إِنْشُودَةُ الطِّينِ
(I)
هَذِهِ الْأَرْضُ،
أُمُّنَا الَّتِي مِنْ طِينِهَا نُشِئْنَا،
نَقْسُو عَلَيْهَا الْآنَ..
وَنُخَرِّبُهَا.
كَابْنٍ عَاقٍّ
يَقْطَعُ يَدَ الرَّحِمِ الْحَانِي.
(II)
الطَّبِيعَةُ تَبْكِي بِصَمْتٍ،
وَنَحْنُ نَضْحَكُ فِي صَخَبٍ.
نَقْطَعُ ظِلَّ الْأَشْجَارِ،
وَنُلْقِي سُمَّنَا فِي مَاءِ الْأَنْهَارِ.
كَأَنَّنَا نَقْتُلُ غَرِيبًا..
لَا أَنْفُسَنَا!
(III)
يَصْدَحُ صَوْتُ الطِّينِ الْأَصِيلِ:
لِمَ حَوَّلْتُمُونِي سِلَاحًا؟
أَلَمْ أَكُنْ حُبًّا يُطْعِمُكُمْ؟
أَلَمْ أَكُنْ نَدًى يَرْوِيكُمْ؟
لِمَ جَعَلْتُمُونِي وَسِيلَةَ دَمَارٍ..
أَنَا الَّذِي كُنْتُ مَهْدَ الْبَدَايَاتِ؟
(IV)
خَانَتْ أَيْدِينَا الْأَرْضَ،
كَمَا خَانَتْ قُلُوبُنَا الْحَنَانَ.
قَتَلْنَا فِي الْغَابَةِ ظِلًّا وَحَيَاةً،
وَفِي الصَّدْرِ قَتَلْنَا إِنْسَانًا.
مَزَّقْنَا جِلْدَ التُّرَابِ،
كَمَا مَزَّقْنَا رِقَّةَ الْأَوْصَالِ.
(V)
تَبْكِي الْأَرْضُ دَمًا..
مَعَ كُلِّ جَرَّافَةٍ تَغْرُزُ فِي جَنْبِهَا.
نَسْكُبُ مِلْحَنَا عَلَى جُرُوحِهَا،
وَنَنْسَى – فِي غُرُورِنَا –
أَنَّ كُلَّ شِقٍّ فِيهَا..
هُوَ شِقٌّ فِينَا.
(VI)
تَمُوتُ الطَّبِيعَةُ بِصُورٍ بَلِيعَةٍ..
تَنْظُرُ بِعَيْنَيْ حُزْنٍ تَتَسَاءَلَانِ:
كَيْفَ يَبْنِي الْقَاتِلُ مَدِينَةً..
عَلَى جُثَّةِ الْمَقْتُولِ؟
(VII)
يَا لَيْتَ الطِّينَ لَمْ يَمْنَحْنَا صُورَتَنَا!
يَا لَيْتَ الْأَرْضَ لَمْ تَحْتَضِنْ غُرُورَنَا!
لَكَانَ الْفَجْرُ أَصْفَى..
وَكَانَ الْوَرْدُ أَنْقَى..
وَلَمْ يَعْرِفِ الْكَوْنُ دَمًا عَلَى ضَفَّةِ نَهْرٍ.
(VIII)
الطِّينُ الْآنَ يَنْدَمُ..
يَتَمَنَّى لَوْ ظَلَّ صَمْتًا.
لَوْ ظَلَّ حَجَرًا بَلُّورِيًّا فِي قَعْرِ وَادٍ..
لَمْ تَلْمَسْهُ أَصَابِعُنَا..
وَلَمْ تَدُنِّسْهُ أَنْفَاسُنَا.
(IX)
قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ..
سَتُرْسِلُ الْأَرْضُ وَصِيَّتَهَا الْأَخِيرَةَ:
“كُنْتُمْ زَهْرَتِي..
فَصِرْتُمْ جَمْرَتِي.
كُنْتُمْ أَجْمَلَ وَلَدٍ..
