لحظة خاطفة على ورقة بيضاء

صورة الكاتب
بقلم: هانم عطية الصيرفي
التاريخ: 3 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2640
لحظة خاطفة على ورقة بيضاء

لحظة خاطفة على ورقة بيضاء

كانت امرأة عادية الملامح، مقبولة. لم تبدُ زينة. تشمّر ساعديها وتقف بالمطعم تعدّ صحون الفول والفلافل. يساعدها صبيان صغيران. يخدمان عليها بينما هي تستغرق في قلي الفلافل وغرف صحون الفول في آن واحد.

لمحت هذا الزبون الأول القادم صوب المطعم. همزت بعينيها للصبي أن يمسح المائدة. لكن الصبي حائر أنه منتهٍ في الحال من تنظيف المائدة. فكرّرت همزها. فأطاع هذا الهمز الملتبس. ومسح المائدة وجلس الزبون الذي كان يرتجف من برد البكور. تقدمت هي بإطلالة سطوع الشمس المشرقة بتحية الصباح، ثم وضعت الصحون ووسطّت المائدة بخضار الجرجير الطازج.

بينما هو يعجبه نشاطها. المرأة التي لم تتفوّه إلا بصباح الخير. وقبل أن تترك المائدة، وعدته بكوب شاي على حساب المطعم يزيل البرد. تناول الطعام بشهية وسط نضارة صباحية لا يفوح عبيرها إلا في البكور.

هو يتساءل ما في تلك المرأة من جمال يدعوك للنظر إليها بهذا الشوق. إنها عادية الملامح، تبدو صاحبة مطعم أو ربما عاملة، وربما تكون أمية تجهل القراءة والكتابة. ولكن شيئًا يجذبني لعينيها البنيتين، فهما ضيقتان ولكن يتسعان لاحتضان العالم. إنني أرى قلبها حقولًا خضراء كالجرجير الذي وضعته بمنتصف المائدة. غير دفء كفيها من العمل ملأ المطعم دفئًا غير عاديًا. لا أريد ترك المكان وأتمنى أن أكون أنا هنا وحدي لا يشاركني تلك الجلسة إلا أنا وعيناها.

أخرجت من حقيبتي أجندتي وقلمي. وجدتني أكتب فيها أحلى قصائدي. وجدت لو أن ألقاها على مسمعها وأرى البهجة في عينيها وأسمع إطراءً يقول إنه فهم شعوري.

أسعدني الحظ حينما أتت بكوب الشاي الدافئ. ومن بين شفتيها تتدلى حروف “تفضّل الشاي”، وسألتني عن عدد ملاعق السكر. ولكن سبقني لساني قائلًا إنه لا يحتاج سكر. يكفيني سلوانًا هذا الصباح رؤيتك سيدتي.

وقفت تطالع وجهي قائلة: “أتسخر مني؟” وأعادت لسمعي “سيدتي” قالتها بدهشة. قلت: “حاشا لله”. قالت: “أنا سيدة بسيطة. لم أشتغل من قبل. لقد توفي زوجي تاركًا لي طفلتين وهذا المطعم، فخرجت أدير الحياة من خلال العمل به حتى أنفق على طفلتي وأعلمهما ما لم أتعلمه أنا”.

كنت أستمع وأكتشفت ما بين الحروف من قوة ووعي. ولكني فرغت من الطعام، وكوب الشاي احتسيته حتى بلغت القاع. والمطعم امتلأ بالناس والوقت داهمني وضاع مني لقاء مع صاحب دار النشر. فلملمت أوراقي على عجل، وتركت لها قصيدتي على المائدة. اكتشفت بعدها أن ما تركته كان ورقة بيضاء. وأن القصيدة كانت بحقيبتي.

