أبْيَاتٌ

صورة الكاتب
بقلم: صابرين الصباغ
التاريخ: 29 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1335
أبْيَاتٌ

أبْيَاتٌ

عَشِقْتُ حُرُوفَهُ؛ كَأنَّهُ اخْتَرعَ أبْجَدِيَّةً جَدِيدَةً لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُهُ، كَلِمَاتُهُ تَتسَاقَطُ كَالنَّدَىَ فَوْقَ وُرَيقَاتِ مَشَاعِري. سَكَنَتْ دَوَاوِينُه رُفُوفَ وِجْدَاني؛ لأجِدُنِي حَفِظْتُ كُلَّ قَصَائِدِهِ وسَكَنْتُ أبْيَاتَهُ. كَانَتْ حُرُوفُهُ وِرْدَ عِشْقٍ أتْلُوهُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ نَوْمِي.
صَدِيقَتِي القَريِبَةُ إلَى قَلْبِي مَلَّتْ حَدِيثِي عَنْهُ ومَلَّتْ أبْيَاتَهُ الَّتِي تَمنَّتْ أنْ تَؤولَ للسُقُوطِ لتَسْتَريحَ مِنْ سَمَاعِهَا.
– أتَعلَمِينَ أنَّ أُمْنِيَتي الوَحِيدَةَ هِي أنْ أرَاهُ حَتَّىَ لَوْ مِتُّ بَعْدَهَا لَا يُهِمُّنِي!
– واللهِ إنَّكِ غَريبَةٌ؛ تَعْشَقِينَ رَجُلًا -لَا تَعْرِفِينَه- مِنْ مُجرَّدِ كِتَابَاتِه.
– نَعْمْ، تَترَاقَصُ مَشَاعِرِي مِنْ حُرُوفِهِ كَرَقْصِ المَاءِ فَي الكَأْسِ، بَلْ وأشْعُرُ أحْيَانًا كَأنَّها صُقُورٌ تَنْهَشُنِي!
تَضْحَكُ صَدِيقَتِي، وأضْحَكُ مَعَهَا… أهْرَعُ إلَيْهَا…
– أدْرِكِينِي؛ سَيَأتِي فِي أُمْسِيَّةٍ بالجَامِعَةِ! لَا أُصَدِّقُ أنِّي سَأرَاهُ فِي الحَقِيقَةِ، وسَيَكُونُ قَرِيبًا مِنِّي.
يَومُ الأُمْسيَّةِ، أرْتَدِي أجْمَلَ مَا عِندِي؛ أحْبَبَتُ أنْ يَرانِي كَقَصِيدَةٍ حَيَّةٍ تَخْتَالُ بِقَافِيَةِ أنِيقَةٍ، ويَرَىَ كُلَّ بُحُورِ الشِّعْرِ بِعَيْنَيْ.
يَقِفُ عَلَى المَسْرَحِ يُلْقِي الشِّعْرَ، وكَأنَّهُ يُلْقِي قَنَابِلَ تَنْفَجِرُ مِنْهَا مَشَاعِرُنَا وتَتَشَظَّىَ أرْوَاحُنَا، وإنْ صَمَتَ قَلِيلًا اسْتَجْدَتْهُ آذَانُنَا لتَرْتَويَ مِنْ رَحِيقِ إبْدَاعِهِ.
تَنتَهِي الأُمسٍيَةُ، ويُصبِحُ وسْطَ الجَمْعِ يُسَلِّمُ عَلَى هَذَا وذَاكَ، ويُوَقِّعُ فِي دَفَاتِرِ عُشَّاقِهِ..
تَنْظُرُ إليَّ.. تَقُولُ: “هَا هُوَ أمَامَكِ؛ اذْهَبي إلَيْهِ”. تَمَنَّيتُ أنْ تَدْفَعَني أشْرِعَتُها ليُبِحرَ قَارَبي إلَيْه، اقْتَربْتُ، وبَعْدمَا صَارَ أمَامِي لَا يَفصِلُهُ عَنِّي سِوىَ سَاتِرٍ مِنْ هَواءٍ ، بَعدَما اخْتَلَستُ بَعِضًا مِنْ عِطْرِهِ الَّذِي أسْكَرَني، قُلْتُ لَهُ:
– أعْشَقُ إبْدَاعَكَ؛ لَمْ أتْرُك بَيْتًا لَكَ إلَّا وسَكَنتُهُ.
– كَمْ أنْتِ رَقِيقَةٌ وجَمِيلَةٌ! سَأُهدِيكِ آخِرَ دِيوَانٍ (ولِلعِلْمِ هُوَ لَمْ يُطْرَح بالأسْوَاقِ بَعدُ).
بَحَثتُ عَنْ صَدِيقَتِي لِتُسَاعِدَنِي؛ لأتَحمَّلَ مَوْجَاتِ الفَرْحِ الَّتِي تَضْرِبُ شَاطَيءَ وِجْدَانِي، فَلَمْ أجِدْهَا. كُنْتُ أرْتَشِفُ مَلَامِحَهُ وهُوَ يَكْتُبُ لِيَ الإهْدَاءَ، مَدَدَتُّ يَدِي وأخَذْتُهُ؛ كَتَبَ فِيهِ:
“إلَىَ مَنْ سَكَنتْنِي عَيْنَاهَا.. حُورِيَّة بُحُورِ الشِّعْرِ ”
احْتَضَنْتُ الدِّيوَانَ، وعُدْتُّ إلَىَ البَيْتِ تَكَادُ سَعَادَتي تَخْلِقُ لِيَ أجْنِحَةً.
قَرَأْتُ الإهْدَاءَ ألْفَ ألْفَ مَرَّةٍ حَتَّى أنَّ عَيْنَيّ نَسَخَتَا مِنهُ نُسَخًا كَثِيرَةً سَكَنَتْ حَوَائِطَ وسَقْفَ غُرْفَتِي، غَفَوْتُ كَأنَّ غُلَافَهُ جَفْنَانِ نَامَا فَوْق مُقْلَتَيَّ.
فِي الصَّباحِ طِرْتُ إلَى الجَامِعَةِ.. رَأيْتُ صَدَيقَتَي الَّتِي اخْتَفَتْ أَمْس، ولَمْ تَحضِر مَعِي حَفْلَ عُرسِ لِقَائِنَا، رَكَضُتُّ نَحْوَهَا، فَقَدَتْ قَدَمايَ مَكَابِحِهَا لأرْتَطِمَ بِهَا؛ فتَسقُطُ مَجْمًوعَةُ الكُتُبِ مِنْ يَدِهَا.
اعْتَذَرْتُ مِنْهَا وانْحَنَيْتُ لألْتَقِطَهَا، لأجِدَ دِيوَانَ شَاعِرِي الَّذِي لَمْ يُطْرحُ بالأسْوَاقِ، فَتَحْتُ غُلَافَهُ؛ لِأجِدَ إهْدَاءَهُ إلَيْهَا
…………………….عَيناَهَ
…………… بُحُورِ الشِّعْرِ!

