مظروف الأسرار: بين الصفحات

صورة الكاتب
بقلم: د. سراب سعدي
التاريخ: 25 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2727
مظروف الأسرار: بين الصفحات

«مظروف الأسرار: بين الصفحات»

لم يكن كلاماً عابراً.
لم يكن حبراً على ورق.
كان اعترافاً كُتب بماء العين، ثم أُغلق عليه داخل مظروفٍ أسمر، كأنما يُوارى جسداً لا رسالة.
كلُّ حرفٍ فيه كان استغاثةً صامتة، صوتاً مخنوقاً لا يريد نجاةً بقدر ما يريد أن يُصغى إليه.
سار بمحاذاة بحرٍ أهوج؛ يستطيع أن يصرخ حين يتألم، ويُدمدم حين يفيض. كان صادقاً أكثر منه!
أما هو، فكان يحمل أنينه في صدره.
يمشي ويمشي؛
حتى بلغ الصرح العالي الذي يسميه ملاذه.
هناك، حيث تُحفظ الجواهر، لا في خزائن، بل على رفوفٍ مغبرة؛ علومٌ وفنونٌ وجغرافيا وأدب… عوالم لا تُدين أحداً بل تصنع انساناً.
بدت فيها الكتب عتيقة وبالية، لم يلمسها منذ أشهرٍ سواه.
أومأ للأمين إيماءة الحاذق العارف، فالأماكن التي نلجأ إليها كثيراً تحفظ وجوهنا، كما نحفظ نحن أسرارها.
توجّه مباشرةً إلى ركنه الذي اعتاده.
كانت الكتب تعرفه كما يعرفها.
مدّ يده بارتباكٍ له ما يسوغه، وانتزع الكتاب الذي كان قد اختاره في المرة السابقة؛ ذلك الذي ترك فيه شيئاً من روحه، ظلت راقدة حتى آخر لحظة.
جلس.
فتح الكتاب.
أغمض عينيه قليلاً، كمن يستأذن الألم قبل أن يوقظه.
التقط أنفاسه، فبدأت يده تتحرك ببطءٍ وثِقَلٍ مُربك، حتى وصلت إلى الجيب المخفي في سترته.
ثم أخرج المظروف.
كان ثقيلاً… ليس بورقه، بل بما دُفن فيه: شظايا روحه، وانهزاماته، ولحظات ضعف، لم يُرِد لها مطلعاً.
تسلّل المظروف بين الصفحات، وأطبق أسراره الدفينة داخل الكتاب.
في تلك اللحظة، شعر أن ثقله هوى في هوّةٍ سحيقة لا قاع لها.
وكأن صفحةً بيضاء وُلدت داخله.
أعاد الكتاب إلى حيث كان.
أومأ للأمين، وهذه المرة كانت الإيماءة أخف ثقلاً.
ثم خرج…
«وكأن كل ما كان يثقل روحه قد انمحى، فعمَّ بداخله هدوءٌ لم يعرفه من قبل.»

عن الکاتب / الکاتبة

د. سراب سعدي
د. سراب سعدي
کاتبة وروائیة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مظروف الأسرار: بين الصفحات

بقلم: د. سراب سعدي | التاريخ: 25 فبراير 2026

التصنيف: قصة قصيرة

«مظروف الأسرار: بين الصفحات»

لم يكن كلاماً عابراً.
لم يكن حبراً على ورق.
كان اعترافاً كُتب بماء العين، ثم أُغلق عليه داخل مظروفٍ أسمر، كأنما يُوارى جسداً لا رسالة.
كلُّ حرفٍ فيه كان استغاثةً صامتة، صوتاً مخنوقاً لا يريد نجاةً بقدر ما يريد أن يُصغى إليه.
سار بمحاذاة بحرٍ أهوج؛ يستطيع أن يصرخ حين يتألم، ويُدمدم حين يفيض. كان صادقاً أكثر منه!
أما هو، فكان يحمل أنينه في صدره.
يمشي ويمشي؛
حتى بلغ الصرح العالي الذي يسميه ملاذه.
هناك، حيث تُحفظ الجواهر، لا في خزائن، بل على رفوفٍ مغبرة؛ علومٌ وفنونٌ وجغرافيا وأدب… عوالم لا تُدين أحداً بل تصنع انساناً.
بدت فيها الكتب عتيقة وبالية، لم يلمسها منذ أشهرٍ سواه.
أومأ للأمين إيماءة الحاذق العارف، فالأماكن التي نلجأ إليها كثيراً تحفظ وجوهنا، كما نحفظ نحن أسرارها.
توجّه مباشرةً إلى ركنه الذي اعتاده.
كانت الكتب تعرفه كما يعرفها.
مدّ يده بارتباكٍ له ما يسوغه، وانتزع الكتاب الذي كان قد اختاره في المرة السابقة؛ ذلك الذي ترك فيه شيئاً من روحه، ظلت راقدة حتى آخر لحظة.
جلس.
فتح الكتاب.
أغمض عينيه قليلاً، كمن يستأذن الألم قبل أن يوقظه.
التقط أنفاسه، فبدأت يده تتحرك ببطءٍ وثِقَلٍ مُربك، حتى وصلت إلى الجيب المخفي في سترته.
ثم أخرج المظروف.
كان ثقيلاً… ليس بورقه، بل بما دُفن فيه: شظايا روحه، وانهزاماته، ولحظات ضعف، لم يُرِد لها مطلعاً.
تسلّل المظروف بين الصفحات، وأطبق أسراره الدفينة داخل الكتاب.
في تلك اللحظة، شعر أن ثقله هوى في هوّةٍ سحيقة لا قاع لها.
وكأن صفحةً بيضاء وُلدت داخله.
أعاد الكتاب إلى حيث كان.
أومأ للأمين، وهذه المرة كانت الإيماءة أخف ثقلاً.
ثم خرج…
«وكأن كل ما كان يثقل روحه قد انمحى، فعمَّ بداخله هدوءٌ لم يعرفه من قبل.»