قصة قصيرة جدا.
نزهة الموتى.
أَيُّ أَخْرَقَ كَانَ مُدِيرُ الْبَلَدِيَّةِ الَّذِي نُقِلَ ذَاتَ صَيْفٍ إِلَى مَدِينَتِنَا الصَّغِيرَةِ حَيْثُ اسْتَهَلَّ أَعْمَالَهُ بِنَقْلِ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ وَسَطِ الْبَلْدَةِ إِلَى خَارِجِهَا.
انْشَغَلَ النَّاسُ بِنَقْلِ جُثَامِينَ وَهَيْاكِلِ مَوْتَاهُمْ فِي حَرَكَةٍ دَائِبَةٍ إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقَعُ خَلْفَ بُيُوتِنَا. كَانَ مَشْهَدُ النَّاسِ وَهُمْ يُغَذُّونَ خُطَاهُمْ نَحْوَ الْمَقْبَرَةِ حَامِلِينَ أَكْيَاسًا بَيْضَ تَضُمُّ رِفَاتَ مَوْتَاهُمْ طَقْسًا جَدِيدًا أَلَمَّ بِالْمَدِينَةِ فَضْلًا عَنْ انْشِغَالِ عَشَرَاتِ الشَّبَابِ فِي الْمَقْبَرَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَحْفِرُ لِاسْتِخْرَاجِ الْعِظَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفِرُ لِيَدْفِنَهَا.
بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ مَا يَزِيدُ بِقَلِيلٍ… تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِي الْمَقْبَرَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ النَّاسُ مِنْ نَقْلِ الْمَوْتَى، وَلَكِنَّ مَا أَزْعَجَ مُدِيرَ الْبَلَدِيَّةِ هِيَ الْقُبُورُ الْمُتَبَقِّيَةُ الَّتِي لَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا أَصْحَابُهَا، فَأَمَرَ بِأَنْ تُحْفَرَ بِالشَّفْلَاتِ وَأَنْ تُرْسَلَ إِلَى بُقْعَةٍ صَغِيرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ تَلاَصِقُ مَدْرَسَتِي الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي التَحَقْتُ بِهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ.
هُنَاكَ… فِي الْمُنْخَفِضِ الَّذِي طُمِرَ بِتُرَابِ الْمَوْتَى كُنَّا نَلْعَبُ وَنَتَراشَقُ بِالْعِظَامِ مُنْدَهِشِينَ مِنْ أَشْكَالِ الْعِظَامِ وَالْجَمَاجِمِ اللَّامِعَةِ. كُنَّا نُخِيفُ بَعْضَنَا الْبَعْضَ بِالْجَمَاجِمِ الْمُكَسَّرَةِ وَنَتَسَابَقُ بِنَزَقٍ وَفَرَحٍ عَجِيبٍ.
بَعْدَ أَيَّامٍ سُوِّيَتِ الْأَرْضُ وَزُرِعَتْ وَأَصْبَحَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَجْمَلِ حَدَائِقِ مَدِينَتِنَا، بَيْنَمَا نَبَتَتْ شَجَرَةٌ عَمَلاقَةٌ قُرْبَ دَارِ السِّينَمَا الَّتِي شُيِّدَتْ فَوْقَ الْمَقْبَرَةِ وَشَطَرَتْ جِدَارَهَا إِلَى نِصْفَيْنِ، حَيْثُ عُوقِبَ مُدِيرُ الْبَلَدِيَّةِ بِالنَّقْلِ وَكَذَلِكَ الْمُهَنْدِسُ الْمُقِيمُ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَبَابُ الْمَدِينَةِ وَأَطْفَالُهَا الْأَفْلَامَ الَّتِي كَانُوا يَحْلُمُونَ بِرُؤْيَتِهَا وَهُمْ يَجْلِسُونَ مُسْتَرْخِينَ يَجْرُشُونَ حَبَّ عِبَاد الشمس.
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
سعد عودة
التعليقات