عن الکاتب / الکاتبة

صابرين الصباغ
صابرين الصباغ
أدیبة وکاتبة / مصر

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أبْيَاتٌ

بقلم: صابرين الصباغ | التاريخ: 29 ديسمبر 2025

التصنيف: قصة قصيرة

أبْيَاتٌ

عَشِقْتُ حُرُوفَهُ؛ كَأنَّهُ اخْتَرعَ أبْجَدِيَّةً جَدِيدَةً لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُهُ، كَلِمَاتُهُ تَتسَاقَطُ كَالنَّدَىَ فَوْقَ وُرَيقَاتِ مَشَاعِري. سَكَنَتْ دَوَاوِينُه رُفُوفَ وِجْدَاني؛ لأجِدُنِي حَفِظْتُ كُلَّ قَصَائِدِهِ وسَكَنْتُ أبْيَاتَهُ. كَانَتْ حُرُوفُهُ وِرْدَ عِشْقٍ أتْلُوهُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ نَوْمِي.
صَدِيقَتِي القَريِبَةُ إلَى قَلْبِي مَلَّتْ حَدِيثِي عَنْهُ ومَلَّتْ أبْيَاتَهُ الَّتِي تَمنَّتْ أنْ تَؤولَ للسُقُوطِ لتَسْتَريحَ مِنْ سَمَاعِهَا.
– أتَعلَمِينَ أنَّ أُمْنِيَتي الوَحِيدَةَ هِي أنْ أرَاهُ حَتَّىَ لَوْ مِتُّ بَعْدَهَا لَا يُهِمُّنِي!
– واللهِ إنَّكِ غَريبَةٌ؛ تَعْشَقِينَ رَجُلًا -لَا تَعْرِفِينَه- مِنْ مُجرَّدِ كِتَابَاتِه.
– نَعْمْ، تَترَاقَصُ مَشَاعِرِي مِنْ حُرُوفِهِ كَرَقْصِ المَاءِ فَي الكَأْسِ، بَلْ وأشْعُرُ أحْيَانًا كَأنَّها صُقُورٌ تَنْهَشُنِي!
تَضْحَكُ صَدِيقَتِي، وأضْحَكُ مَعَهَا… أهْرَعُ إلَيْهَا…
– أدْرِكِينِي؛ سَيَأتِي فِي أُمْسِيَّةٍ بالجَامِعَةِ! لَا أُصَدِّقُ أنِّي سَأرَاهُ فِي الحَقِيقَةِ، وسَيَكُونُ قَرِيبًا مِنِّي.
يَومُ الأُمْسيَّةِ، أرْتَدِي أجْمَلَ مَا عِندِي؛ أحْبَبَتُ أنْ يَرانِي كَقَصِيدَةٍ حَيَّةٍ تَخْتَالُ بِقَافِيَةِ أنِيقَةٍ، ويَرَىَ كُلَّ بُحُورِ الشِّعْرِ بِعَيْنَيْ.
يَقِفُ عَلَى المَسْرَحِ يُلْقِي الشِّعْرَ، وكَأنَّهُ يُلْقِي قَنَابِلَ تَنْفَجِرُ مِنْهَا مَشَاعِرُنَا وتَتَشَظَّىَ أرْوَاحُنَا، وإنْ صَمَتَ قَلِيلًا اسْتَجْدَتْهُ آذَانُنَا لتَرْتَويَ مِنْ رَحِيقِ إبْدَاعِهِ.
