ماذا لو قال الذئب؟

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 26 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2591
ماذا لو قال الذئب؟

ماذا لو قال الذئب؟

لم أكن قد وُلدت بعد حين وقعت تلك المأساة التي ظل أثرها محفورًا في قلوبنا، نحن معشر الذئاب، جيلاً بعد جيل. وعندما فتحت عيني على الدنيا، وجدت اسم جدي يُتداول همسًا كما لو كان لعنة، يُذكر على استحياء، وكأن الصوت نفسه قد يجرّ علينا المصيبة من جديد. لم يمنحوه اسمًا واضحًا، بل كانوا يكتفون بالقول: هو الذي أكل ليلى. لكنني كنت أعرفه على طريقتي؛ فقد رأيت صورته محفورة في جذع شجرة البلّوط العتيقة، هناك، في قلب الغابة التي لم يبقَ منها سوى رماد بارد. كان جدي ذئبًا رماديًّا ضخمًا، عيناه صافيتان كحجرين مغسولين بالمطر، وملامحه هادئة على نحو يخيّل إليك أنه وُلد لا يعرف الغدر. قالوا إن فتاة صغيرة خرجت يومًا لزيارة جدتها، وإن الذئب الشرير اعترض طريقها والتهم الاثنتين معًا. وبعدها جاء الحطّاب، تتبّع صوت شخير الذئب النائم، وشق بطنه ليخرج منه ليلى وجدتها سالمتين، قبل أن يجهز عليه بضربة واحدة. تبدو نهاية عظيمة… لو كانت حقيقية. لكن، هل تساءل أحد لماذا كان الذئب يشخر؟ أكان نائمًا بعد وجبة لحم بشري، أم يحتضر بعدما دسّ له الصياد شيئًا في الماء؟ لم ينتبه أحد إلى أن الجدة لم تكن تسكن كوخًا عند حافة الغابة كما يروون، بل كانت تعيش وحيدة في أطراف المدينة، معزولة لا يطرق بابها أحد. ولم يسأل أحد لماذا لم يرَ أي شخص جثتي ليلى أو جدتها… سوى الحطّاب نفسه.
أنا حفيد ذلك الذئب. اسمي لا يهم، فالبشر لا يرون الفرق بيننا أصلًا؛ يكفي أن يقولوا “ذئب” ليتصوروا أننا صورة واحدة مكررة. لكننا لسنا كذلك، فنحن نحترم شيوخنا، لا نصطاد إلا حين يشتد بنا الجوع، نبرّ بزوجاتنا، ولا ننقض عهدًا قطعناه. وجدي، على عكس ما يروون، لم يكن شريرًا قط، بل كان يعرف جيدًا من يكون الحطّاب حقًا. كان صيادًا جائرًا، يتخفّى في ثياب الحطّابين؛ لا يقطع الأشجار كما يوحي مظهره، بل يقطع الرقاب من خلفها. كان يترصّد الذئاب بين الظلال، وعندما يظفر بها يقتلع أنيابها بعنف، ويجمعها في أكياس جلدية ليتاجر بها عند المشعوذين، إذ كانوا يزعمون أن ناب الذئب، إذا انتُزع وهو حي، يطرد الأرواح ويُستعمل في تعاويذ الكراهية.وحين بدأت الغابة تفرغ من ذئابها، لجأ إلى اختراع القصص. حكاية ليلى؟ لم تكن سوى رواية مفبركة، نسجها ليبرّر قتل جدي أمام الملأ. قال إنه أنقذ الفتاة، لكن لم يرها أحد قط؛ وكل ما وُجد معطف أحمر صغير، مبلل بالدماء، لا أحد يعرف صاحبه. أما نحن، فكنا نعرف جيدًا ما تركه الصياد وراءه: جثة جدي، بلا أنياب. في كل شتاء، أعود إلى تلك البقعة من الغابة، حيث ما زالت الأشجار تحترق ببطء، لأدفن عظمة من عظامه، حتى لا يطويه النسيان. وها أنا الآن أروي لكم ما حدث. فالحكاية، في حقيقتها، لم تكن عن ليلى، بل عن جشع البشر، وعن ذئب حاول أن يعيش كما أوصاه أبوه؛ لكن الكذبة، كما جرت العادة، كانت أقوى من الصدق، لأن القاتل نفسه هو من روى القصة. لكن لا أحد يُصغي حقًا إلى الذئب حين يتكلم؛ فالصوت الخارج من بين الأنياب يراه الناس تهديدًا، حتى لو كان نداءً من قلبٍ مثقل بالحزن. جدي، الذي قضى عمره بعيدًا عن حدود البشر، صار بين ليلة وضحاها “قاتل أطفال”. لم يكن يملك لسانًا يبرّر به براءته، ولا قاضيًا يجرؤ على الاستماع. كان الصياد أسرع من العدالة، وفأسه أسرع من الحقيقة. حين كبرت، بدأت أفتّش في القصة. لم أصدقهم، حتى وأنا صغير، وكنت أسأل نفسي: كيف لذئب عاش حياته بين أبويه، لا يقاتل إلا إذا هوجم، أن يدخل بيتًا بلا سبب؟ لماذا يخاطر بجسده ليأكل طفلة؟ نحن الذئاب لا نأكل الأطفال… البشر هم الذين يختلقون الحكايات، لأنهم يجيدون الكذب أكثر مما يجيد الحطّاب تقطيع الخشب. وفي ليلة بعينها، تسللت إلى مغارة جدي القديمة. لم يجرؤ أحد قبل ذلك على دخولها، فقد كانوا يزعمون أن لعنة “آكل ليلى” ما تزال عالقة في جدرانها. لكنني دخلت. كان الظلام يبتلع المكان، والأرض موحلة، والهواء مشبع برائحة الخشب المتفحّم والدم العتيق. وفي أبعد ركن، وراء صخور متشابكة، لمحت شيئًا لم يخطر ببال أحد: كيسًا جلديًا صغيرًا، مضفورًا بخيطان بشرية. وحين فتحته، وجدت بداخله سبعة أنياب… كانت لأجدادي. عندها أدركت الحقيقة… لم يكن جدي الضحية الوحيدة.
في الأيام التالية، تتبعت خطى الصياد. كان قد شاخ واعتزل الصيد منذ زمن، لكن اسمه ما زال يتردد همسًا بين كبار السحرة. التقيت بساحرة عجوز تُدعى “سُعدة العرجاء”، تعيش وحيدة في أعماق المستنقع، وما إن رأت الكيس حتى تمتمت:
“هذا من صنعه… كنتُ شابة حين جاءني بناب الجدّ، وقال: هذا آخر ما تبقى من القطيع الرمادي، خذيه… إنه مليء بالخوف، والخوف أقوى من أي سحر.”

