها، وهنا يكون الخطأ والتصادم بين البشر أنفسهم الذين يجهلون معنى الصدق والرحمة بوصفهما قيمتين، أي التصادم بين المعاني المتعارضة التي يحملها البشر عن هذه القيم، وليس بين القيم ذاتها.
س4: نحن نعلم أن القيم الإنسانية الاجتماعية هي المبادئ والأخلاقيات التي تنظم علاقات الأفراد داخل المجتمع وتعزز بينهم التعاون والاحترام المتبادل، فهل يمكن فرض قيم إنسانية اجتماعية على مجتمع بحجة الخصوصية الثقافية؟
الخصوصية الثقافية هي نفسها التي ذكرنا ما يتطابق معها، وأعني العادات والتقاليد الاجتماعية. وفي هذا الخصوص أقصد أن ثقافة مجتمع ما قد تصطدم مع قيمة إنسانية عليا تُطبق في الفضاء العام للمجتمعات كافة؛ فالثقافة لا تعني في الوقت الحاضر ما يجب أن يتمتع به المجتمع من ميزات عالية وراقية بين الأمم والشعوب الأخرى فحسب، لا، قد تعني الثقافة اليوم ما يتميز به المجتمع من صيغة في تناول الطعام، أو في ميزة التعامل مع الحيوان من خلال التظاهر بكون هذا المجتمع يعمل على الرفق بالحيوان وغير ذلك، والثقافة قد تعني الطرائق التي يتبعها مجتمع ما في الملبس والمأكل والحديث وغير ذلك، لكن القيمة الإنسانية تسمو على ذلك كونها تجعل ما هو متقاطع بين الثقافات قابلاً للتعامل والتطبيق بين الشعوب.
س5: نحن نعيش ضمن مجتمعات تنادي بالحريات الشخصية، فأين تقع حدود حرياتنا مقابل مسؤولياتنا تجاه الآخرين والمجتمع؟
الحرية الشخصية تطبيق فردي تضمنه القوانين والأعراف وحتى بعض الثقافات المحلية التي تعطي لهذه الحرية الفردية تطبيقاتها في المجتمعات. لكن الحرية الفردية لا بد أن يكون لها حد يجعلها لا تتقاطع أو تصطدم مع الحريات الأخرى. المجتمعات قائمة على نظم معينة تحكم الآخرين إذا وجد هناك تقاطع بينهم، فالحريات تنبع من المجال التطبيقي للأفعال البشرية، بينما النظم والقوانين هي التي تضبط هذه الحريات من أجل تنظيمها داخل المجتمعات.
س6: إن العلاقة بين السلطة والحرية الشخصية علاقة جدلية غالباً ما تقوم على التوتر والموازنة، فهل غياب السلطة يعني حرية حقيقية؟ أم أن الفوضى تقتل القيم؟
دائماً ما أنادي بالقانون بوصفه مجالاً يضمن العلاقة بين السلطة والفرد، فهو مجال يكبت الفوضى ويعمل على حذفها من الشيوع في ظاهر الحياة. وكذلك دائماً ما أوضح لمن حولي أن هنالك ثلاثة أنظمة لا يمكن تواجدها مع بعضها البعض في الحياة الواقعية، وهذه الأنظمة المتعارضة في الوجود الواقعي وغير المنسجمة على مستوى التنظير والتطبيق، هي كالآتي:
1. القانون: وهو من يجعل الحياة تسير بشكل دقيق دون فوضى، أو دكتاتور يجعل من القانون مجرد وجود وهمي بين عامة الناس.
2. الدكتاتورية: وهي الحد المتسلط والمتسم بالعنف للقضاء على كل ما حول الدكتاتور؛ فالدكتاتورية تلغي أو تجمد القانون وتطبيقاته الدقيقة، وهي في الوقت نفسه تقضي على كل فوضى تظهر في الحياة العامة.
3. الفوضى: أو اللانظام، وهي بدورها تلغي عمل القانون، ولا تجعل للدكتاتورية حضوراً في فضائها الذي يكون غير منظم وغير قابل لظهور تطبيقات القانون وسلطة الدكتاتور.