تَنتَهِي الأُمسٍيَةُ، ويُصبِحُ وسْطَ الجَمْعِ يُسَلِّمُ عَلَى هَذَا وذَاكَ، ويُوَقِّعُ فِي دَفَاتِرِ عُشَّاقِهِ..
تَنْظُرُ إليَّ.. تَقُولُ: “هَا هُوَ أمَامَكِ؛ اذْهَبي إلَيْهِ”. تَمَنَّيتُ أنْ تَدْفَعَني أشْرِعَتُها ليُبِحرَ قَارَبي إلَيْه، اقْتَربْتُ، وبَعْدمَا صَارَ أمَامِي لَا يَفصِلُهُ عَنِّي سِوىَ سَاتِرٍ مِنْ هَواءٍ ، بَعدَما اخْتَلَستُ بَعِضًا مِنْ عِطْرِهِ الَّذِي أسْكَرَني، قُلْتُ لَهُ:
– أعْشَقُ إبْدَاعَكَ؛ لَمْ أتْرُك بَيْتًا لَكَ إلَّا وسَكَنتُهُ.
– كَمْ أنْتِ رَقِيقَةٌ وجَمِيلَةٌ! سَأُهدِيكِ آخِرَ دِيوَانٍ (ولِلعِلْمِ هُوَ لَمْ يُطْرَح بالأسْوَاقِ بَعدُ).
بَحَثتُ عَنْ صَدِيقَتِي لِتُسَاعِدَنِي؛ لأتَحمَّلَ مَوْجَاتِ الفَرْحِ الَّتِي تَضْرِبُ شَاطَيءَ وِجْدَانِي، فَلَمْ أجِدْهَا. كُنْتُ أرْتَشِفُ مَلَامِحَهُ وهُوَ يَكْتُبُ لِيَ الإهْدَاءَ، مَدَدَتُّ يَدِي وأخَذْتُهُ؛ كَتَبَ فِيهِ:
“إلَىَ مَنْ سَكَنتْنِي عَيْنَاهَا.. حُورِيَّة بُحُورِ الشِّعْرِ ”
احْتَضَنْتُ الدِّيوَانَ، وعُدْتُّ إلَىَ البَيْتِ تَكَادُ سَعَادَتي تَخْلِقُ لِيَ أجْنِحَةً.
قَرَأْتُ الإهْدَاءَ ألْفَ ألْفَ مَرَّةٍ حَتَّى أنَّ عَيْنَيّ نَسَخَتَا مِنهُ نُسَخًا كَثِيرَةً سَكَنَتْ حَوَائِطَ وسَقْفَ غُرْفَتِي، غَفَوْتُ كَأنَّ غُلَافَهُ جَفْنَانِ نَامَا فَوْق مُقْلَتَيَّ.
فِي الصَّباحِ طِرْتُ إلَى الجَامِعَةِ.. رَأيْتُ صَدَيقَتَي الَّتِي اخْتَفَتْ أَمْس، ولَمْ تَحضِر مَعِي حَفْلَ عُرسِ لِقَائِنَا، رَكَضُتُّ نَحْوَهَا، فَقَدَتْ قَدَمايَ مَكَابِحِهَا لأرْتَطِمَ بِهَا؛ فتَسقُطُ مَجْمًوعَةُ الكُتُبِ مِنْ يَدِهَا.
اعْتَذَرْتُ مِنْهَا وانْحَنَيْتُ لألْتَقِطَهَا، لأجِدَ دِيوَانَ شَاعِرِي الَّذِي لَمْ يُطْرحُ بالأسْوَاقِ، فَتَحْتُ غُلَافَهُ؛ لِأجِدَ إهْدَاءَهُ إلَيْهَا
…………………….عَيناَهَ
…………… بُحُورِ الشِّعْرِ!