ثم سكتت وبكت، قبل أن تضيف بصوت متهدج: “أخطأت… لم أكن أعلم أنكم مثلي، تبحثون عن بيت، لا عن دم.” عدت إلى الغابة والغضب يشتعل في عروقي. لم أعد أريد تبرئة جدي فقط، بل أردت إعادة كتابة القصة من جديد. وحين وصلت إلى كوخ الصياد القديم، وجدته كما تركه الزمن: نافذة محطمة، كرسي هزاز يئن مع كل هبة ريح، ورائحة رماد متجمد تملأ المكان. كان الشيخ هناك، عيناه بيضاء من الشيخوخة، لكنه حين شم رائحتي، نهض بصعوبة وقال بصوت مرتجف:
“كنت أعلم… أنك ستأتي.”
لم أنقضّ عليه، لم أعضه، ولم أقتله. وقفت أمامه وسألته:
“لماذا؟”
فأجاب، وهو يضع يده على صدره:
“لأني كنت أخافكم… ولأني كرهت أن تكونوا أوفى من البشر.” جلس بعدها، ومات بعد أيام قليلة، وحيدًا… كما عاش. أما أنا، فأصبحت اليوم أروي الحكاية لكل من يريد أن يسمع، ولكل من صدّق الكذبة القديمة. أنا حفيد الذئب… ولم نكن يومًا وحوشًا، كنا فقط صامتين.