س7: التضامن يحول المسؤولية الفردية إلى قوة جمالية، والتعاون يسمح بتبادل الموارد والخبرات لمواجهة التحديات، فكيف لقيم مثل التضامن والتعاون أن تواجه مشكلات مثل الذكاء الاصطناعي؟
في الوقت الحاضر لا يوجد مجال معرفي واحد فقط، فالتعددية في الفضاءات المعرفية تجعلها غير منضبطة الظهور، وخاصة في المجال الذي يجعل من الكل حاضراً دون وعي يحكم مبادئ التعامل. لذا لا يصبح للقيم الإنسانية فعل حقيقي في أكثر من مجال معرفي، أو في أفق يكون فيه البشر حاضرين بمجالين معرفيين؛ مثلاً: المجال الرقمي والمجال الواقعي. لو كانت ميزة القيمة الخاصة بالتعاون والتضامن موجودة في مجال واحد فقط، كالواقعي، سوف تظهر قيمة التعاون بشكل فعلي وبناء كون الحضور هنا حقيقياً قائماً على بعد وجودي مادي يحكم تصرفات الأفراد، لكن في المجال الرقمي تتعدد الهويات في الظهور للشخص الواحد، مما يجعله غير قابل للتصديق في تطبيقاته عن التعاون والتضامن، كونه لا يكون واحداً في الظهور بل متعدداً، وهذا التعدد يفقده المصداقية في تطبيق القيم الإنسانية.
س8: هل هناك وسيلة حديثة لتربية أبنائنا على قيم اجتماعية دون فرضها عقائدياً؟ (وما رأيك بالمشروع العقائدي في التربية؟).
المشروع العقائدي الحقيقي لا يتعارض مع القيم الإنسانية والاجتماعية، لكن إذا شاب هذا المشروع وسيط غير جيد يحاول تسييس المفاهيم العقائدية لصالح مشروعه الخاص، ستكون المشاريع العقائدية مشاريع فردانية مختلفة باختلاف تطبيقاتها في الحياة الواقعية. فالدين وجد للبحث في الإنسان وقيمه وفاعليته نحو الخير، لذا فالتربية قائمة على ركائز مهمة منها الدين بتطبيقاته السليمة، والمجتمع بوجوده الذي يتشكل من خلاله فعل الخير، والعلم الذي يسهم في خدمة البشرية دون تعارض مع الدين والمجتمع. هذه الثلاثة من الممكن أن تجعل من القيمة الإنسانية قيمة قائمة على البناء الروحي والإنساني من خلال التجربة الحقيقية لتطبيقات هذه القيم والأفعال البشرية الصادقة لبناء الحياة.
س9: هل يتغير ميزان القيم عند الإنسان في أوقات الحروب والأوبئة؟
القيم ميزانها واحد لا يتغير منذ بداية البشرية إلى نهايتها، من يتغير هو التطبيق لهذه القيم، والتطبيق لا يجعل من القيم غير حقيقية وغير صادقة مفهوماً، بل يجعلها خارج سياقها تطبيقاً، وهذا التطبيق الخاطئ يفرغها من وجودها الحقيقي ويصبح ظهورها غير حقيقي وغير صادق، أي يكون وجودها معطلاً فعلياً.
س10: لو كان عليك اختيار قيمة إنسانية واحدة فقط لتصبح دستوراً للبشرية، ماذا تكون؟ ولماذا؟
كل القيم جيدة لكن قد يكون لها قائد أو محرك يمكن أن يجعل كل هذه القيم قابلة للتطبيق، وقيمة الصدق هي القيمة القائدة للقيم الأخرى؛ فإذا كان الفرد والجماعة يتصفون بالصدق، ستكون كل القيم قابلةً للظهور بشكل عفوي دون حاجة إلى التصنّع في إظهارها أمام الناس.
س11: كلمة أخيرة موجهة للعالم الإنساني؟
أنا أرى بأن أي نظام قائم وحاكم ويمتلك سلطة، إذا لم يطبق القيم الإنسانية في المجتمعات التي يحكمها، ستكون نهايته السقوط المذل، وليس السقوط فقط، بل لا يذكره التاريخ بخير؛ سيكون في قائمة الأنظمة التي عطلت القيم الإنسانية في الحياة، ومن يعطلها فهو يعطل النظام الكوني ويعطل الفطرة والطبيعة البشرية ويعطل السنن الكونية. لكن في حقيقة الأمر كل شيء يعود ويرجع إلى أصله السليم، والأصل السليم هو دائماً ما يكون أو يرتقي إلى القيم العليا، والقيم الإنسانية هي إحدى الركائز الأساسية في هذه القيم العليا
شكراً للدكتورة لبنى وشكراً للقائمين على مجلة الجمان على هذا اللقاء وهذا المشروع الإنساني الذي تقدمه أسرة المجلة.
نبذة ذاتية:
محمد كريم خلف الساعدي
العراق_ مدينة العمارة
ماجستير فنون مسرحية_جامعة البصرة (كلية الفنون الجميلة)
دكتوراه في فلسفة الإخراج المسرحي في (خطابات مابعد الكولونية في المسرح العراقي)
حصل على لقب مدرس عام 2008
حصل على لقب استاذ مساعد 2011
حصل على لقب الأستاذية 2016
حاليا: استاذ فلسفة علم الجمال في قسم التربية الفنية_كلية التربية الأساسية_جامعة ميسان.