فَصِرْتُمْ أَعْنَتَ عَبْدٍ”.
(X)
وَتَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ الْمُرَّةِ:
“مَنْ يَقْتُلُ مَهْدَهُ..
لَا يَسْتَحِقُّ مَأْوًى.
وَمَنْ يَجْحَدُ أُمَّهُ..
لَا يَسْتَحِقُّ اسْمًا”.
(XI)
تَرْفَعُ الطَّبِيعَةُ كَأْسَ السُّمِّ بِيُسْرٍ..
كَأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الدَّوَاءَ!
تَشْرَبُ مِنْ كَرَاهِيَتِنَا كَأْسًا..
أَمْسَكْنَا نَحْنُ بِطَرَفِهَا الْآخَرَ..
فَشَرِبْنَا نِصْفَهَا.
(XII)
الْأَشْجَارُ تَسْقُطُ كَالشُّهَدَاءِ..
وَالْأَنْهَارُ تَخْنُقُهَا الْقَذَارَةُ.
وَنَحْنُ نَغَنِّي عَلَى أَلْحَانِ الْفِيدْيُوهَاتِ..
عَنْ جَمَالِ الْغَابَاتِ الَّتِي لَمْ نَعْرِفْهَا إِلَّا خَلْفَ الشَّاشَاتِ!
(XIII)
سَيَأْتِي يَوْمٌ..
يَقُومُ فِيهِ الطِّينُ مِنْ مَقَابِرِ الْأَعْمَاقِ.
يَسْأَلُنَا عَنْ حَقِّهِ الْمَغْصُوبِ..
كَأَنِّي بِهِ يَقُولُ:
“مَا زَالَ فِي جُعْبَتِي بَقِيَّةُ غَضَبٍ..
وَعِنْدِي مِنَ الْحِسَابِ عَتِيدٌ”.
(XIV)
وَيَخْتِمُ الْحِكَايَةَ بِكَلِمَةٍ قَاسِيَةٍ:
“أَنَا الَّذِي بَدَأْتُكُمْ طِينًا..
وَأَنَا الَّذِي سَأُعِيدُكُمْ تُرَابًا.
لِأَنَّكُمْ لَمْ تَعُودُوا أَهْلًا لِهَذِهِ الْحَيَاةِ..
وَلَا لِتِلْكَ الْأَرْضِ”.
(XV)
وَسَنَعُودُ..
كَمَا بَدَأْنَا.
سَنَحْمِلُ فِي أَكُفِّنَتِنَا غُبَارَ خِيَانَتِنَا..
وَرَائِحَةَ الْأَسَافِينِ الَّتِي طَعَنَّا بِهَا جَنْبَ الْوُجُودِ.
(XVI)
وَسَيَبْقَى الطِّينُ – بَعْدَنَا – حَكَّاءً.
يُحَدِّثُ السَّمَاءَ عَنْ جِيلٍ غَابِرٍ..
خَانَ الْعَهْدَ وَالْأَصْلَ.
خَانَ الْمَاءَ وَالظِّلَّ.
خَانَ نَفْسَهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
(XVII)
وَهَذِهِ آخِرُ اللَّوْحَاتِ:
إِنْسَانٌ وَاقِفٌ عَلَى رُفَاتِ الْعَالَمِ..
يَمْسَحُ دَمْعَةً..
لَا يَدْرِي أَنَّ سَاعَتَهُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتِ الْجَمِيعَ.
—
(خَاتِمَةُ الْمُنْشِدِ)
هَذِهِ إِنْشُودَةُ الطِّينِ..
مُلْهَمَةُ الْأَلَمِ..
نَشِيدُ الْخِيَانَةِ..
وَأُغْنِيَةُ الْوَعْيِ الْمُتأخِّرِ.
قِصَّةُ مَنْ نَسُوا أَنَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ..
وَإِلَيْهَا يَعُودُونَ.
ناظم السعدي
تسنيم حومد سلطان
محمد جعفر العقابي
التعليقات