 

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أدلة صامته

أدلة صامته

أدلة صامته كان المطر ينزل خفيفاً فوق نوافذ دائرة الطب العدلي حين وصلت جثة ياسين…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
“الحقيقة”

“الحقيقة”

“الحقيقة” الحقيقة خارج النص لم تكن الخيانة كما اكتشف لاحقًا فعلًا مفاجئًا غريبة الخيانة الحقيقية…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
2 مايو 2026
اقرأ المزيد
حين تُطرق الأبواب

حين تُطرق الأبواب

حين تُطرق الأبواب كانت رائحة المطهِّرات تملأ ممرات الطوارئ، رائحة تعرفها منذ اليوم الذي فقدت…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
29 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ماذا لو قال الذئب؟

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 26 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

ماذا لو قال الذئب؟

لم أكن قد وُلدت بعد حين وقعت تلك المأساة التي ظل أثرها محفورًا في قلوبنا، نحن معشر الذئاب، جيلاً بعد جيل. وعندما فتحت عيني على الدنيا، وجدت اسم جدي يُتداول همسًا كما لو كان لعنة، يُذكر على استحياء، وكأن الصوت نفسه قد يجرّ علينا المصيبة من جديد. لم يمنحوه اسمًا واضحًا، بل كانوا يكتفون بالقول: هو الذي أكل ليلى. لكنني كنت أعرفه على طريقتي؛ فقد رأيت صورته محفورة في جذع شجرة البلّوط العتيقة، هناك، في قلب الغابة التي لم يبقَ منها سوى رماد بارد. كان جدي ذئبًا رماديًّا ضخمًا، عيناه صافيتان كحجرين مغسولين بالمطر، وملامحه هادئة على نحو يخيّل إليك أنه وُلد لا يعرف الغدر. قالوا إن فتاة صغيرة خرجت يومًا لزيارة جدتها، وإن الذئب الشرير اعترض طريقها والتهم الاثنتين معًا. وبعدها جاء الحطّاب، تتبّع صوت شخير الذئب النائم، وشق بطنه ليخرج منه ليلى وجدتها سالمتين، قبل أن يجهز عليه بضربة واحدة. تبدو نهاية عظيمة… لو كانت حقيقية. لكن، هل تساءل أحد لماذا كان الذئب يشخر؟ أكان نائمًا بعد وجبة لحم بشري، أم يحتضر بعدما دسّ له الصياد شيئًا في الماء؟ لم ينتبه أحد إلى أن الجدة لم تكن تسكن كوخًا عند حافة الغابة كما يروون، بل كانت تعيش وحيدة في أطراف المدينة، معزولة لا يطرق بابها أحد. ولم يسأل أحد لماذا لم يرَ أي شخص جثتي ليلى أو جدتها… سوى الحطّاب نفسه.
أنا حفيد ذلك الذئب. اسمي لا يهم، فالبشر لا يرون الفرق بيننا أصلًا؛ يكفي أن يقولوا “ذئب” ليتصوروا أننا صورة واحدة مكررة. لكننا لسنا كذلك، فنحن نحترم شيوخنا، لا نصطاد إلا حين يشتد بنا الجوع، نبرّ بزوجاتنا، ولا ننقض عهدًا قطعناه. وجدي، على عكس ما يروون، لم يكن شريرًا قط، بل كان يعرف جيدًا من يكون الحطّاب حقًا. كان صيادًا جائرًا، يتخفّى في ثياب الحطّابين؛ لا يقطع الأشجار كما يوحي مظهره، بل يقطع الرقاب من خلفها. كان يترصّد الذئاب بين الظلال، وعندما يظفر بها يقتلع أنيابها بعنف، ويجمعها في أكياس جلدية ليتاجر بها عند المشعوذين، إذ كانوا يزعمون أن ناب الذئب، إذا انتُزع وهو حي، يطرد الأرواح ويُستعمل في تعاويذ الكراهية.وحين بدأت الغابة تفرغ من ذئابها، لجأ إلى اختراع القصص. حكاية ليلى؟ لم تكن سوى رواية مفبركة، نسجها ليبرّر قتل جدي أمام الملأ. قال إنه أنقذ الفتاة، لكن لم يرها أحد قط؛ وكل ما وُجد معطف أحمر صغير، مبلل بالدماء، لا أحد يعرف صاحبه. أما نحن، فكنا نعرف جيدًا ما تركه الصياد وراءه: جثة جدي، بلا أنياب. في كل شتاء، أعود إلى تلك البقعة من الغابة، حيث ما زالت الأشجار تحترق ببطء، لأدفن عظمة من عظامه، حتى لا يطويه النسيان. وها أنا الآن أروي لكم ما حدث. فالحكاية، في حقيقتها، لم تكن عن ليلى، بل عن جشع البشر، وعن ذئب حاول أن يعيش كما أوصاه أبوه؛ لكن الكذبة، كما جرت العادة، كانت أقوى من الصدق، لأن القاتل نفسه هو من روى القصة. لكن لا أحد يُصغي حقًا إلى الذئب حين يتكلم؛ فالصوت الخارج من بين الأنياب يراه الناس تهديدًا، حتى لو كان نداءً من قلبٍ مثقل بالحزن. جدي، الذي قضى عمره بعيدًا عن حدود البشر، صار بين ليلة وضحاها “قاتل أطفال”. لم يكن يملك لسانًا يبرّر به براءته، ولا قاضيًا يجرؤ على الاستماع. كان الصياد أسرع من العدالة، وفأسه أسرع من الحقيقة. حين كبرت، بدأت أفتّش في القصة. لم أصدقهم، حتى وأنا صغير، وكنت أسأل نفسي: كيف لذئب عاش حياته بين أبويه، لا يقاتل إلا إذا هوجم، أن يدخل بيتًا بلا سبب؟ لماذا يخاطر بجسده ليأكل طفلة؟ نحن الذئاب لا نأكل الأطفال… البشر هم الذين يختلقون الحكايات، لأنهم يجيدون الكذب أكثر مما يجيد الحطّاب تقطيع الخشب. وفي ليلة بعينها، تسللت إلى مغارة جدي القديمة. لم يجرؤ أحد قبل ذلك على دخولها، فقد كانوا يزعمون أن لعنة “آكل ليلى” ما تزال عالقة في جدرانها. لكنني دخلت. كان الظلام يبتلع المكان، والأرض موحلة، والهواء مشبع برائحة الخشب المتفحّم والدم العتيق. وفي أبعد ركن، وراء صخور متشابكة، لمحت شيئًا لم يخطر ببال أحد: كيسًا جلديًا صغيرًا، مضفورًا بخيطان بشرية. وحين فتحته، وجدت بداخله سبعة أنياب… كانت لأجدادي. عندها أدركت الحقيقة… لم يكن جدي الضحية الوحيدة.
في الأيام التالية، تتبعت خطى الصياد. كان قد شاخ واعتزل الصيد منذ زمن، لكن اسمه ما زال يتردد همسًا بين كبار السحرة. التقيت بساحرة عجوز تُدعى “سُعدة العرجاء”، تعيش وحيدة في أعماق المستنقع، وما إن رأت الكيس حتى تمتمت:
“هذا من صنعه… كنتُ شابة حين جاءني بناب الجدّ، وقال: هذا آخر ما تبقى من القطيع الرمادي، خذيه… إنه مليء بالخوف، والخوف أقوى من أي سحر.”