عن الکاتب / الکاتبة

هانم عطية الصيرفي
هانم عطية الصيرفي
كاتبة وشاعرة/ مصر

مقالات أخرى للكاتب

“مدينتي”

“مدينتي”

مدينتي أتذكرني وأنا أسير في الدروب أتلمس شذا الزهور ويد المصافحة مداها القلوب هنا ناس…

صورة الكاتب هانم عطية الصيرفي
6 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


لحظة خاطفة على ورقة بيضاء

بقلم: هانم عطية الصيرفي | التاريخ: 3 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

لحظة خاطفة على ورقة بيضاء

كانت امرأة عادية الملامح، مقبولة. لم تبدُ زينة. تشمّر ساعديها وتقف بالمطعم تعدّ صحون الفول والفلافل. يساعدها صبيان صغيران. يخدمان عليها بينما هي تستغرق في قلي الفلافل وغرف صحون الفول في آن واحد.

لمحت هذا الزبون الأول القادم صوب المطعم. همزت بعينيها للصبي أن يمسح المائدة. لكن الصبي حائر أنه منتهٍ في الحال من تنظيف المائدة. فكرّرت همزها. فأطاع هذا الهمز الملتبس. ومسح المائدة وجلس الزبون الذي كان يرتجف من برد البكور. تقدمت هي بإطلالة سطوع الشمس المشرقة بتحية الصباح، ثم وضعت الصحون ووسطّت المائدة بخضار الجرجير الطازج.

بينما هو يعجبه نشاطها. المرأة التي لم تتفوّه إلا بصباح الخير. وقبل أن تترك المائدة، وعدته بكوب شاي على حساب المطعم يزيل البرد. تناول الطعام بشهية وسط نضارة صباحية لا يفوح عبيرها إلا في البكور.

هو يتساءل ما في تلك المرأة من جمال يدعوك للنظر إليها بهذا الشوق. إنها عادية الملامح، تبدو صاحبة مطعم أو ربما عاملة، وربما تكون أمية تجهل القراءة والكتابة. ولكن شيئًا يجذبني لعينيها البنيتين، فهما ضيقتان ولكن يتسعان لاحتضان العالم. إنني أرى قلبها حقولًا خضراء كالجرجير الذي وضعته بمنتصف المائدة. غير دفء كفيها من العمل ملأ المطعم دفئًا غير عاديًا. لا أريد ترك المكان وأتمنى أن أكون أنا هنا وحدي لا يشاركني تلك الجلسة إلا أنا وعيناها.

أخرجت من حقيبتي أجندتي وقلمي. وجدتني أكتب فيها أحلى قصائدي. وجدت لو أن ألقاها على مسمعها وأرى البهجة في عينيها وأسمع إطراءً يقول إنه فهم شعوري.

أسعدني الحظ حينما أتت بكوب الشاي الدافئ. ومن بين شفتيها تتدلى حروف “تفضّل الشاي”، وسألتني عن عدد ملاعق السكر. ولكن سبقني لساني قائلًا إنه لا يحتاج سكر. يكفيني سلوانًا هذا الصباح رؤيتك سيدتي.

وقفت تطالع وجهي قائلة: “أتسخر مني؟” وأعادت لسمعي “سيدتي” قالتها بدهشة. قلت: “حاشا لله”. قالت: “أنا سيدة بسيطة. لم أشتغل من قبل. لقد توفي زوجي تاركًا لي طفلتين وهذا المطعم، فخرجت أدير الحياة من خلال العمل به حتى أنفق على طفلتي وأعلمهما ما لم أتعلمه أنا”.

كنت أستمع وأكتشفت ما بين الحروف من قوة ووعي. ولكني فرغت من الطعام، وكوب الشاي احتسيته حتى بلغت القاع. والمطعم امتلأ بالناس والوقت داهمني وضاع مني لقاء مع صاحب دار النشر. فلملمت أوراقي على عجل، وتركت لها قصيدتي على المائدة. اكتشفت بعدها أن ما تركته كان ورقة بيضاء. وأن القصيدة كانت بحقيبتي.