ثم سكتت وبكت، قبل أن تضيف بصوت متهدج: “أخطأت… لم أكن أعلم أنكم مثلي، تبحثون عن بيت، لا عن دم.” عدت إلى الغابة والغضب يشتعل في عروقي. لم أعد أريد تبرئة جدي فقط، بل أردت إعادة كتابة القصة من جديد. وحين وصلت إلى كوخ الصياد القديم، وجدته كما تركه الزمن: نافذة محطمة، كرسي هزاز يئن مع كل هبة ريح، ورائحة رماد متجمد تملأ المكان. كان الشيخ هناك، عيناه بيضاء من الشيخوخة، لكنه حين شم رائحتي، نهض بصعوبة وقال بصوت مرتجف:
“كنت أعلم… أنك ستأتي.”
لم أنقضّ عليه، لم أعضه، ولم أقتله. وقفت أمامه وسألته:
“لماذا؟”
فأجاب، وهو يضع يده على صدره:
“لأني كنت أخافكم… ولأني كرهت أن تكونوا أوفى من البشر.” جلس بعدها، ومات بعد أيام قليلة، وحيدًا… كما عاش. أما أنا، فأصبحت اليوم أروي الحكاية لكل من يريد أن يسمع، ولكل من صدّق الكذبة القديمة. أنا حفيد الذئب… ولم نكن يومًا وحوشًا، كنا فقط صامتين.